التفاسير

< >
عرض

لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ وَٱلنَّبِيِّينَ وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ وَآتَى ٱلزَّكَاةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ
١٧٧
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ
١٧٨
وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
١٧٩
-البقرة

الكشف والبيان

{لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ} قرأ حمزة وحفص: ليس البرَّ بنصب الرّاء، وقرأ الباقون: بالرّفع فمن رفع البرّ جعله إسم ليس، وجعل خبره في قوله {أَن تُوَلُّواْ} تقديره: ليس البرَّ توّليتكم، وجوهكم، ومن نصب جعل أن وصلتها في موضع الرّفع على إسم ليس تقديره: ليس توليتكم وجوهكم البرّ كلّه. كقوله { مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ } [الجاثية: 25]، وقوله { فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ } [الحشر: 17].
هارون عن عبد الله وأُبي بن كعب: إنّهما قرئا ليس البرَّ بأن تولوا وجوهكم، واختلف المفسرون في هذه الآية:
فقال قوم: عنى الله بهذه الآية اليهود والنصّارى؛ وذلك إنّ اليهود كانت تُصلّي قبل المغرب إلى بيت المقدس، والنّصارى قبل المشرق، وزعم كل فريق منهم إنّ البرّ في ذلك، فأخبر الله إنّ البرّ غير دينهم وعملهم، ولكنه مابينّه في هذه الآية، وعلى هذا القول: قتادة والرّبيع ومقاتل بن حيّان وعوف الأعرابي.
وقال الآخرون: المراد بهذه الآية المؤمنون؛ وذلك إنّ رجلاً سأل النبّي صلى الله عليه وسلم عن البرّ، فأنزل الله هذه الآية فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الرّجل فتلاها عليه.
وقد كان الرّجل قبل الفرائض إذا شهد أن لا اله إلاّ الله وإنّ محمّداً عبدهُ ورسوله وصلّى الصلاة إلى أيّ ناحية ثمَّ مات على ذلك وجبت له الجنّة، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت الفرائض وحدّد الحدود، وصرفت القبلة إلى الكعبة. أنزل الله هذه الآية فقال: ليس البرّ كلّه أن تصلّوا وتعملوا غير ذلك.
{وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ} جعل من وهي اسم خبراً للبرّ وهو فعل ولايُقال: البرّ زيد، واختلفوا في وجه الآية:
فقال بعضهم: لما وقع من في موضع المصدر جعله مضمراً للبرّ. كأنّه قال: ولكن البّر الأيمان بالله، والعرب تجعل الأسم خبراً للفعل كقولهم: إنّما البر الصادق الذي يصلُ من رحمه ويُخفي صدقته: يريدون صلة الرّحم، وأخفاء الصّدقة، وعلى هذا القول الفراء والمفضل بن سلمة وأنشد الفراء:

لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحّى ولكنّما الفتيان كل فتى ندي

فجعل نبات اللحية خبراً للفتى.
وقيل: معناه ولكنّ البّر برّ من آمن بالله واستغنى عن النّاس، كقولهم: الجود حاتم، والشجاعة عنترة، والشعر زهير: أي جود حاتم وشجاعة عنترة وشعر زهير، وتقول: العرب: بنو فلان يطأهم الطريق، أي أهل الطريق. قال الله تعالى
{ وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ } [يوسف: 82]، وقال تعالى: { مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ } [لقمان: 28] قال النابغة الجعدي:

وكيف نواصل من أصبحت جلالته كأبي مرحب

أي كجلالة أبي مرحب، وعلى هذا القول قطرب والفراء والزّجاج أيضاً.
وقال أبو عبيدة: معناه ولكنّ البار من آمن بالله كقوله
{ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ } [طه: 132] أي المتقي.
وقيل: معنى ذو البرّ من آمن بالله حكاه الزّجاج. كقوله
{ هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ ٱللَّهِ } [آل عمران: 163]: أي ذو درجات.
قال المبرّد: لو كنت ممن قرأ القرآن لقرئت: لكنَّ البرَّ من آمن بالله بفتح الباء تقول العرب: رجل بر وبار والجمع بررة وابرار، والبرّ: العطف والأحسان، والبرَّ أيضاً: الصدق، والبرَّ هنا الإيمان والتقوى، وهو المراد في هذه الآية بذلك عليه قوله {مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}.
{وَٱلْمَلاۤئِكَة} كلهم.
{وَٱلْكِتَابِ} (يعني الكتب). {وَٱلنَّبِيِّينَ} أجمع.
{وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ} واختلفوا في هذه الحكاية:
فقال أكثر المفسرين: في حبّه راجعة إلى المال يعني أعطى المال في حال صحّته ومحبّته إياه ونفسه به يدلّ عليه قول ابن مسعود في هذه الآية قال: هو أن توصيه وأنت صحيح، تأمل العيش وتخش الفقر ولا تمهل، حتّى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا، ورفع هذا الحديث بعضهم.
وقيل: هي عائدة على الله عزّ وجلّ أي حبّ الله سبحانه.
قال الحسين بن أبي الفضل: على حبّ الأيتاء، وقيل: الهاء راجعة إلى المعطي أي حبّ المعطي.
{ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ} أهل القرابة. عن أمّ رابح بنت صليح عن سليمان بن عامر عن النبّي صلى الله عليه وسلم قال:
"صدقتك على مسكين صدَقة واحدة وعلى ذي الرّحم إثنتين لأنّها صدقة وصلة" .
الزهري عن حميد بن عبد الرّحمن عن أمّه أُم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أفضل الصّدقة على ذي الرّحم الكاشح" .
سليمان بن يسار عن ميمونة زوج النبّي صلى الله عليه وسلم قالت: "أعتقت جارية لي فدخلت على النبّي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بعتقها فقال: آجرك الله أما إنّك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك" .
{وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ} سمّي المجاز واختلفوا فيه فقال أبو جعفر البارقي ومجاهد: يعني المسافر المنقطع عن أهله يمّر عليك.
قتادة: هو الضّيف ينزل بالرجل: قال: وذكرنا أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقول:
"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" .
وكان يقول: "حقّ الضيافة ثلاث ليال فكل شيء أضافه فهو صدقة" .
وإنّما قيل للمسافر والضيف الّذي يحلّ ويرتحل ابن السبيل لملازمته الطريق كما قيل للرّجل الّذي (أتت عليه الدهور) ابن الأيّام واللّيالي، ولطير الماء: ابن الماء لملازمته إيّاه، قال ذو الرّمة:

وردت اعتسافاً والثريّا كأنّها على قمّة الرأس ابن ماء محلّق

{وَٱلسَّآئِلِينَ} المستطعمين الطّالبين.
عبد الله بن الحسين عن أمّه فاطمة بنت الحسين قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"للسائل حقّ وإن جاء على فرس" .
مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هدية الله إلى المؤمن السّائل على بابه" .
{وَفِي ٱلرِّقَابِ} يعني المكاتبين قاله أكثر المفسّرين، وقيل: فداء الاسارى، وقيل: عتق النّسمة وفكّ الرّقبة.
{وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ} المفروضة.
{وَآتَى ٱلزَّكَاةَ} الواجبة.
{وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ} فيما بينهم وبين النّاس إذا وعدوا انجزوا وإذا حلفوا اوفوا، وإذا قالوا صدقوا وإذا أئتمنوا أدَّوا.
قال الرّبيع بن أنس: فمن أعطى عهد الله ثمّ نقضه فالله سبحانه مطعم منه ومن أعطى دمه النبّي صلى الله عليه وسلم ثمّ غدر فالنبّي صلى الله عليه وسلم خصمه يوم القيامة.
وفي وجه ارتفاع الموفّين قولان: قال الفرّاء والأخفش: هو عطف على محل (من) في قوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ} و(من) في موضع جمع ومحلّه رفع كأنّه قال: ولكن البّر المؤمنون والموفون.
وقيل: رفع على الابتداء والخبر تقديره هُم الموفون، ثمّ قال:
{وَٱلصَّابِرِينَ} وفي نصبها أربعة أقاويل. قال أبو عبيد: نصب على تطاول الكلام ومن شأن العرب أن في تعيّر الاعراب إذا طال الكلام (والنسق).
وقال الكسائي: نصبه نسقاً على قوله {ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ} الصابرين.
وقال بعضهم: معناه وأعني الصابرين.
وقال الخليل بن أحمد والفرّاء: نصب على المدح والعرب تنصب على المدح وعلى الذّم كانّهم يريدون بذلك إفراد الممدوح والمذموم ولا يتبعونه بأول الكلام فينصبونه.
فأمّا المدح فقوله تعالى:
{ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ } [النساء: 162] وأنشد الكسائي:

وكلّ قوم أطاعوا أمر مرشدهم إلاّ نميراً اطاعت أمر غاويها
والطاعنين ولما يطعنوا أحدا والقائلين لمن دار يخليها

وأنشد أبو عبيده لحزنق بن عفان:

[لا يبعدن] قومي الَّذين هم سم العداة وانه الجزل
النازلين بكل معترك والطيبين معاقد الأزل

وأما الذّم، فقوله تعالى { مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوۤاْ } [الأحزاب: 61] أخذوا.
وقال عروة بن الورد

تسقوني الخمر ثمّ تكفوني عداة الله من كذب وزور

{فِي ٱلْبَأْسَآءِ} يعني الشدة والفقر {وٱلضَّرَّاءِ} المرض والزمانة وهما إسمان بنيا على فعلاً ولا أفعل لهما لانهما إسمان وليسا بنعت.
{وَحِينَ ٱلْبَأْسِ} وقت القتال: وقال علي (رضي الله عنه): كنّا إذا أحمرّ البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أقربنا إلى العدّو إذا اشتدّ الحرب.
{أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ} في دمائهم.
{وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} روى القاسم: إن إبا ذر سُئل عن الإيمان؟ فقرأ هذه الآية فقال السائل: انّما سألنا عن الإيمان وتخبرنا عن البّر، فقال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن الإيمان فقرأ هذه الآية.
وقال أبو ميسرة: وقرأ هذه الآية ومن عمل بهذه الآية فقد استكمل البرّ.
{يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى} الآية: قال الشعبي والكلبي وقتادة ومقاتل بن حيّان وأبو الجوزاء وسعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في حيّين من أحياء العرب اقتتلوا في الجاهليّة قبل الإسلام بقليل فكانت بينهما قتلى وجراحات لم يأخذها بعضهم من بعض حتّى جاء الإسلام.
قال سعيد بن جبير: إنهما كانا حيّين الأوس والخزرج.
وقال ابن كيسان: قريظة والنّضير، قال: وكان لأحد الحيّين حول على الآخر في الكرم والشّرف، وكانوا ينكحون نسائهم بغير مهور. فاقسموا ليقتلن بالعبد منّا الحرّ منهم، وبالمرأة منّا الرّجل منهم، وبالرّجل منّا الرّجلين منهم، وجعلوا جراحاتهم ضعفي جراحات أولئك وهم كذا يعاملونهم في الجاهلية. فرفعوا أمرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأمرهم بالمساواة فرضوا وسلّموا.
السّدي وجماعة: نزلت هذه الآية في الدّيات؛ وذلك إنّ أهل حزبين من العرب أقتتلوا؛ أحدهما مسلم والآخر معاهد. فأمر الله تعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يصلح بينهم بأن يجعل ديات النّساء من كل واحد من الفريقين قصاصاً بديات النّساء من الفريق الآخر، وديات الرّجال بالرّجال، والعبيد بالعبيد، فأنزل {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ} فرض وكتب عليكم في القتلى، والقصاص: المساواة والمماثلة في النفوس والجروح والدّيات، وأصله من قصّ الأثر إذا اتبّعه فكان المفعول به يتبع ما عمل به فيعمل مثلهُ، ثمّ بيّن فقال: {ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ}.
ذكر حكم الآيات
إذا تكافأ الدّمان من الأحرار المسلمين أو العبيد من المسلمين، أو الأحرار من المعاهدين أو العبيد منهم قُتل من كل صنف منهم: الذكر إذا قُتل منهم بالذكر، والأُنثى إذا قُتلت بالأُنثى، والذكر والأجماع واقع إنّ الرّجل يُقتل بالمرأة لأنّهما يتساويا في الحرّمة والميراث وحد الزّنى والقذف وغير ذلك؛ فلذلك يجب أن يستويا في القصاص ولا يُقتل الحرّ بالعبد وعليه قيمته وإن بلغت (ثلث)؛ لما بينهما من المفاضلة، ولا يُقتل مؤمن بكافر. بدليل ماروى الشّعبي عن أبي حجيفة قال: سألت عليّاً كرم الله وجهه هل عندكم من النبّي صلى الله عليه وسلم سوى القرآن؟
فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسّمة إلاّ أن يعطي الله عزّ وجلّ عبداً فهماً في كتابه ومافي الصحيفة. قلتُ: ومافي الصّحيفة؟
قال: العقل وفكاك الأسير، وأن لايُقتل مسلم بكافر، ولا يُقتل (سيد) بعبده، ولا والد بولده.
يدلّ عليه ماروى إن رجلاً اسمهُ قتادة رمى ابنه بسيف فأصاب رجله فنزف فمات. فقال عمر (رضي الله عنه): لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لايُقاد والد بولده، وإلاّ قدتهُ به.
{فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} أيّ ترك وله وصفح عنه من الواجب عليه وهو القصاص، وروي عن علي (رضي الله عنه) إنّه قتل ثلاثة بواحد في قتل العمد هذا قول أكثر المفسرين قالوا: العفو أن يقبل الدّية في قتل العمد، وقال السّدي: هو أن يبقى له بقية من دية أخيه أو من أرش جراحته.
{فَٱتِّبَاعٌ} أي فعليه اتباع.
{بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} أمر الطالب أن يطلب بالمعروف ويتبع حق الواجب له عليه من غير أن يطالبه بالزّيادة أو يكلفة مالم يوجبه الله له أو يُشدد عليه كما قال النبّي صلى الله عليه وسلم
"من زاد بعيراً في إبل الدّيات وفرائضها فمن أمر الجاهلية" .
حكم الآية
أعلم إنّ أنواع القتل ثلاثة العمد، وشبه العمد، والخطأ: فالعمد: أن يُقصد ضربه، بما أنّ الأغلب إنّه يموت منه مثل الحديدة والخشبة العظيمة والحجر الكبير ونحوها أو حرقهُ أو غرقه أو الشّدة من حبل أو سطح أو في بئر ومايشبه ذلك مما يتعمدّ قلبه ففي هذا القصاص أو الدّية. فدية المسلم ألف دينار ومن الورق أثنا عشر الف درهم ومن الإبل مائة منها أربعون خلفه في بطونها أولادها وثلاثون حقّه، وثلاثون جذعة، الأصل في الرّجل الإبل أو ديات النّساء على النصف من ذلك.
وأما شبه العمد: فهو أن يقصد ضربه. بما الأغلب إنّه لايموت منه مثل: حصى صغير أو عود صغير أو لطمه أو وكزه أو بكسره أو صفعة أو ضربة بالسّيف عمداً أو مااشبه وذلك فمات منه، فهاهنا يجب الدّية مُغلّظة على العاقلة، كما وصفنا في دية العمد.
وأمّا الخطأ: فهو أن يقصد شيئاً فيخطىء ويصوّب غيره. كالرّجل يرمي الهدف أو الصّيد فيُخطىء السهم فيقع بأنسان فيقتله فهو الخطأ المحض وفيه الدّية المخفّفة على العاقلة في ثلاث سنين أخماساً: عشرون بنات مخاض وعشرون بنات لبون وعشرون إبنا لبنون، وعشرون خناق، وعشرون جذعاً، ولايتعين الورق والذّهب، كما تنقص الإبل الذي ذكرت من العفو والديّة.
{تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} وذلك إنّ الله تعالى كتب على أهل التوارة في النّفس والجرح أن يقيدوا ولايأخذوا الدّية ولايعفوا وعلى أهل الأنجيل أن يعفوا ولايقيدوا ولايأخذوا الدّية. فخير الله تعالى هذه الأُمة بين القصاص والدّية والعفو.
كما روى سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"ثمّ أنتم ياخُزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هُذيل، وأنا والله عاقله فمن قتل قتيلاً بعده فأهله بين خيرتين: إن أحبّوا قتلوا وإن أحبّوا أخذوا العقل" .
{فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ} ظلم وتجاوز الحد.
{بَعْدَ ذٰلِكَ} فقيل بعد أخذ الدّية، وقال الحسن: كان الرّجل في الجاهليّة إذا قتل قتيلاً فرَّ إلى قومه فيجيء قومه فيُصالحون بالدّية فذلك الاعتداء.
{فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} يُقتل في الدٌّنيا ولايُعفى عنه.
قال النبّي صلى الله عليه وسلم:
"لا أُعافي رجلاً قتل بعد أخذه الدّية منه" ، وفي الآخرة عذاب النّار، وفي هذه الآية دليل على إنّ القاتل لا يصير كافراً ولا يبقى خالداً في النّار؛ لأنّ الله تعالى خاطبهم فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ} ولا خلاف إنّ القصاص واقع في العمد فلم يسقط عنه أسم الأيمان بارتكاب هذه الكبيرة، وقال في آخر الآية {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} فسمى القاتل أخا المقتول، وقال {ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} وهما [يخصّان] المؤمنين دون الكافرين.
يروى أنّ مسروقاً سُئل هل للقاتل توبة؟
فقال: لا أغلق باباً فتحه الله.
{وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ} بقاء لأنّه إذا علم أنّه إن قتل أمسك وارتدع عن القتل. ففيه حياة للّذي يُهمّ بقتله، وحياة للهام ولهذا قيل في المثل: القتل قلّل القتل.
وقال قتادة: كم رجل قدهمّ بداهية لولا مخافة القصاص لوقع بها ولكنّ الله تعالى حجر عباده بعضهم عن بعض هذا قول أكثر المفسّرين.
وقال السّدي: كانوا يقتلون بالواحد الاثنين والعشرة والمائة فلمّا قصروا بالواحد على الواحد كان في ذلك حياة وقيل: أراد في الآخرة لأنّ من أقيد منه في الدّنيا حيى في الآخرة، وإذا لم يقتص منه في الدنيا اقتصّ منه في الآخرة ويعني الحياة سلامته من قصاص الآخرة، وقرأ أبو الجوزاء: ولكم في القصاص حياة أراد القرآن فيه حياة القلوب.
قال {يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ} ياذوي العقول.
{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} القتل مخافة القود.