التفاسير

< >
عرض

فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ
١٥
وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ
١٦
كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ
١٧
وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ
١٨
وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً
١٩
وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً
٢٠
كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً
٢١
وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً
٢٢
وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ
٢٣
يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي
٢٤
فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ
٢٥
وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ
٢٦
يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ
٢٧
ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً
٢٨
فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي
٢٩
وَٱدْخُلِي جَنَّتِي
٣٠
-الفجر

مقاتل بن سليمان

وأما قوله: {فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ} [آية: 15] نزلت الآية في أمية بن خلف الجمحي، وعبدالله بن نفيل، أتاه يأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر، ويذكره ذلك، فقال: له أمية بن خلف: ويحك أليس الله يقول: { ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَأَنَّ ٱلْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ } [محمد: 11]، قال عبدالله بن نفيل: نعم، فما له أغنانى وأفقرك؟ قال: كذلك أراد الله، قال أمية: بل أغنانى الله لكرامتى عليه، وأفقرك لهوانك عليه، قال عبدالله بن خطل عند ذلك: لخليق أن يكون الله فعل ذلك، فأنزل الله تعالى: {فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ} {وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ} [آية: 16] قال: يقول: كلا ما أغنيت هذا الغنى لكرامته، ولا أفقرت هذا الفقير لهوانه علي، ولكن كذلك أردت أن أحسن إلى هذا الغنى في الدنيا، وأهون على هذا الفقير حسابه يوم القيامة، ثم قال في سورة أخرى: { فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً } [الشرح: 5، 6] يقول: ليس من شدة إلا بعدها رخاء، ولا رخاء إلا بعده شدة.
ثم انقطع الكلام، ثم ذكر أمية بن خلف الجمحي، وذكر مساوئه، فقال: {كَلاَّ} ما الأمر كما قال أمية بن خلف {بَل} يعني لكن {لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ} [آية: 17] {وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ} [آية: 18] لأنهم لا يرجون بها الآخرة {وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً} [آية: 19] يعني تأكلون الميراث أكلا شديداً {وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً} [آية: 20] ويجمعون المال جمعاً كثيراً، وهي بلغة مالك بن كنانة، ثم قال: {كَلاَّ} ما يؤمنون بالآخرة وهو وعيد، وأما قوله: {إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً} [آية: 21] يعني إذا تركت فاستوت الجبال مع الأرض الممدودة.
ثم قال: {وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} [آية: 22] وذلك أنه تنشق السماوات والأرض، فتنزل ملائكة كل سماء، وتقوم ملائكة كل سماء على حدة، فيجىء الله، تبارك وتعالى، كما قال:
{ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ } [الأنعام: 158]، وكما قال: { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ } [البقرة: 210] قياماً صفوفاً، قال: {وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ} يجاء بها من مسيرة خمس مائة عام عليها سبعون ألف زمام على كل زمام سبعون ألف ملك، متعلقون بها يحبسونها عن الخلائق، وجوههم مثل الجمر، وأعينهم مثل البرق، فإذا تكلم أحدهم تناثرت من فيه النار من فيه بيد كل ملك منهم مرزبة، عليها ألفاً وسبعون رأساً كأمثال الجبال، وهي أخف في يده من الريش، ولها سبعة رءوس كرءوس الأفاعي، وأعينهم زرق، تنظر إلى الخلائق من شدة الغضب، تريد أن تنفلت على الخلائق من غضب الله عز وجل، ويجاء بها حتى تقام على ساق.
ثم قال: {يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ} يعني أمية بن خلف الجمحي إذا عاين النار والملائكة، ثم قال: {وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ} [آية: 23] يعني ومن أين له التذكرة في الآخرة؟ وقد كفر بها في الدنيا، ثم قال يخبر عن حالهم، ما يقولون في الآخرة إذا عاينوا النار، فقال: {يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} [آية: 24] في الدنيا لآخرتي يقول الله تعالى {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ} أي لا يعذب كعذاب الله {أَحَدٌ} [آية: 25] يعني ليس أعظم من الله تعالى سلطانه على قدر عظيمته، وعذابه مثل سلطانه، ثم قال: {وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ} [آية: 26] يعني ولا يوثق كوثاق الله عز وجل.
قوله: {يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ} [آية: 27] يعني المطمئنة بالإيمان {ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً} لعملك {مَّرْضِيَّةً} [آية: 28] بما أعطاك الله عز وجل من الخير والجزاء {فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي} [آية: 29] يعني في رحمتى {وَٱدْخُلِي} من رحمتي في {جَنَّتِي} [آية: 30] نظيرها في طس النمل، قول سليمان بن داود، عليهما السلام:
{ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ } [النمل: 19] نزلت هذه الآية في حبيب بن عدي الذي صلبه أهل مكة، وجعلوا وجهه نحو المدينة، فقال: اللهم إن كان لي عندك خير، فحول وجهي نحو قبلتها، فحول الله عز وجل وجهه نحو هذه القبلة من غير أن يحوله أحد، فلم يستطيع أن يحوله عنها أحد.
حدثنا عبدالله بن ثابت، قال: حدثني أبي، قال: حدثنال الهذيل، قال: حدثنا مقاتل بن سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبدالله بن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
"خلق الله السماء الدنيا من ماء حرج مكفوف، والثانية من حديد، والثالثة من فضة، والرابعة من شبه، والخامسة من ذهب، والسادسة من ياقوتة حمراء، والسابعة من نور عليها ملائكة من نور قيام صفاً صفاً" ، فذلك قوله: { وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا } [الصافات: 1]، فهم أهل السماء السابعة.