التفاسير

< >
عرض

قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ
١٤٤
وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ
١٤٥
ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
١٤٦
ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ
١٤٧
-البقرة

الكشف والبيان

{قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ} إنّ أوّل ما نسخ من أمور الشرّع أمر القبلة وذلك إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلّون بمكّة إلى الكعبة فلمّا هاجر النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقدمها لليلتين خليا من شهر ربيع الأوّل أمره تعالى أن يصلّي نحو الصخرة ببيت المقدس ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إيّاه إذا صلّى إلى قبلتهم مع مايجدون من نعته في التوراة هذا قول عامّة المفسّرين.
وقال عبد الرحمن بن زيد: قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"هؤلاء يهود يستقبلون بيتاً من بيوت الله، فلو (أنّا) استقبلناه فاستقبله النبيّ صلى الله عليه وسلم، قالوا جميعاً : فصلّى النبيّ وأصحابه نحو بيت المقدس سبعة عشر شهراً وكانت الأنصار قد صلّت إلى بيت المقدّس سنتين قبل قدوم النبيّ صلى الله عليه وسلم" .
وكانت الكعبة أحبّ القبلتين إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، واختلفوا في السبب الّذي كان صلى الله عليه وسلم يكره من أجله قبلة بيت المقدس ويهوى قبلة الكعبة.
فقال ابن عبّاس: لأنّها كانت قبلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
مجاهد : من أجل أنّ اليهود قالوا: يخالفنا محمّد في ديننا ويتّبع قبلتنا.
مقاتل بن حيّان: لمّا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلّي نحو بيت المقدس قالت اليهود : زعّم محمّد أنّه نبي وما يراه أحد إلاّ في ديننا، أليس يصلّي إلى قبلتنا ويستنّ بسنّتنا فإن كانت هذه نبوّة فنحن أقدم وأوفر نصيباً فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فشقّ عليه وزاده شوقاً إلى الكعبة.
ابن زيد: لمّا استقبل النبيّ صلى الله عليه وسلم بيت المقدس بلغه أنّ اليهود تقول: والله ما ندري محمّد وأصحابه أين قبلتهم حتّى هديناهم.
قالوا جميعاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبرئيل :
"وددت أنّ الله صرفني من قبلة اليهود إلى غيرها فإنّي أبغضهم وأبغض توافقهم. فقال جبرئيل: إنما أنا عبد مثلك ليس إليَّ من الأمر شيئاً فاسأل ربّك؟"
فعرج جبرئيل وجعل رسول الله يديم النظر إلى السّماء رجاءَ أنْ ينزل عليه جبرئيل بما يجيء من أمر القبلة. {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ} تحوّل وتصرف وجهك يا محمّد في السّماء.
{فَلَنُوَلِّيَنَّكَ} فلنحوّلنّك ولنصرفنّك.
{قِبْلَةً تَرْضَاهَا} تحبّها وترضاها.
{فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} أي نحوه وقصده.
قال الشاعر:

واطعن بالقوم شطر الملوك حتّى إذا خفق المخدج

أي: نحوهم وهو نصب على الظرف.
والمسجد الحرام: المحرّم كالكتاب بمعنى المكتوب والحساب بمعنى المحسوب. {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ} في برَ أو بحر أو سهل أو جبل شرق أو غرب {فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ} فحوّل القبلة في رجب بعد زوال الشمس قبل قتال بدر بشهرين.
مجاهد وغيره: نزلت هذه الآية ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد بني سلمة، وقد صلّى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر فتحوّل في الصلاة واستقبل الميزاب، وحوّل الرّجال مكان النساء والنساء مكان الرجال فسمّي ذلك المسجد مسجد القبلتين.
قال ابن عبّاس: البيت كلّه قبلة وقبلة البيت الباب والبيت قبلة أهل المسجد والمسجد قبلة أهل الحرم والحرم قبلة أهل الأرض كلّها فلمّا حوّلت القبلة إلى الكعبة قالت اليهود: يا محمّد ما أمرت بهذا - يعنون القبلة - وما هو إلاّ شيء تبتدعه من تلقاء نفسك.
قتادة: فصلّى إلى بيت المقدس وتارة يصلّي إلى الكعبة ولو ثبتّ على قبلتنا لكنّا نرجوا أن تكون صاحبنا الّذي ننتظره ورأيناكم تطوفون بالكعبة وهي حجارة مبنية فأنزل الله:
{وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} يعني أمر الكعبة الحقّ. {مِن رَّبِّهِمْ} وإنّها قبلة إبراهيم ثمّ هددهم فقال: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [قرأ ابو جعفر وابن... والكسائي بالتاء وقال بريد: إنكم يا معشر... تطلبون وصالي وما... عن ثوابكم وجوابكم. وقرأ الباقون... يعني ما الله بغافل عما يعمل اليهود فأجازيهم في الدنيا والاخرة] {وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} يعني يهود المدينة، ونصارى نجران. قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم آتنا بآية كما أتى بها الأنبياء قبلك، فأنزل الله تعالى {وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ}.
{بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ} يعني الكعبة، وقال الأخفش، والزّجاج : أجيئت لئن بما لأنّها بمعنى لو، وقيل: إنّها أجيبت بما لما فيه من معنى اليمين كأنّه قال: والله لئن أتيت الّذين أوتوا الكتاب بكل آية إلى {وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ}؛ لأن اليهود تستقبل بيت المقدس، والنّصارى تستقبل المشرق.
{وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم} مرادهم في أمر القبلة.
{مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} إنّها حقّ وإنّها قبلة إبراهيم.
{إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ} الجاحدين الضارين أنفسهم.
{ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} يعني مؤمني أهل الكتاب عبدالله بن سلام وأصحابه.
{يَعْرِفُونَهُ} يعني محمّداً {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} من بين النصارى.
الكلبي عن الربيع عن ابن عبّاس قال: لمّا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال عمر لعبد الله ابن سلام : لقد أُنزل الله على نبيّه {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} فكيف يا عبدالله هذه المعرفة؟
فقال عبد الله بن سلام: يا عمر لقد عرفته فيكم حين رأيته كما أعرف ابني إذا رأيته مع الصبيان يلعب، وأنا أشدّ معرفةً بمحمّد منّي لابني، فقال عمر: وكيف ذاك؟
فقال: أشهد إنّه رسول حقّ من الله، وقد نعته الله في كتابنا وما أدري ما تصنع النساء، فقال له عمر: وفقك الله يا بن سلام فقد صدقت وأصبت. {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ} يعني صفة محمّد صلى الله عليه وسلم وأمر الكعبة.
{وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ثمّ قال {ٱلْحَقُّ} أي هذا الحقّ خبر ابتداء مضمر.
وقيل: رفع باضمار فعل أي جاءك الحقّ كما قال {وَجَآءَكَ فِى هذه الْحَقُّ} وقرأ علي ابن أبي طالب كرّم الله وجهه {ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} نصباً على الأغراء.
{فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} الشاكيّن مفتعل من المرية والخطاب في هذه الآية : وفي ما قبلها للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره وكلّ ما ورد عليك من هذا النحو فهو سبيله.