التفاسير

< >
عرض

فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً
٦٥
وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً
٦٦
وَإِذاً لأَتَيْنَٰهُم مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً
٦٧
وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً
٦٨
-النساء

مقاتل بن سليمان

{فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ}، وذلك "أن الزبير بن العوام، رضى الله عنه، وهو من بنى أسد بن عبد العزى، وحاطب بن أبى بلتعة العنسى من مذحج، وهو حليف لبنى أسد بن عبد العزى، اختصما إلى النبى صلى الله عليه وسلم فى الماء، وكانت أرض الزبير فوق أرض حاطب، وجاء السيل، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: للزبير: اسق، ثم أرسل الماء إلى جارك، فغضب حاطب وقال للنبى صلى الله عليه وسلم: أما إنه ابن عمتك، فتغير وجه النبى صلى الله عليه وسلم، ومر حاطب على المقداد بن الأسود الكندى، فقال: يا أبا لتعة، لمن كان القضاء، فقال: قضى لابن عمته، ولوى شدقه" ، فأنزل الله عز وجل، فأقسم: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} {حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}، يعنى اختلفوا بينهم، يقول: لا يستحقون الإيمان حتى يرضوا بحكمك فيما اختلفوا فيه من شىء، {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ}، يقول: لا يجدون فى قلوبهم شكاً مما قضيت أنه الحق، {وَيُسَلِّمُواْ} لقضائك لهم وعليهم {تَسْلِيماً} [آية: 65].
فقالت اليهود: قاتل الله هؤلاء، ما أسفههم، يشهدون أن محمداً رسول الله ويبذلون له دماءهم وأموالهم، ووطئوا عقبه، ثم يتهمونه فى القضاء، فوالله لقد أمرنا موسى، عليه السلام، فى ذنب واحد، أتيناه فقتل بعضنا بعضاً، فبلغت القتلى سبعين ألفاً حتى رضى الله عنا، وما كان يفعل ذلك غيرنا، فقال عند ذلك ثابت بن قيس بن شماس الأنصارى: فوالله، إن الله عز وجل ليعلم أنه لو أمرنا أن نقتل أنفسنا لقتلناها، فأنزل الله عز وجل فى قول ثابت: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا}، يقول: لو أنا فرضنا {عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ}، فكان من ذلك القليل عمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود، وثابت بن قيس، فقال عمر بن الخطاب، رضى الله عنه: والله لو فعل ربنا لفعلنا، فالحمد لله الذى لم يفعل بنا ذلك، فقال النبى صلى الله عليه وسلم:
"والذى نفسى بيده، للإيمان أثبت فى قلوب المؤمنين من الجبال الرواسى" .
ثم قال: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ} من القرآن، {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} فى دينهم {وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً} [آية: 66]، يعنى تصديقاً فى أمر الله عز وجل، {وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّـآ}، يعنى من عندنا، {أَجْراً عَظِيماً} [آية: 67]، يعنى الجنة، {وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} [آية: 68]، "فلما نزلت: {إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ}، قال النبى صلى الله عليه وسلم: لعمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود، وثابت بن الشماس من أولئك القليل" .