التفاسير

< >
عرض

ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ
٨
ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ
٩
ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّٰمٍ لِّلعَبِيدِ
١٠
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ
١١
يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ
١٢
يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ
١٣
إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ
١٤
مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ
١٥
وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ
١٦
إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
١٧
أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ
١٨
-الحج

الكشف والبيان

{ ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} نزلت في النضر بن الحرث، كان كثير الجدال فكان يقول: الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، ويزعم أنّ الله غير قادر على إحياء من قد بلي وعاد تراباً.
قال الله سبحانه {وَيَتَّبِعُ} في قيله ذلك وجداله في الله بغير علم {كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ كُتِبَ عَلَيْهِ} قضي عليه، على الشيطان {أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ} اتّبعه {فَأَنَّهُ} يعني الشيطان {يُضِلُّهُ} يعني يضلّ من تولاه {وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} وتأويل الآية: قضي على الشيطان أنّه يضلّ أتباعه ويدعوهم إلى النار.
ثمّ ألزم الحجّة منكري البعث فقال عزَّ من قائل {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ} يعني أباكم آدم الذي هو أصل النسل ووالد البشر {مِّن تُرَابٍ} ثم ذرّيته {مِن نُّطْفَةٍ} وهو المنيّ وأصلها الماء القليل وجمعها نطاف {ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ} وهي الدم العبيط الجامد وجمعها علق {ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ} وهي لحمة قليلة قدر ما تمضغ {مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ}.
قال ابن عباس وقتادة: تامّة الخلق وغير تامة.
وقال مجاهد: مصوّرة وغير مصوّرة يعني السقط.
قال عبد الله بن مسعود: إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله عزّ وجلّ مَلَكاً فقال: يا رب مخلّقة أو غير مخلقة؟ فإن قال: غير مخلّقة مجّتها الأرحام دماً وإن قال: مخلّقة قال: يا ربّ فما صفة هذه النطفة؟ أذكر أم أُنثى؟ ما رزقها؟ ما أجلها؟ أشقي أم سعيد؟ فيقال له: انطلق إلى أُمّ الكتاب فاستنسخ منه صفة هذه النطفة، فينطلق الملك فينسخها فلا تزال معه حتى يأتي على آخر صفتها.
{لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ} كمال قدرتنا وحكمتنا في تصريفنا أطوار خلقكم.
{وَنُقِرُّ} روي عن عاصم بفتح الراء على النسق، غيره: بالرفع على معنى ونحن نقرُ (في الأرحام) {مَا نَشَآءُ} فلا تمجّه ولا تسقطه {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} وقت خروجها من الرحم تامّ الخلق والمدّة {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ} من بطون أُمهاتكم {طِفْلاً} صغاراً ولم يقل أطفالاً لأنّ العرب تسمّي الجمع باسم الواحد.
قال الشاعر: إنّ العواذل ليس لي بأمير
ولم يقل أُمَراء.
وقال ابن جريج: تشبيهاً باسم المصدر مثل: عدل وزور، وقيل: تشبيهاً بالخصم والضيف.
{ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ} كمال عقولكم ونهاية قواكم.
{وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ} قبل بلوغ الأشدّ {وَمِنكُمْ مَّن} يعمّر حتى {يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ} وهو الهرم والخرف {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً}.
ثمَّ بيَّن دلالة أُخرى للبعث فقال تعالى {وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً} يابسة دارسة الأثر من الزرع والنبات كهمود النار.
{فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ} المطر {ٱهْتَزَّتْ} تحرّكت بالنبات {وَرَبَتْ} أي زادت وأضعفت النبات بمجيء الغيث، وقرأ أبو جعفر: ربأت بالهمز، ومثله في حم السجدة أي ارتفعت وعلت وانتفخت، من قول العرب: ربا الرجل إذا صعد مكاناً مشرفاً، ومنه قيل للطليعة رئبة.
{وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} صنف حسن {ذٰلِكَ} الذي ذكرت لتعلموا {بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ} والحق هو الكائن الثابت {وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ}.
{ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى} بيان وبرهان {وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ} نزلت في النضر بن الحرث {ثَانِيَ عِطْفِهِ} نصب على الحال.
قال ابن عباس: مستكبراً في نفسه، تقول العرب: جاء فلان ثاني عطفه أي متجبّراً لتكبّره وتجبّره، والعطف: الجانب.
الضحّاك: شامخاً بأنفه، مجاهد وقتادة: لاوياً عنقه، عطيّة وابن زيد: معرضاً عمّا يُدعى إليه من الكبر.
ابن جريج: أي يعرض عن الحقّ نظيرها قوله سبحانه
{ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً } [لقمان: 7] الآية.
وقوله
{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ } [المنافقون: 5] الآية.
{لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} عذاب وهوان وهو القتل ببدر.
{وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} فيقال له يومئذ {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} وهذا وأضرابه مبالغة في إضافة الجرم إليه.
{وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلعَبِيدِ} فيعذّبهم بغير ذنب وهو سبحانه على أي وجه تصرّف في عبده فإنّه غير ظالم، بل الظالم: المتعدّي المتحكّم في غير ملكه.
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ} الآية.
نزلت في أعراب كانوا يقدمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجرين من باديتهم فكان أحدهم إذا قدم المدينة، فإن صحّ بها جسمه ونتجت فرسه مهراً حسناً وولدت امرأته غلاماً وكثر ماله وماشيته رضي به واطمأنَّ إليه وقال: ما أصبت مذ دخلت في ديني هذا إلا خيراً، وإن أصابه وجع المدينة وولدت امرأته جارية وأجهضت رماكه وذهب ماله وتأخرّت عنه الصدقة، أتاه الشيطان فقال: والله ما أصبت مذ كنت على دينك هذا إلاّ شرّاً، فينقلب عن دينه، وذلك الفتنة، فأنزل الله سبحانه {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ} أي طرف واحد وجانب في الدين لا يدخل فيها على الثبات والتمكين، والحرف: منتهى الجسم، وقال مجاهد: على شكّ.
وقال بعض أهل المعاني: يريد على ضعف في العبادة كضعف القائم على حرف مضطرباً فيه.
وقال بعضهم: أراد على لون واحد في الأحوال كلّها يتّبع مراده، ولو عبدوا الله في الشكر على السرّاء والصبر على الضرّاء لما عبدوا الله على حرف.
وقال الحسن: هو المنافق يعبده بلسانه دون قلبه.
{فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ} صحة في جسمه وسعة في معيشته {ٱطْمَأَنَّ بِهِ} أي رضي واطمأن إليه وأقام عليه.
{وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ} بلاء في جسمه وضيق في معاشه وتعذّر المشتهى من حاله {ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ} ارتدّ فرجع إلى وجهه الذي كان عليه من الكفر {خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ} وقرأ حميد الأعرج ويعقوب: خاسر الدنيا بالألف على مثال فاعل، والآخرة خفضاً، على الحال.
{ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ} الضرر الظاهر {يَدْعُو مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ} إن عصاه {وَمَا لاَ يَنفَعُهُ} إن أطاعه بعد إسلامه راجعاً إلى كفره {ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ} ذهب عن الحق ذهاباً بعيداً.
{يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ} اختلف النحاة في وجه هذه اللام فقال بعضهم: هي صلة مجازُها: يدعو من ضرّه أقرب من نفعه، وهكذا قرأها ابن مسعود، وزعم الفّراء والزجّاج أنّ اللام معناها التأخير تقديرها: يدعو والله لمن ضرّه أقرب من نفعه.
وقال بعضهم: هذا على التأكيد معناه: يدعو لمن ضرّه أقرب من نفعه يدعو ثم حذفت يدعو الأخيرة اجتزاء بالأُولى، ولو قلت: تضرب لمن خيره أكثر من شرّه تضرب، ثمّ يحذف الأخير جاز.
وحكي عن العرب سماعاً: أعطيتك لما غيره خير منه، وعنده لما غيره خير منه.
وقيل: (يدعو لمَنْ ضرّه) من قوله {ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ}، وموضع {ذٰلِكَ} نصب بـ (يدعو) كأنّه قال: الذي هو الضلال البعيد يدعو، ثم استأنف فقال: لَمَن ضرّه أقرب من نفعه، وتكون من في محل الرفع بالابتداء وخبره {لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ}.
وقيل: يدعو بمعنى يقول، والخبر محذوف تقديره: لمن ضرّه أقرب من نفعه إلهه لبئس المولى الناصر، ولبئس العشير المعاشر، والصاحب والخليط يعني الوثن.
{إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (*) مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} اختلفوا في المعنى بالهاء التي في قوله ينصره، فقال أكثر المفسّرين: عنى بها نبيّه صلى الله عليه وسلم قال قتادة: يقول: من كان يظنّ أن لن ينصر الله نبيّه {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ} بحبل {إِلَى ٱلسَّمَآءِ} إلى سقف البيت فليختنق به حتى يموت {ثُمَّ لْيَقْطَعْ} الحبل بعد الاختناق {فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ} صنيعه وحيلته {مَا يَغِيظُ} هذا قول أكثر أهل التأويل، وإنّما معنى الآية: فليصوّر هذا الأمر في نفسه وليس يختم لأنّه إذا اختنق ومات لا يمكنه القطع والنظر.
قال الحسين بن الفضل: هذا كما تقول في الكلام للحاسد أو المعاند: إن لم ترض هذا فاختنق.
وقال ابن زيد: السماء في هذه الآية هي السماء المعروفة بعينها، وقال: معنى الكلام: من كان يظن أن لن ينصر الله نبيّه ويكايده في دينه وأمره ليقطعه عنه، فليقطع ذلك من أصله من حيث يأتيه فإنّ أصله في السماء، فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع عن النبي صلى الله عليه وسلم الوحي الذي يأتيه من الله، فإنه لا يكايده حتى يقطع أصله عنه، فلينظر هل يقدر على إذهاب غيظه بهذا العمل.
وذُكر أنّ هذه الآية نزلت في قوم من أسد وغطفان تباطؤوا عن الإسلام وقالوا : نخاف أن لا يُنصَرَ محمد فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود فلا يميروننا ولا يؤوننا، فقال الله لهم: من استعجل من الله نصر محمد فليختنق، فلينظر استعجاله بذلك في نفسه هل هو مذهب غيظه، فكذلك استعجاله من الله نصر محمد غير مقدم نصره قبل حينه.
وقال مجاهد: الهاء في ينصره راجعة إلى من، ومعنى الكلام: من كان يظن أن لن يرزقه اللّه في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى سماء البيت فليختنق، فلينظر هل يذهبن فعله ذلك ما يغيظ وهو خنقه أن لا يرزق، والنصر على هذا القول: الرزق، كقول العرب: من ينصرني نصره الله أي من يعطني أعطاه الله.
قال أبو عبيد: تقول العرب: "أرض منصورة" أي ممطورة كأن الله سبحانه أعطاها المطر.
وقال الفقعسي:

وإنّك لا تعطي أمرءاً فوق حقّهولا تملك الشقّ الذي الغيث ناصر

وفي قوله "ما يغيظ" لأهل العربيّة قولان: أحدهما: أنّها بمعنى الذي مجازه هل يذهبن كيده الذي يغيظه فحذف الهاء ليكون أخفّ.
والثاني: أنّها مصدر، مجازه: هل يذهبن كيده غيظه.
{وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ (*) إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ} يعني عبدة الأوثان، وقال قتادة: الأديان خمسة: أربعة للشيطان وواحد للرحمن. {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ} يحكم {بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} قال النحاة: "إن الله" خبر لقوله "إنّ الذين" كما تقول: إنّ زيداً ان الخير عنده لكثير، كقول الشاعر:

إنّ الخليفة إن الله سربلهسربال ملك به ترجى الخواتيم

{أَلَمْ تَرَ} بقلبك وعقلك {أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ}.
قال مجاهد: سجودها: تحوّل ظلالها، وقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلاّ يقع لله ساجداً حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيأخذ ذات اليمين حين يرجع إلى مطلعه.
وقال أهل الحقائق: سجود الجماد وما لا يعقل ما فيها من ذلّة الخضوع والتسخير وآثار الصنعة والتصوير الذي يدعو العاقلين إلى السجود لله سبحانه، كما قال الشاعر:

وفي كلّ شيء له آيةتدلّ على أنّه واحد

{وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ} بكفره وهو مع ذلك يسجد لله ظلّه، قال مجاهد:
وقيل: يسجد لله أي يخضع له ويقرّ له بما يقتضيه عقله ويضطره إليه، وإن كفر بغير ذلك من الأمور.
قالوا: وفي قوله {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ} واو العطف.
وقال بعضهم: هو واو الاستئناف، معناه: وكثير حق عليه العذاب بكفره وإبائه السجود.
حكى لي أبو القاسم بن حبيب عن أبي بكر بن عياش أنّه قال: في الآية إضمار مجازها: وسجد كثير من الناس، وأبى كثير حقّ عليه العذاب.
{وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ} أي يهنه الله {فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ} قرأه العامة بكسر الراء، وقرأ إبراهيم بن أبي عيلة: فماله من مكرَم بفتح الراء أي إكرام كقوله سبحانه
{ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ } [الإسراء: 80] { أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً } [المؤمنون: 29] أي إدخالاً وإنزالاً.
{إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ}.