التفاسير

< >
عرض

تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً
٤٤
وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً
٤٥
وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَٰرِهِمْ نُفُوراً
٤٦
نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ إِذْ يَقُولُ ٱلظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً
٤٧
ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً
٤٨
وَقَالُوۤاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً
٤٩
قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً
٥٠
أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيباً
٥١
يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً
٥٢
-الإسراء

الكشف والبيان

{تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَاوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} قرأ الحسن: وأبو عمرو ويعقوب وحمزة والكسائي وحفص: بالتاء، غيرهم: يسبح بالياء وإختاره أبو عبيد [.......] وهو التأنيث ومعنى التسبيح التنزيه والطاعة والالتزام بالربوبية وكونها دالة على وجوده وتوحيده.
{وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} .
قال ابن عبّاس: وإن من شيء حي.
وقال الحسن والضحاك: يعني كل شيء فيه الروح.
قال قتادة: يعني الحيوانات والنباتات [..........].
قال عكرمة: الشجرة تسبح والإسطوانة لا تسبح.
قال أبو الخطاب: كنا مع يزيد الرقاشي ومعه الحسن في فقدموا الخوان فقال يزيد الرقاشي يا أبا سعيد يسبح هذا الخوان؟ فقال كان يسبح مرة وقال النبي صلى الله عليه وسلم
"[ما سبحت عصا إلا ترك] التسبيح" .
وقال إبراهيم: الطعام يسبح.
وروى موسى بن عبيدة عن زيد بن أسلم عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
"الا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه؟ إن نوحاً قال لابنه: يابني آمرك أن تقول: سبحان الله وبحمده فإنها صلاة الخلق وتسبيحهم [وبها يرزق الخلق]" .
قال الله {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ}.
قال وهب: إن [..........] إلا وقد كان يسبح لله ثلثمائة سنة.
وروى عبد الله بن [..........] عن المقداد بن معد يكرب قال: إن التراب يسبح مالم يبتل فإذا ابتل ترك التسبيح، وإن الجوزة لتسبح مالم ترفع من موضعها، فإذا رفعت ترك التسبيح، وإن الورق يسبح مادام على الشجرة، فإذا سقط ترك التسبيح وإن الماء ليسبح مادام ماءاً فإذا [تغير] ترك التسبيح، وإن الثوب يسبح مادام جديداً فإذا وسخ ترك التسبيح، وإن الوحش إذا صاحت سبحت فإذا سكتت تركت التسبيح، وإن الثوب [الخلق] لينادى في أول النهار: اللهُمَّ إغفر لمن [......].
وروى أبو عتبة عن ثابت البنائي عن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ كفاً من حصى فسبحن في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتّى سمعنا التسبيح، ثمّ صبّهن في يد أبي بكر حتّى سمعنا التسبيح ثمّ صبهن في عمر حتّى سمعنا التسبيح، ثمّ صبّهن في يد عثمان حتّى سمعنا التسبيح، ثم صبّهن في أيدينا فما سبحت في أيدينا.
وعن جعفر بن محمّد عن أبيه قال:
"مرض النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه جبرئيل بطبق فيها رمان وعنب فتناول النبي صلى الله عليه وسلم فسبح، ثمّ دخل الحسن والحسين فتناولا فسبح العنب والرمان، ثمّ دخل عليّ فتناول منه فسبح أيضاً، ثمّ دخل رجل من أصحابه فتناول فلم يسبح، فقال جبرئيل: إنما يأكل هذا نبي أو وصي أو ولد نبي" .
{وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} يعني لا تعلمون تسبيح ماعدا من تسبيح بلغاتكم وألسنتكم {إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً * وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ} يا محمّد [على] المشركين {جَعَلْنَا بَيْنَكَ} بينهم حجاباً يحجب قلوبهم عن فهمه والانتفاع به.
قتادة: هو حجاب مستور، والمستور يعني الساتر كقوله
{ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً } [مريم: 61] الآية مفعول بمعنى فاعل.
وقيل: معناه مستوراً عن أعين الناس فلا يرونه. وفسّره بعض المفسرين: بالكتاب عن الأعين الظاهرة [فلا يرونه ولا يخلصون] إلى أدلته.
عطاء عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت
{ تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ } [المسد: 1] "جاءت امرأة أبي لهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر (رضي الله عنه) فقال: يا رسول الله لو تنحيت عنها لئلا تسمعك ما يؤذيك، فإنها امرأة بذيئة.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنه سيحال بيني وبينها فلم تره فقالت لأبي بكر: يا أبا بكر هجاني صاحبك قال: والله ما ينطق بالشعر ولا يقوله. فقالت: وإنك لمصدقه فاندفعت راجعة. قال أبو بكر: يارسول الله أما رأتك؟ قال: لا مازال ملك بيني وبينها يسترني حتى ذهبت"
.
وروى الكلبي عن رجل من [أهل الشام] عن كعب في هذه الآية قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستتر من المشركين بثلاث آيات: الآية التي في الكهف { جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً } [الكهف: 57] والآية التي في النحل { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ... } إلى قوله { هُمُ ٱلْغَافِلُونَ } } [النحل: 108]. والآية التي في الجاثية { أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ... } [الجاثية: 23] إلى قوله { غِشَاوَةً } فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأهن يستتر من المشركين.
قال كعب: فحدثت بهن رجلاً من أهل الشام فمكث فيهم ما شاء الله أن يمكث ثمّ قرأ بهنّ فخرج هارباً وخرجوا في طلبه حتّى كانوا يكونون على طريقه ولا يبصرونه.
قال الكلبي: حدثت به رجلاً بالري فأُسر بالديلم فمكث فيهم ماشاء الله أن يمكث ثمّ قرأهنّ وخرج هارباً وخرجوا في طلبه حتّى جعل ثيابهم لتلتمس ثيابه فما يبصرونه.
{وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْآنِ وَحْدَهُ} يقول: وإذا قلت: لا إله إلاّ الله في القرآن وحده وأنت تتلوه {وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً} كارهين له معرضين عنها.
حدثنا أبو الجوزاء عن ابن عبّاس في قوله {وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً} قال: هم الشياطين والنفور جمع نافر مثل قاعد وقعود وجالس وجلوس، وجائز أن يكون مصدراً أُخرج على غير لفظه إذا كان قوله {وَلَّوْاْ} بمعنى نفروا، فيكون معناه [نفوراً].
{نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} لن يقرأ القرآن {وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ} متناجون في أمرك، بعضهم يقول: هو مجنون، وبعضهم يقول: هو كاهن، وبعضهم: ساحر، وبعضهم: شاعر {إِذْ يَقُولُ ٱلظَّالِمُونَ} بمعنى الوليد بن المغيرة وأصحابه حين رجع إليه كفار مكة من أمر محمّد وشاوروه فقال {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} مطبوباً، وقيل: مخدوعاً، وقال أبو عبيدة: [مسحوراً] يعني رجلاً له سحر يأكل ويشرب مثلكم والسحر الرئة يقول العرب للجبان: قد سحره ولكل من أكل وشرب من آدمي وغيره مسحور ومسحر.
قال الشاعر امرىء القيس:

أرانا موضعين لأمر غيبونسحر بالطعام وبالشراب

أي: نغذي ونعلل.
{ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ} شبّهوا ذلك الأشباه.
فقالوا: شاعر وساحر وكاهن ومجنون {فَضَلُّواْ} فجالوا وجاروا {فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً} مخرجاً ولا يهتدون إلى طريق الحق.
{وَقَالُوۤاْ أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً} بعد الموت {وَرُفَاتاً}.
قال ابن عبّاس: غباراً.
قال مجاهد: تراباً، والرفات ما تكسر وبلا من كل شيء، كالفتات والحطام والرضاض.
{أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً * قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً} في الشدة والقوة {أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} يعني خلقاً مما يكبر عندكم عن قبول الحياة وبعثكم وعملكم على [.........] احياؤه فإنه يجيئه، وقيل: ما يليه من بعد ورائهم الموت، وقيل: السموات والأرض، وقيل: أراد به البعث وقيل الموت.
وقال أكثر المفسرين: ليست في نفس بني آدم أكبر من الموت، يقول: لو كنتم الموت لأُميتنكم ولأبعثنكم.
سفيان عن مجاهد وعكرمة في قوله {أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} قالا: الموت.
وروى المعمر عن مجاهد قال: السماء والأرض والجبال يقول كونوا ماشئتم فإن الله يميتكم ثمّ يبعثكم {فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا} خلقاً جديداً بعد الموت {قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ} خلقكم {أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ} أي يحركون رؤوسهم متعجبين ومستهزئين يقال: نغضت سنه إذا حركت وأقلعت من أصله.
قال الراجز:

أبغض نحوى رأسه وأقنعا

وقال آخر:

لما رأسني الغضت لي الرأسا

وقال الحجاج: [أمسك بقضباً لابني] مستهدجا.
{وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيباً} يعني هو قريب لأن عسى من الله واجب نظيره قوله
{ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً } [الأحزاب: 63]، و { لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ } [الشورى: 17].
{يَوْمَ يَدْعُوكُمْ} من قبوركم إلى [موقف يوم القيامة] { فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ} . قال ابن عباس: بأمره.
قتادة: بمعرفته وطاعته، ويحمدونه [وهو مستحق] للحمد.
{وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ} في الدنيا في قبوركم {إِلاَّ قَلِيلاً} زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمرو
"أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس على أهل لا إله إلاّ الله وحشة في قبرهم ولا حشرهم، كأني بأهل لا إله إلاّ الله وهم ينفضون التراب عن رؤسهم ويقولون{ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ} [فاطر: 34] الآية " .