التفاسير

< >
عرض

إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ
٤٤
وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلأَنْفَ بِٱلأَنْفِ وَٱلأُذُنَ بِٱلأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ
٤٥
وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعَيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ
٤٦
وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإِنْجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ
٤٧
-المائدة

مقاتل بن سليمان

ثم أخبر الله عن التوراة، فقال سبحانه: {إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} وضياء من الظلمة، {يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ} من لدن موسى، عليه السلام، إلى عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم، ألف نبى، {ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ} يعنى أنهم مسلمون، أو أسلموا وجوههم لله، {لِلَّذِينَ هَادُواْ}، يعنى اليهود يحكمون بما لهم وما عليهم، {وَ} يحكم بها {وَٱلرَّبَّانِيُّونَ}، وهم المتعبدون من أهل التوراة من ولد هارون، يحكمون بالتوراة، {وَٱلأَحْبَارُ}، يعنى القراء والعلماء منهم، {بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ} عز وجل من الرجم، وبعث محمد صلى الله عليه وسلم فى كتابهم، ثم قال يهود المدينة، كعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، ومالك ابن الضيف، وأصحابهم، {وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ}، يقول: لا تخشوا يهود خيبر أن تخبروهم بالرجم، ونعت محمد صلى الله عليه وسلم، {وَٱخْشَوْنِ} إن كتمتموه، {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} عرضاً يسيراً مما كانوا يصيبون من سفلة اليهود من الطعام والثمار، {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} فى التوراة بالرجم ونعت محمد صلى الله عليه وسلم، ويشهد به، {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ} [آية: 44].
ولما أرادوا القيام،
"قالت بنو قريظة، أبو لبابة، وشعبة بن عمرو، ورافع بن حريملة، وشاس بن عمرو، للنبى صلى الله عليه وسلم، إخواننا بنى النضير، كعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، ومالك بن الضيف، وغيرهم، أبونا واحد، وديننا واحد، إذا قتل أهل النضير منا قتيلاً، أعطونا سبعين وسقاً من تمر، وإن قتلنا منهم قتيلاً، أخذوا منا مائة وأربعين وسقاً من تمر، وجراحاتنا على أنصاف جراحاتهم، فاقض بيننا وبينهم يا محمد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن دم القرظى وفاء من دم النضيرى، وليس للنضيرى على القرظى فضل فى الدم ولا فى العقل" ، قال كعب بن الأشرف، ومالك بن الضيف، وكعب بن أسيد، وأصحابهم، لا نرضى بقضائك، ولا نطيع أمرك، ولنأخذن بالأمر الأول، فإنك عدونا، وما تأول أن تضعنا وتضرنا.
وفى ذلك يقول الله تعالى: {أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ}، يعنى حكمهم الأولن {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً}، يقول: فلا أحد أحسن من الله حكماً، {لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}، وعد الله عز وجل ووعيده، ثم أخبر عن التوراة، فقال سبحانه: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ}، يعنى وفرضنا عليهم فى التوراة، نظيرها فى المجادلة:
{ كَتَبَ ٱللَّهُ } [المجادلة: 21]، يعنى قضى، {أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلأَنْفَ بِٱلأَنْفِ وَٱلأُذُنَ بِٱلأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ}، يقول: فمن تصدق بالقتل والجراحات، فهو كفارة لذنبه، يقول: إن عفى الجروح عن الجارح، فهو كفارة للجارح من الجرح، ليس عليه قود ولا دية، {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ} فى التوراة من أمر الرجم والقتل والجراحات، {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} [آية: 45].
ثم أخبر عن أهل الإنجيل، فقال: {وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم}، يعنى وبعثنا من بعدهم، يعنى من بعد أهل التوراة، {بِعَيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَوْرَاةِ}، يقول: عيسى يصدق بالتوراة، {وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ}، يعنى أعطينا عيسى الإنجيل، {فِيهِ هُدىً} من الضلالة، {وَنُورٌ} من الظلمة، {وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ}، يقول: الإنجيل يصدق التوراة، {وَ} الإنجيل {وَهُدىً} من الضلالة، {وَمَوْعِظَةً} من الجهل، {لِّلْمُتَّقِينَ} [آية: 46] الشرك.
ثم قال عز وجل: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإِنْجِيلِ} من الأحبار والرهبان، {بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ}، يعنى فى الإنجيل من العفو عن القاتل أو الجارح والضارب، {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} فى الإنجيل من العفو واقتص من القاتل والجارح والضارب، {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} [آية: 47]، يعنى العاصين لله عز وجل.