التفاسير

< >
عرض

ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِٱلإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلّعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
٨٥
أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ
٨٦
-البقرة

الكشف والبيان

{ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ} يعني يا هؤلاء فحذف النّداء للإستغناء بدلالة الكلام عليه كقوله: { ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا } [الإسراء: 3] فهؤلاء للتنبيه ومبني على الكسرة مثل أنتم {تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} قرآءة العامّة بالتخفيف من القتل.
وقرأ الحسن: تقتلون بالتثقيل من التقتيل.
{وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ} قراءة العامّة وهم أهل الحجاز والشّام وأبو عمرو ويعقوب: تظاهرون بتشديد الظاء، واختاره أبو حاتم ومعناه تتظاهرون فأدغم التّاء في الظاء مثل: أثاقلتم وادّاركوا.
وقرأ عاصم والأعمش وحمزة وطلحة والحسن وأبو عبد الرحمن وأبو رجاء والكسائي: تظاهرون بتخفيف الظاء، واختاره أبو عبيد ووجه هذه القراءة: إنّهم حذفوا تّاء الفاعل وأبقوا تاء الخطاب كقوله
{ وَلاَ تَعَاوَنُواْ } [المائدة: 2] وقوله { مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ } [الصافات: 25].
وقال الشّاعر:

تعاطسون جميعاً حول داركمفكلّكم يا بني حمّان مزكوم.

وقرأ أُبي ومجاهد: تظهّرون مشدداً بغير ألف أي تتظهّرون [........] جميعاً تعاونون، والظهر: العون سمّي بذلك لإسناد ظهره إلى ظهر صاحبه.
وقال الشّاعر:

تكثّر من الاخوان ما اسطعت[.....] اذا إستنجدتهم فظهيرُ
وما بكثير ألف خل وصاحبوانّ عدوّاً واحداً لكثيرُ

{بِٱلإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} بالمعصية والظلم.
{وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ} قرأ عبد الرحمن السّلمي ومجاهد وابن كثير وابن محيصن وحميد وشبل والجحدري وأبو عمرو وابن عامر: (أُسارى تفدوهم) بغير ألف، وقرأ الحسن: (أسرى) بغير ألف (تفادوهم) بألالف، وقرأ النخعي وطلحة والأعمش ويحيى بن رئاب وحمزة وعيسى بن عمرو وابن أبي إسحاق: (أسرى تفدوهم) كلاهما بغير ألف وهي إختيار أبي عبيدة.
وقرأ أبو رجاء وأبو جعفر وشيبة ونافع وعاصم وقتادة والكسائي ويعقوب: (أُسارى تفادوهم) كلاهما بالألف، واختاره أبو حاتم.
فالأسرى: جمع أسير مثل جريح وجرحى، ومريض ومرضى، وصريع وصرعى، والأسارى: جمع أسير أيضاً مثل كُسالى وسُكارى، ويجوز أن يكون جمع أسرى نحو قولك: أمرأة سكرى ونساءٌ سُكارى، ولم يفرق بينهما أحد من العلماء الأثبات إلاّ أبو عمرو.
روى أبو هشام عن جبير الجعفي عن أبي عمرو قال: ما أُسر فهو أُسارى ومالم يؤسر فهو أُسرى، وروي عنه من وجه آخر قال: ما صار في أيديهم فهم أُسارى، وما جاء مستأسراً فهو أسرى.
عن أبي بكر النقاش قال: سمعت أحمد بن يحيى ثعلب وقد قيل له هذا الكلام عن أبي عمرو فقال: هذا كلام المجانين. يعني لافرق بينهما.
وحُكي عن أبي سعيد الضرير إنّه قال: الأُسارى: هم المقيدّون المشدَّدون والأسرى: هم المأسورون غير المقيدين. فأما قولهم تفدوهم بالمال وتنقذوهم بفدية أو بشىء آخر، وتفادوهم: تبادلوهم اراد مفاداة الأسير بالأسير، وأسرى: في محل نصب على الحال.
فأما معنى الآية قال السّدي: إنّ الله عزّ وجلّ أخذ على بني إسرئيل في التوراة أن لا يقتل بعضهم بعضاً، ولا يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم فأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام ثمنه فاعتقوه. فكانت قريظة خُلفاء الأوس، والنّضير خُلفاء الخزرج وكانوا يقتتلون في حرب نمير. فيُقاتل بنو قريظة مع حلفائهم، وبنو النّضير مع حلفائهم، وإذا غلبوا خرّبوا ديارهم وأخرجوهم منها فإذا أُسر رجل من الفريقين كليهما جمعوا له حتّى يفدوه وإن كان الاسير من عدوهم فيُعيّرهم العرب بذلك وتقول: كيف يقاتلونهم ويفدونهم.. ويقولن: إنّا قد أمرنا أنْ نفديهم وحُرّم علينا قتالهم. قالوا: فَلِمَ تقاتلونهم؟
قالوا: نستحي أن تستذل حلفاؤنا فذلك حين عيّرهم الله تعالى فقال: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ} الآية، وفي الآية تقديم وتأخير نظمها: وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالأثمّ والعدوان {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} وأن يأتوكم أُسارى تفدوهم.
وكان الله تعالى أخذ عليهم أربعة عهود: ترك القتل، وترك الأخراج، وترك المظاهرة عليهم مع اعدائهم وفداء أُسرائهم. فأعرضوا عن كل ما أُمروا إلاّ الفداء. فقال الله عزّ وجلّ: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} فأيمانهم بالفداء وكفرهم بالقتل والأخراج والمظاهرة. قال مجاهد: يقول: إن وجدته في يد غيرك فديته، وأنت تقتله بيدك، وقيل: معناه يستعملون البعض ويتركون البعض، تفادون أُسراء قبيلتكم وتتركون أُسراء أهل ملّتكم فلا تفادونهم.
قال الله عزّ وجلّ {فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ} يا معشر اليهود {إِلاَّ خِزْيٌ} عذاب هوان.
{فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} فكان خزي قريظة القتل والسّبي، وخزي بني النضير الجلاء والنفي عن منازلهم وجنانهم إلى أذرعات وريحا من الشّام.
{وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلّعَذَابِ} وهو عذاب النّار وقرأ أبو عبد الرحمن السّلمي وأبو رجاء والحسن: تُردّون بالتاء، لقوله {أَفَتُؤْمِنُونَ}.
{وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} بالتاء مدني وأبو بكر ويعقوب الباقون: بالتاء.
{أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ} استبدلوا.
{ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ} يهوّن ويُرفّه.
{عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} يمنعون من عذاب الله.