التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
١١٦
مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
١١٧
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ
١١٨
هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ
١١٩
إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
١٢٠
وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
١٢١
إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ
١٢٢
وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
١٢٣
إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ
١٢٤
بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ
١٢٥
وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ
١٢٦
لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ
١٢٧
لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ
١٢٨
وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٢٩
-آل عمران

الكشف والبيان

{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً}، وإنما خص الأولاد؛ لأنهم أقرب الأنساب إليه {وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ}، إنما جعلهم من أصحابها؛ لأنهم من أهلها الذين لا يخرجون منها ولا يفارقونها كصاحب الرجل الذي لا يفارقه، وقرينه الذي لا يزايله. يدل عليه قوله: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.
{مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}، قال يمان: يعني نفقات أبي سفيان وأصحابه ببدر وأحد على عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم مقاتل: يعني نفقة سفلة اليهود على علمائهم ورؤسائهم؛ كعب وأصحابه.
مجاهد: يعني جميع نفقات الكفار في الدنيا وصدقاتهم. وضرب الله مثلا فقال {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ}، قال ابن عباس: يعني السموم الحارة التي تقتل، ومنه خلق الله الجان. ابن كيسان: الصر ريح فيها صوت ونار.
سائر المفسرين: برد شديد.
{أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ}: زرع قوم {ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} بالكفر والمعصية ومنع حق الله عز وجل {فَأَهْلَكَتْهُ} . ومعنى الآية: مثل نفقات الكفار في بطلانها وذهابها وعدم منفعتها وقت حاجتهم إليها بعد ما كانوا يرجون من عائدة نفعها كمثل زرع أصابه ريح بارد أو نار فأحرقته وأهلكته، فلن ينتفع أصحابه منه بشيء بعد ما كانوا يرجون من عائدها نفعه، قال الله تعالى: {وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بالكفر والمعصية ومنع حق الله.
{يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ} الآية عن أبي أُمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ} قال: "هم الخوارج".
قال ابن عباس: كان رجل من المسلمين يواصل رجالا من اليهود؛ لما كان بينهم من القرابة والصداقة والحلف والجوار والرضاع؛ فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية ينهاهم عن مباطنتهم خوف الفتنة منهم عليهم. مجاهد: نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصادفون المنافقين ويخالطونهم، فنهاهم الله تعالى عن ذلك فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ}: أولياء وأصفياء من غير أهل ملّتكم. والبطانة: مصدر يوضع موضع الاسم فسمي بها الواحد والاثنان والجميع والمذكر والمؤنث، قال الشاعر:

أُولئك خلصاني نعم وبطانتيوهم عيبتي من دون كلّ قريب

وإنّما ما قيل لخليل الرجل: بطانة؛ تشبيهاً لما ولي بطنه من ثيابه لحلوله منه في اطّلاعه من أسراره وما يطويه عن أباعده وكثير من أقاربه محل ما ولي جسده من ثيابه. ثم ذكر العلة في النهي عن مباطنتهم وعرفهم ماهم منطوون عليه من الغش والخيانة والبغي والغوائل فقال عز من قائل: {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً}،أي لا يقصّرون ولا يتركون عهدهم وطاقتهم فيما يورّثكم فوق الشر والفساد. يقال: ما ألوته خيراً أو شراً أي ما قصرت في فعل ذلك. ومنه قول ابن مسعود في عثمان:

ولم تألُ عن خير لأُخرى باديهْ

وقال امرؤ القيس:

وما المرء مادامت حشاشة نفسه بمدرك أطراف الخطوب ولا آل

أي مقصّر في الطلب.
الخبال: الشر والفساد، قال الله تعالى:
{ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً } [التوبة: 47] ونصب {خَبَالاً} على المفعول الثاني؛ لأن الإلوَ تتعدى إلى مفعولين. وإن شئت: المصدر، أي يخبلونكم خبالا. وإن شئت بنزع الخافض، أي بالخبال، كما يقال أوجعته ضرباً أي بالضرب {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ} أي تمنوا ضرّكم وشركم وإثمكم وهلاككم. {قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ} قراءة العامة بالتاء؛ لتأنيث البغضاء. ومعنى الآية قد ظهرت امارة العداوة {أَفْوَاهِهِمْ} بالشتيمة والوقيعة في المسلمين. وقيل: بإطلاع المشركين على أسرار المؤمنين. وقيل: هو مثل قوله: { وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ } [محمد: 30] . {وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ} من العداوة والخيانة {أَكْبَرُ} أعظم، قد بينا {لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} عن الأزهر بن راشد قال: كان أنس بن مالك يحدّث أصحابه، فإذا حدّثهم بحديث لا يدرون ما هو أتوا الحسن يفسّره لهم، فحدثهم ذات يوم وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تستضيئوا بنار المشركين ولا تنقشوا في خواتيمكم عربياً" .
فأتو الحسن فأخبروه بذلك، فقال: إنّما قوله: "لا تنقشو في خواتيكم عربياً" ، فإنه يقول: لا تنقشوا في خواتيمكم محمداً. وأما قوله: "لا تستضيئوا بنور المشركين" ، فإنّه يقول لا تستشيروا المشركين في شيء من أُموركم. وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ} الآية.
وقال عياض الأشعري: وفد أبو موسى الأشعري إلى عمر بن الخطاب، فقال: إن عندنا كاتباً حافظاً نصرانياً من حاله كذا وكذا. فقال: مالك قاتلك الله؟ أما سمعت قول الله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ} الآية، وقوله
{ يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ } [المائدة: 51]؟ هلا اتخذت حنيفيّاً قال: قلت: له دينه ولي ديني، ولي كتابته، لا أُكرمهم إذ أهانهم الله ولا أعزهم إذ أذلّهم الله ولا أُدنيهم إذ قصاهم الله.
{هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ}، تنبيه، و{أَنْتُمْ} كناية للمخاطبين من الذكور، {أُوْلاۤءِ} اسم الجمع المشار إليه {تُحِبُّونَهُمْ} خبر عنهم. ومعنى الآية: أنتم أيها المؤمنون تحبون هؤلاء اليهود الذين نهيتكم عن مباطنتهم للأسباب التي بينكم من المصاهرة والمحالفة والرضاع والقرابة والجوار، {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} هم؛ لما بينكم من مخالفة الدين. هذا قول أكثر المفسرين. وقال المفضل: معنى {تُحِبُّونَهُمْ} تريدون لهم الإسلام، وهو خير الأشياء، ولا تبخلون عليهم بدعائهم إلى الجنة، {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} هم؛ لأنهم يريدونكم على الكفر وهو الهلاك. أبو العالية ومقاتل: هم المنافقون يحبهم المؤمنون بما أظهروا من الإيمان ولا يعلمون ما في قلوبهم. قتادة: في هذه الآية والله إنّ المؤمن ليحب المنافق ويلوي إليه ويرحمه، ولو أنّ المنافق يقدر على ما يقدر عليه المؤمن منه لأباد خضراءه.
{وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَابِ كُلِّهِ} يعني بالكتب كلها ولا يؤمنون هم بكتابكم، {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ} وكان بعضهم مع بعض {عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ} يعني أطراف الأصابع واحدتها أنمَلة وأنمُلة، بضم الميم وفتحها {مِنَ ٱلْغَيْظِ} والحنق؛ لما يرون من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم وصلاح ذات بينهم. وهذا من مجاز الأمثال وإن لم يكن ثم عضّ، قال الشاعر:

إذا رأوني أطال الله غيظهمعضوا من الغيظ أطراف الأباهيم

وقال أبو طالب:

وقد صالحوا قوماً علينا أشحّةيعضّون غيضاً خلفنا بالأنامل

قال الله تعالى: {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ}، إن قيل: كيف لا يموتون والله تعالى إذا قال لشيء كن فيكون؟
فالجواب: أن المراد ابقوا بغيضكم إلى الممات فإن مناكم عن الاسعاف محجوبة.
وقال محمد بن جرير: خرج هذا الكلام مخرج الأمر وهو دعاء أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أنه يدعو عليهم بالهلاك كمداً ممّا بهم من الغيظ، قل يا محمد: اهلكوا بغيظكم: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} بما في القلوب من خير وشر. روى عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء قال: ذكر أصحاب الأهواء فقال والذي نفسي بيده لئن تمتلئ داري قردة وخنازير أحب إليّ من أن يجاورني رجل منهم. يعني صاحب هوىً، ولقد دخلوا في هذه الآية: {هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} الآية.
{إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ}، قرأ السلمي بالياء. الباقون بالتاء. يعني: إن تصبكم أيها المؤمنون {حَسَنَةٌ} بظفركم على عدوكم وغنيمة تنالونها منهم وتتابع من الناس في الدخول في دينكم وخفض في معاشكم {تَسُؤْهُمْ}: تحزنهم {وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ} مساءة بإخفاق سريّة لكم، أو إصابة عدوّ فيكم أو اختلاف يكون منكم، أو حدث ونكبة {يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ} وتخافوا ربّكم {لاَ يَضُرُّكُمْ} لا ينقصكم {كَيْدُهُمْ} شيئاً.
واختلفت القراءة فيه؛ فقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: {لاَ يَضِرُّكُمْ} بكسر الضاد [وراء] خفيفة واختاره أبو حاتم، يقال: ضار يضير ضيراً مثل باع يبيع بيعاً، ودليله في القرآن:
{ لاَ ضَيْرَ } [الشعراء: 5] . وهو جزم على جواب الجزاء.
وقرأ الضحاك بضم الضاد وجزم الراء خفيفة من (ضار يضور)، وذكر الفرّاء عن الكسائي أنه سمع بعض أهل العالية يقول: لا ينفعني ذلك ولا يضورني. وقرأ الباقون: بضم (الضاد، والراء) مشددة، واختاره. وهو من (ضرّ يضرّ ضراً)، مثل (ردّ يرد ردّاً). وفي رائه وجهان:
أحدهما: أنه أراد الجزم وأصله لا يضررْكم فأُدغمت الراء في الراء، ونقلت ضمة الراء الأُولى إلى الضاد وضُمت الراء الأخيره إتباعاً لأقرب الحركات إليها وهي الضاد؛ طلباً للمشاكلة كقولهم: مرّ يا هذا.
والوجه الثاني: أن يكون {لا} بمعنى ليس ويضمر الفاء فيه، تقديره: وإن تصبروا وتتّقوا فليس يضركم. قاله الفرّاء وأنشد:

فإن كان لا يرضيك حتى تردني إلى قطري لا إخالك راضيا

{إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} قرأ الأعمش والحسن: بالتاء. الباقون بالياء {مُحِيطٌ} عالم.
{وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ} الآية نظم الآية: وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً ولكن الله تعالى ينصركم عليهم كما نصركم ببدر وأنتم أذلة، وإن أنتم لم تصبروا على أمري ولم تتقوا نهيي، فإنه نازل بكم ما نزل بكم يوم أحد حيث خالفتم أمر الرسول ولم تصبروا، فاذكروا ذلك اليومَ أو غداً بينكم {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ} ؛ فقال الحسن: هو يوم بدر. وقال مقاتل: هو الأحزاب. وقال سائر المفسرين: هو أُحد، وهو أثبت. يدل عليه قوله في عقبه: {إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ} وهذا إنما كان يوم أُحد.
قال مجاهد والكلبي والواقدي:
"غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم من منزل عائشة فمشى على رجليه إلى أحد، فجعل يصف أصحابه للقتال كأنما يقوم بهم القدح إن رأى صدراً خارجاً قال: تأخر" .
وذلك أن المشركين نزلوا بأُحد على ما ذكر محمد بن إسحاق والسدي عن رجالهما يوم الأربعاء، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بنزولهم استشار أصحابه ودعا عبد الله بن أبي بن سلول ولم يدعه قط قبلها واستشاره، فقال عبد الله بن أبي وأكثر الأنصار: يا رسول الله، أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلاّ أصاب منّا، ولا دخلها علينا إلاّ أصبنا منه، فكيف وأنت فينا؟ فدعهم يا رسول الله؛ فإن أقاموا أقاموا بشر مجلس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من وفوقهم، فإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا.
فأُعجب رسول الله بهذا الرأي.
وقال بعض أصحابه: يا رسول الله أُخرج بنا إلى هذه الأكلب لا يرون إنا جبنّا عنهم وضعفنا. فأتى النعمان بن مالك الأنصاري فقال:
"يا رسول الله لا تحرمني الجنة فوالذي بعثك بالحق لأدخلنّ الجنة. فقال: بما؟ . فقال: بأني أشهد أن لا اله إلاّ الله، وأني لا أفر من الزحف، قال: صدقت. فقتل يومئذ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأيت في منامي بقراً فأَوَّلتها خيراً، ورأيت في ذباب سيفي ثلماً فأَوَّلتها هزيمة ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأَوَّلتها المدينة؛ فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم؛ فإن أقاموا أقاموا بشر مقام وإن هم دخلوا المدينة علينا قاتلناهم فيها" .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن يدخلوا عليه المدينة [فيقاتل] في الأزقة فقال رجال من المسلمين ممن كان ذا سهم يوم بدر، وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد: اخرج بنا إلى أعدائنا. فلم يزالوا برسول الله من حبهم للقاء القوم حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلبس لامته فلما رأوه لبس السلاح ندموا وقالوا: بئسما صنعنا نشير على رسول الله صلى الله عليه وسلم والوحي يأتيه؟ فقاموا واعتذروا إليه وقالوا: اصنع ما رأيت. فقال صلى الله عليه وسلم: "(إنه ليس لنبي) أن يلبس (لامته) أن يضعها حتى يقاتل" .
وكان قد أقام المشركون بأُحد يوم الأربعاء والخميس، فراح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد يوم الجمعة بعدما صلّى بأصحابه الجمعة، وقد مات في ذلك اليوم رجل من الأنصار فصلّى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج إليهم فأصبح بالشعب من أُحد يوم السبت النصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة، وكان من أمر حرب أُحد ما كان، فذلك قوله: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ}، قرأ يحيى بن رئاب: (تبوي) المؤمنين خفيفة غير مهموزة من (أبوى يبوي) مثل (أروى يروي). وقرأ الباقون: مهموزة مشددة يقال: بوأت تبوئة، وأبويتهم إبواء، إذا أوطنتهم، وتبوّأوا إذا تواطنوا، قال الله تعالى { أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً } [يونس: 87]، وقال {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ} [الحشر: 9].
والتشديد أفصح وأشهر، وتصديقه قوله تعالى:
{ { وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ } [يونس: 93]، وقال { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً } [العنكبوت: 58].
وقرأ ابن مسعود: تبْوِئ للمؤمنين.
{مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ}، أي مواطن وأماكن، قال الله تعالى
{ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ } [القمر: 55]، وقال: { وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ } [الجن: 9] . وقرأ أشهب: (مقاعد للقتال). {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ هَمَّتْ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ}: تجبنا وتضعفا وتتخلّفا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم بنو أُسامة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وكانا جناحي العسكر، وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أُحد في ألف رجل، وقيل: تسعمائة وتسعين رجلا، وقال الزجاج: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أُحد وقت القتال ثلاثة آلاف، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أُحد وقد وعد أصحابه الفتح إن صبروا، فلما بلغوا الشوط انخزل عبد الله بن أُبيّ الخزرجي بثلث الناس فرجع في ثلاثمائة، وقال: علام نقتل أنفسنا وأولادنا؟ فتبعهم أبو جابر السلمي فقال: أُنشدكم الله في نبيكم وفي أنفسكم. فقال عبد الله بن أُبي: لو نعلم قتالا لاتّبعناكم. وهمت بنو سلمة وبنو حارثة بالانصراف مع عبد الله بن أُبي فعصمهم الله فلم ينصرفوا، ومضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرهم الله عظيم نعمته بعصمته فقال: {إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا} ناصرهما وحافظهما. وقرأ ابن مسعود: (والله وليهم) لأنّ الطائفتين جمع، كقوله { هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ } [الحج: 19]. {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} وقال جابر بن عبد الله: ما يسرنا أنالهم نهمّ بالذي هممنا، وقد أخبرنا الله أنه ولينا.
{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ} قال الشعبي: كانت بدر بئر رجل يقال له بدر فسميت باسم صاحبها. قال الواقدي: ذكرت قول [الشعبي] لعبد الله بن جعفر ومحمد بن صالح فأنكراه وقالا: فلأي شيء سميت الصفراء؟ ولأي شيء سميت الجار؟ هذا ليس بشيء، إنما هو اسم الموضع. قال: وذكرت ذلك ليحيى بن النعمان الغفاري فقال: سمعت شيوخنا من بني غفار يقولون هو ماؤنا ومنزلنا، وما ملكه قط أحد غيرنا، وما هو وهؤلاء من بلاد جهينة، إنما هو من بلاد غفارة.
التقى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركون بها، وكان أول قتال قاتل فيه نبي الله صلى الله عليه وسلم. وقال الضحاك: بدر ماء بمنى على طريق مكة بين مكة والمدينة.
وقد مدحت القول في غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه وجيزاً مجملاً؛ فإنّه باب يعظم نفعه وبالله التوفيق.
ذكر مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم
جميع ما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه ستّ وعشرون غزوة، فأول غزوة غزاها غزوة ودّان، وهي غزوة الأبواء، ثم غزوة بواط إلى ناحية رضوى، ثم غزوة العشيرة من بطن ينبع، ثم غزوة بدر الأُولى بطلب كرز بن جابر، ثم غزوة بدر الكبرى التي قتل الله فيها صناديد قريش، ثم غزوة بني سليم حتى بلغ الكدر ماءً لبني سليم، ثم غزوة السويق يطلب أبا سفيان بن حرب حتى بلغ قرقرة الكدر، ثم غزوة ذي أمر وهي غزوة غطفان إلى نجد، ثم غزوة نجران: موضع بالحجاز فوق الفرع، ثم غزوة أُحد ثم غزوة الأسد، ثم غزوة بني النضير، ثم غزوة ذات الرقاع من نجد، ثم غزوة بدر الأخيرة، ثم غزوة دومة الجندل، ثم غزوة الخندق، ثم غزوة بني قريظة، ثم غزوة بني لحيان، ثم غزوة بني قردة، ثم غزوة بني المصطلق من بني خزاعة لقي فيها، ثم غزوة الحديبية لا يريد قتالا فصده المشركون، ثم غزوة خيبر، ثم غزوة الفتح: فتح مكة، ثم غزوة حنين لقي فيها، ثم غزوة الطائف حاصر فيها، ثم غزوة تبوك.
قاتل منها في تسع غزوات: غزوة بدر الكبرى، وهو يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان سنة اثنتين من الهجرة، وأُحد في شوال سنة ثلاث، والخندق، وبني قريظة في شوال سنة أربع، وبني المصطلق، وبني لحيان في شعبان سنة خمس، وخيبر سنة ست، والفتح في رمضان سنة ثمان، وحنين في شوال سنة ثمان. فأوّل غزوة غزاها بنفسه وقاتل فيها بدر وآخرها تبوك.
ذكر سراياه صلى الله عليه وسلم
روي عن مقسم قال: كانت السرايا ستّاً وثلاثين، وهي غزوة عبيدة بن الحارث إلى حنا من أسفل ثنية المرة وهو ما بالحجارة، ثم غزوة حمزة بن عبد المطلب إلى ساحل البحر من ناحية الفايض وبعض الناس يقدم غزوة حمزة على غزوة عبيدة وغزوة سعد بن أبي وقاص إلى الخرار من أرض الحجاز، ثم غزوة عبد الله بن جحش إلى نخلة، وغزوة زيد بن حارثة القردة ماء من مياه نجد، وغزوة مرثد بن أبي مرثد الغنوي الرجيعَ لقوا فيها، وغزوة منذر بن عمرو بئر معونة لقوا فيها، وغزوة أبي عبيدة الجراح إلى ذي القصة من طريق العراق، وغزوة عمر بن الخطاب تربة من أرض بني عامر، وغزوة علي بن أبي طالب اليمن، وغزوة غالب بن عبد الله الكلبي كلبِ ليث الكديدَ لقوا فيها الملوح، وغزوة علي بن أبي طالب إلى أبي عبد الله بن سعد من أهل فدك، وغزوة ابن أبي العوجاء السلمي أرض بني سليم أُصيب بها هو وأصحابه جميعاً، وغزوة عكاشة بن محصن العمرة، وغزوة أبي سلمة بن عبد الأسد قطن ماء من مياه بني أسد من ناحية نجد لقوا فيها فقتل فيها مسعود بن عروة، وغزوة محمد بن مسلمة أخي بني حارثة إلى القرطاء موضع من هوازن، وغزوة بشير بن سعد بن كعب بن مرة لفدك، وغزوة بشير بن سعد أيضاً إلى حيان بلد من أرض خيبر، وغزوة زيد بن حارثة الجموم من أرض بني سليم، وغزوة زيد أيضاً جذام من أرض حسمي لقوا فيها، وغزوة زيد أيضاً إلى طرف من ناحية نخل من طريق العراق، وغزوة زيد أيضاً وادي القرى لقي بني فزارة، وغزوة عبد الله بن رواحة خيبر مرتين إحداهما التي أصاب فيها بشراً اليهودي، وغزوة عبد الله بن عتيك إلى حنين فأصاب بها أبا رافع بن أبي الحقيق.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث محمد بن مسلمة وأصحابه فيها من أُحد وبدر إلى كعب بن الأشرف فقتلوه، وبعث عبد الله بن أنيس إلى خالد بن سفيان الهذلي وهو بنخلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليغزوه فقتله، وغزوة الأُمراء: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة إلى مؤتة من أرض الشام فأُصيبوا بها، وغزوة كعب بن عمرو الغفاري ذات الطلاح من أرض الشام فأُصيب بها هو وأصحابه جميعاً، وغزوة عيينة بن حذيفة بن بدر الفزاري العنبر من بني تميم، وغزوة غالب بن عبد الله الكلبي كلب ليث أرض بني مرة فأصاب بها مرداس بن نهيك وحليفاً لهم من جهينة، قتله أُسامة بن زيد، وهو الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة فيه: "من لك؟ من لك لا اله إلاّ الله؟".
وغزوة عمرو بن العاص ذات السلاسل من أرض بُلَي وعذرة وغزوة، [أبي قتادة] وأصحابه إلى بطن إضم قبل الفتح لقوا فيها، وغزوة الخيط إلى سيف البحر وعليهم أبو عبيدة الجراح وغزوة عبد الرحمن بن عوف.
{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ}: جمع ذليل مثل عزيز وأعزة ولبيب وألبّة. وأراد هاهنا قلّة العدد، {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ} واختلفوا في هذه الآية: فقال قتادة: [...] يوم بدر أمدهم الله بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف. يدل عليه قوله:
{ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ } [الأنفال: 9]، الآية، وقوله: {بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ} إلى قوله {مُسَوِّمِينَ}، فصبر المؤمنون يوم بدر، واتّقوا الله فأمدّهم الله بخمسة آلاف من الملائكة على ما وعدهم، فهذا كله يوم بدر. الحسن: فهؤلاء الخمسة آلاف رد للمؤمنين إلى يوم القيامة. وقال ابن عباس ومجاهد: لم تقاتل الملائكة إلاّ يوم بدر وفيما سوى ذلك يشهدون القتال ولا يقاتلون إنما يكونون عدداً ومدداً. وقال عمر بن أبي إسحاق: لما كان يوم أُحد انجلى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبقي سعد بن مالك يرمي، وفتىً شاب ينبل له فلمّا فني النبل أتاه به فنثره فقال: ارمِ أبا إسحاق، ارمِ أبا اسحاق كرتين فلما انجلت المعركة سئل عن الرجل فلم يعرف.
وقال الشعبي: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربي يمدّ المشركين، فشق ذلك عليهم فأنزل الله تعالى {أَلَنْ يَكْفِيكُمْ} إلى قوله {مُسَوِّمِينَ}، فلما بلغ الكرز الهزيمة فرجع ولم يأتهم ولم يمدّهم أمدّهم الله أيضاً بخمسة آلاف، وكانوا قد أمدوا بألف.
وقال آخرون: إنما وعد الله تعالى المسلمين يوم بدر إن صبروا على طاعته فاتقوا محارمه أن يمدّهم في حروبهم كلها فلم يصبروا ولم يتقوا إلاّ في يوم الأحزاب فأمدهم الله تعالى حتى حاصروا قريظة. قال عبد الله بن أوفى: كنا محاصري بني قريظة والنضير ما شاء الله أن نحاصرهم فلم يفتح علينا فرجعنا، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بغسل، فهو يغسل رأسه إذ جاءه جبرئيل (عليه السلام) فقال: "يا محمد، وضعتم أسلحتكم ولم تضع الملائكة أوزارها؟ ". فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخرقة فلف بها رأسه ولم يغسله ثمّ نادى فينا فقمنا كالّين متعبين لا نعبأ بالسير شيئاً حتى أتينا بني قريظة والنضير، فيومئذ أمدنا الله تعالى بثلاثة آلاف من الملائكة، ففتح الله لنا فتحاً يسيراً وانقلبنا بنعمة الله وفضل.
وقال قوم: إنما كان هذا يوم أحد، وعدهم الله عز وجل المدد إن صبروا، فلم يصبروا؛ فلم يُمدوا ولا بملك واحد [و] لو أُمدّوا لما هزموا. وهو قول عكرمة والضحاك. وكان هذا يوم أُحد حين انصرف أبو سفيان وأصحابه؛ وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخاف أن يدخل المشركون المدينة، فبعث علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) فقال: "اخرج على آثار القوم فانظر ما يصنعون وما يريدون، فإن كانوا قد أجبنوا الخيل وركبوا وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم يريدون المدينة، فوالذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرنّ إليهم فيها ثم لأُناجزنهم".
قال علي (رضي الله عنه): "فخرجت في آثارهم أنظر ما يصنعون، فإذا هم قد أجبنوا الخيل وامتطوا الإبل وتوجهوا إلى مكة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أي ذلك كان فأخفه حتى تأتيني، فلما رأيتهم قد توجهوا إلى مكة أقبلت أصيح ما أستطيع أن أكتم لما بي من الفرح وانصرفوا إلى مكة وانصرفنا إلى المدينة، فأنزل الله تعالى في ذلك {أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ}" يعني أن انصرفوا إليكم ودخلوا المدينة. وفي قراءة أُبي (ألا يكفيكم أن يمدكم ربكم)، أي يعطيكم ويعينكم.
قال المفضل: (كل) ما كان على جهة القوة والإعانة، قيل فيه: أمده يمده إمداداً، وكل ما كان على جهة الزيادة قيل: مدّه يمدّه مدّا، ومنه قوله:
{ { وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ } [لقمان: 27].
وقال بعضهم: المد في الشر، والإمداد في الخير. يدل عليه قوله تعالى:
{ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } [البقرة: 15] وقوله { وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً } [مريم: 79].
وقال في الخير
{ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ } [الأنفال: 9] وقال: {يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ}. وقال { وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ } [الإسراء: 6].
وقال:
{ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ } [المؤمنون: 55]. وقال: { وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ } [الطور: 22]، وقال: { وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ } ، [نوح: 12] { مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ } [الأنفال: 9] {مُنزَلِينَ} . قرأ أبو حيوة: بكسر الزاي، مخفّفاً، يعني منزلين النصر. وقرأ الحسن ومجاهد وطلحة بن مصرف وعمر ابن ميمون وابن عامر مشددة مفتوحة الزاي على التكثير. وتصديقه قوله: { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ } [الأنعام: 111].
وقوله: {مُسَوِّمِينَ} . وقرأ الآخرون: بفتح الزاي خفيفة. ودليله قوله:
{ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا } [الفرقان: 21] وقوله: { وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا } [التوبة: 26] . وتفسير الإنزال: جعل الشيء من علو إلى سفل، ثم قال: {بَلَى} وهو تصديق لقول الله تعالى وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم.
{إِن تَصْبِرُواْ} لعدوّكم {وَتَتَّقُواْ} معصية ربكم.
{وَيَأْتُوكُمْ} من المشركين، {مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا} [آل عمران: 125] قال عكرمة والحسن وقتادة والربيع والسدي وابن زيد: من وجههم هذا، وهو رواية عطية عن ابن عباس. مجاهد والضّحاك وزاذان: من غضبهم هذا، وكانوا قد غضبوا يوم أُحد ليوم بدر ممّا لقوا، وأصل الفور: القصد إلى الشيء والأخذ فيه بحدّه، وهو من قولهم: فارت القدر تفور فوراً وفوراناً إذا غلت
{ { وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ } [هود: 40]، قال الشاعر:

تفور علينا قدرهم فيديمهاويفثأُها عنا إذا حَمْيَها غلا

{بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ} قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ويعقوب: بكسر الواو، واختاره أبو حاتم، وقرأ الباقون: بالفتح، واختاره أبو عبيد، فمن كسر الواو أراد أنّهم سوّموا خيلهم، ومن فتح أراد به أنفسهم، والسّومة: العلامة التي يعلّم بها الفارس نفسه في الحرب، واختلفوا في هذه السّمة الموصوفة بها الملائكة في هذه الآية ما هي، فقال عمير بن إسحاق: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوم بدر: "تسوّموا، فإن الملائكة قد تسوّمت بالصوف الأحمر في قلانسهم ومغافرهم" . الضحاك وقتادة: [بالعهْن] في نواصيها وأذنها. مجاهد: كانت مجزوزة أذناب خيلهم وأعرافها ونواصيها [معلّمة]، الربيع: كانوا على خيل بلق، عليّ وابن عباس رضي الله عنهم: كانت عليهم عمائم بيض قد أرسلوها بين أكتافهم، هشام بن عروة الكلبي: عمائم صفر مرخاة على أكتافهم.
وقال عبد الله بن الزبير: إن الزبير كانت عليه ملاءة صفراء وعمامة صفراء يوم بدر، فنزلت الملائكة يوم بدر مسوّمين بعمائم صفر.
وروى الزبير بن المنذر عن جدّه أبي أسيد وكان بدريّاً قال: لو كان بصري فرّج عنه، ثم ذهبتم معي إلى بدر لأريتكم الشعب التي خرجت منه الملائكة في عمائم صفر قد طرحوها بين أكتافهم، وقال عكرمة: كانت عليهم سيماء القتال، السديّ: سيماء المؤمنين.
{وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ} يعني: هذا الوعد والمدد {إِلاَّ بُشْرَىٰ} لتستبشروا به. {وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ} ولتسكن قلوبكم إليه، فلا تجزع من كثرة عدوّكم وقلّة عددكم.
{وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} لأن العزّ والحكم له وهو: {ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} نظيرها في الأنفال، ثم قال: واستعينوا بالله وتوكلوا عليه {لِيَقْطَعَ طَرَفاً} . نظم الآية: ولقد نصركم الله ببدر ليقطع طرفاً، أي: ليهلك طائفة {مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} نظيره قوله:
{ فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } [الأنعام: 45] أي: أهلك، وفي الأنفال: { وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَافِرِينَ } [الآية: 7]، وفي الحجر: { أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ } [الآية: 66]، السديّ: معناه ليهدم ركناً من أركان الشرك بالقتل والأسر، فقتل من سادتهم وقادتهم يوم بدر سبعين، وأُسر منهم سبعين.
{أَوْ يَكْبِتَهُمْ} بالخيبة {فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ} لم ينالوا شيئاً ممّا كانوا يرجون من الظفر بكم. وقال الكلبي: {أَوْ يَكْبِتَهُمْ}: أو يهزمهم بأن يصرعهم لوجوههم. المؤرّخ: يخزيهم. النضر بن شميل: يغيظهم، المبرّد: يظفر عليهم، السديّ: يلعنهم، أبو عبيدة: يهلكهم، قالوا: وأهل النظر [يرون] التاء منقلبة عن الدال، لأن الأصل فيه يكبدهم، أي: يصيبهم في أكبادهم بالحزن والغيظ، يقال: قد أحرق الحزن كبده، وأحرقت العداوة كبده، ويقول العرب للعدوّ: أسود الكبد، قال الأعشى:

فما أجشمت من إتيان قومهم الأعداء والأكبادسود

كأنّ الأكباد لمّا أحترقت بشدّة العداوة أسودّت، والتاء والدال يتعاقبان، كما يقال: هرت الثوب وهرده، إذا خرقه، يدل على صحة هذا التأويل قراءة لاحق بن حميد: أو يكبدهم، بالدّال.
{لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} اختلف العلماء في سبب نزول هذه الآية، فقال عبد الله بن مسعود:
"أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعوا على المدبرين عنه من أصحابه يوم أُحد، وكان عثمان منهم، فنهاه الله عزّ وجلّ عن ذلك وتاب عليهم، فأنزل هذه الآية، وقال عكرمة وقتادة: أَدْمى رجل من هذيل يقال له عبد الله بن قمية وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان حتفه أن سلّط الله عليه تيساً فنطحه حتى قتله."
"وشجّ عتبة بن أبي وقاص رأسه، وكسر رباعيته فدعا عليه، وقال: الّلهم لا تحل عليه الحول حتى يموت كافراً قال: وما حال عليه الحول حتى مات كافراً، فأنزل الله هذه الآية" .
"وقال الكلبي والربيع: نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد، وقد شجّ في وجهه وأُصيبت رباعيته، فهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلعن المشركين ويدعو عليهم، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية، لعلمه فيهم أن كثيراً منهم سيؤمنون، يدلّ عليه ما روى أبو بكر بن عياش، عن حميد، عن أنس قال: لمّا كان يوم أُحد شجّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في فوق حاجبه وكسرت رباعيته وجرح في وجهه، فجعل يمسح الدم في وجهه؛ وسالم مولى أبي حذيفة يغسل عن وجهه الدم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كيف يفلح قوم خضّبوا وجه نبيّهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربّهم، فأنزل الله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ}، وقال سعيد بن المسيّب. والشعبي. ومحمد بن إسحاق بن يسار: لمّا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتدّ غضب الله على من دمى وجه نبيّه. علت عالية من قريش على الجبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم [اللهم إنه] لا ينبغي لهم أن يعلونا، فأقبل عمر ورهط من المهاجرين حتى أهبطوهم، ونهض رسول الله إلى صخرة ليعلوها وقد كان ظاهر بين درعين فلم يستطع، فجلس تحته طلحة فنهض حتى استوى عليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب طلحة الجنة، فوقفت هند والنسوة معها يمثّلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجدعنّ الآذان والأُنوف، حتى أخذت هند من ذلك قلائد وأعطتها وحشيّاً، وبقرت من كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع فلفظتها، ثم علت صخرة مشرفة فصرخت:
*نحن جزيناكم بيوم بدر * والحرب بعد الحرب ذات سعر *
*ما كان من عتبة لي من صبر * أبي وعمي وأخي وبكري *
* شفيت صدري وقضيت نذري * شفيت وحشي من غليل صدري *
قالوا: وقال عبد الله بن الحسن: قال حمزة: الّلهم إن لقينا هؤلاء غداً فإنّي أسألك أن يقتلوني ويبقروا بطني ويجدعوا أنفي وأُذني، فتقول لي يوم القيامة: فيم فعل بك هذا؟ فأقول: فيك. فلمّا كان يوم أُحد قتل فبقر بطنه وجدعت أُذنه وأنفه، فقال رجل سمعه: أمّا هذا فقد أُعطي في نفسه ما سأل في الدنيا، والله يعطيه ما سأل في الآخرة.
قالوا: فلمّا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ما بأصحابهم من جدع الآذان والأُنوف وقطع المذاكير، قالوا: لئن أدالنا الله عليهم لنفعلنّ بهم مثل ما فعلوا، ولنمثلنّ بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قطّ، فأنزل الله تعالى هذه الآية"
.
قال عطاء: "قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أُحد أربعين يوماً يدعو على أربعة من ملوك كندة: مسرح، وأحمد، ولحي، وأخيهم العمردة، وعلى معن من هذيل، يقال لهم: لحيان، وعلى بطون من سليم وعلى ذكوان وعصبة والقارة، وكان يقول: الّلهم أشدد وطاءك على مُضر واجعلها عليهم سنين كسنين يوسف، فأجاب الله دعاه وقحطوا حتى أكلوا أولادهم وأكلوا الكلاب والميتة والعظام المحرقة، فلمّا انقضت الأربعون نزلت هذه الآية" .
وعن سالم بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الّلهم ألعن أبا سفيان، الّلهم العن الحرث بن هشام، الّلهم العن صفوان بن أُميّة، فأنزل الله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128] وأسلموا فحسن إسلامهم."
"الزهري عن سالم عن أبيه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في صلاة الفجر حين رفع رأسه من الركوع: ربّنا لك الحمد الّلهم العن فلاناً وفلاناً، دعا على ناس من المنافقين فأنزل الله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128] الآية. وقال مقاتل: نزلت هذه الآية في بئر معونة وهم سبعون رجلا من قرّاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أميرهم المنذر بن عمرو، وبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بئر معونة في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد، ليعلّموا الناس القرآن والعلم، فقتلهم جميعاً" .
عامر بن الطفيل: وكان فيهم عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق فلما قتل رفع بين السماء والأرض، فوَجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وَجداً شديداً وحزن عليهم شهراً فنزلت {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} وهذه الآية وإن كانت لفظاً للعموم، فالمراد منها الخصوص تقديرها: ليس لك من الأمر بهواك شيء. واللام في قوله: (لك) بمعنى (إليّ) كقوله: {رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ} [آل عمران: 193] وقوله: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا } [الأعراف: 43] ونحوهما.
{أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} ليس لك من الأمر شيء وهو وجه حسن.
وقال بعضهم: (أو) بمعنى (حتى) يعني: ليس لك من الأمر شيء حتى يتوب عليهم أو يعذبهم.
ثم قال: {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ} إلى {أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً}.
قرأ أبو جعفر وشيبة: مضعّفة.
عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في قول الله تعالى: {يَآ أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً} [آل عمران: 130] هو أن الرجل كأن يكون له على الرجل مال فإذا حل الأجل طلبه من صاحبه فيقول المطلوب أخّر عنّي فأزيدك على مالك فيفعلان ذلك فوعظهم الله تعالى.
فقال: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في أمر الربا فلا تأكلوه {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ثم خوفهم فقال: {وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} وفيه دليل على أن النار مخلوقة ردّاً على الجهمية، لأن المعدوم لا يكون معداً {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} لكي ترحموا فلا تعذبوا {وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} الآية.
قال عطاء: إن المسلمين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم بنو إسرائيل كانوا أكرم على الله عزّ وجلّ منّا وكانوا إذا أذنبوا أصبحت كفارة ذنوبهم مكتوبة في عتبة بابهم: اجدع أنفك اجدع أذنك افعل كذا وكذا، فسكت عليه الصلاة والسلام، فأنزل الله تعالى {وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} أي سابقوا إلى الأعمال التي توجب المغفرة. وحذف أهل المدينة والشام الواو منه.
واختلفوا في العلة الجالبة لهذه المغفرة:
فقال ابن عباس: سارعوا إلى الإسلام، أبو العالية وأبو روق: إلى الهجرة، علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: إلى أداء الفرائض، عثمان بن عفان: الاخلاص، أنس بن مالك: هي التكبيرة الأولى، سعيد بن جبير: إلى أداء الطاعة، يمان: إلى الصلاة الخمس، الضحاك: إلى الجهاد عكرمة: إلى التوبة، مقاتل: إلى الأعمال الصالحة، أبو بكر الوراق: إلى اتّباع الأوامر والانتهاء عن الزواجر، سهل بن عبد الله: إلى السنّة، بعضهم: إلى الجمع والجماعات.
{وَجَنَّةٍ} يعني إلى جنة {عَرْضُهَا ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ} أي عرضها كعرض السماوات والأرض كقوله {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [لقمان: 28] أي كبعث نفس واحدة.
قال الشاعر:

حسبت بغام راحلتي عناقاًوما هي ويب غيرك بالعناق

يريد صوت عناق.
ودليل هذا التأويل قوله في سورة الحديد:
{ كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ } [الحديد: 21] يعني لو بسطت ووصل بعضها إلى بعض إنما أخص العرض على المبالغة لأن طول كل شيء في الأغلب أكثر من عرضه يقول هذه صفة عرضها فكيف طولها. يدل عليه قول الزهري إنما وصف عرضها فأما طولها فلا يعلمه إلاّ الله كقوله { مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا } [الرحمن: 54] فوصف البطانة بحسن ما يعلم من الزينة إذ معلوم أن الظواهر يكون أحسن وأنفس من البطائن.
وقال أكثر أهل المعاني: لم يرد العرض الذي هو ضد الطول وإنما أراد سعتها وعظمها، كقول العرب: هو أعرض من الدهنا، أي أوسع.
وقال جرير:

لجّت أمامة في لومي وما علمتعرض السماوة روحاتي ولا بكري

وأنشد الأصمعي:

يجبن بنا عرض الفلاةوما لنا عليهنّ إلاّ وخدهن سقاء

وقال آخر:

كأنّ بلاد الله وهي عريضةعلى الخائف المطلوب كفه حابل

وعلى هذا التمثيل لا يريد أنها كالسماوات والأرض لا، وغير معناه كعرض السماوات السبع والأرضين السبع عند ظنكم، لأنهما لابد زائلتان كقوله: { خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ } [هود: 107] لأنهما لابد زائلتان.
وقال يعلي بن مرة: لقيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمص شيخاً كبيراً قال:
"قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب هرقل فناول الصحيفة رجلاً عن يساره قال: قلت: مَن صاحبكم الذي يقرأ؟ قالوا: معاوية، فإذا كتاب صاحبي: إنك كتبت إليَّ تدعوني إلى جنة عرضها السماوات والأرض [أعدّت للمتّقين] فأين النار؟ فقال رسول الله: سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار" .
وروى طارق بن شهاب: أن ناساً من اليهود سألوا عمر بن الخطاب وعنده أصحابه قالوا: أرأيت قولكم {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ} فأين النار؟ فأحجم الناس، فقال عمر (رضي الله عنه): أرأيتم إذا جاء الليل أين يكون النهار، وإذا جاء النهار أين يكون الليل؟ فقالوا: إنما لمثلها في التوراة.
وسئل أنس بن مالك عن الجنة: أفي الأرض أم في السماء؟ فقال: أي أرض وأي سماء تسع الجنة؟ قيل: وأين هي؟ قال: فوق السماوات السبع تحت العرش.
وقال قتادة: كانوا يرون أن الجنة فوق السماوات السبع، وأن جهنم تحت الأرضين السبع.
{أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} ثم وصفهم فقال: {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ} يعني في العسر واليسر والشدة والرخاء، فأول خُلق من أخلاقهم الموجدة هو الحب والسخاء، ولهذا أخبرنا أحمد بن عبدالله، [ثنا زيد بن عبد العزيز أبو جابر ثنا جحدر ثنا بقية ثنا الأوزاعي عن الزهري عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"الجنة دار الأسخياء" .
وروى الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار" .
{فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} آية بينة على الواحد أراد مقام إبراهيم وحده، وقال: أثر قدميه في المقام آية بينة.
وقرأ الباقون: آيات بالجمع أرادوا مقام إبراهيم والحجر الأسود والحطيم وزمزم والمشاعر، وقد مضى ذكر مقام إبراهيم في سورة البقرة {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} [آل عمران: 97] من أن يهاج فيه، لأنه حرم، وذلك بدعاء إبراهيم (عليه السلام) حيث قال:
{ { رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً } [البقرة: 126] وكان في الجاهلية من دخله ولجأ إليه آمن من الغارة والقتل ولم يزده الإسلام إلاّ شدة.
وكتب أبو الخلد إلى ابن عباس: أن أول من لاذ بالحرم الحيتان الصغار والكبار هرباً من الطوفان، وقيل: من دخله عام عمرة القضاء مع محمد صلى الله عليه وسلم كان آمناً دليله قوله:
{ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ } [الفتح: 27] .
وقال أهل المعاني: صورة الآية خبر ومعناها أمر تقديرها: ومن دخلوه فأمنوه، كقوله:
{ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ } [البقرة: 197] أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا. وقيل: (ومن دخله) لقضاء النسك معظماً له عارفاً لحقه متقرباً إلى الله عزّ وجلّ كان آمناً يوم القيامة وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" أي في نهار يوم القيامة.
يدل عليه ما روى جويبر عن الضحاك {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} يقول: من حجه ودخله كان آمناً من الذنوب التي اكتسبها قبل ذلك.
وروى زياد بن أبي عياش عن يحيى بن جعدة في قوله تعالى: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} قال: من النار.
وقال جعفر الصادق (رضي الله عنه): من دخله على الصفاء كما دخله الأنبياء والأولياء كان آمناً من عذابه.
وقال أبو النجم القرشي الصوفي: كنت أطوف بالبيت فقلت: يا سيدي، قلت: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} من أي شيء؟ فسمعت من ورائي [قائلا] يقول: آمناً من النار، فالتفت فلم أر شيئاً.
ويدل على صحة هذا التأويل ما روى أبان بن عياش عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"من مات في أحد الحرمين بعثه الله عزّ وجلّ مع الآمنين" .
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة وهما مقبرتا مكة والمدينة" .
وروى شقيق بن سلمة عن ابن مسعود قال: "وقف النبي صلى الله عليه وسلم على ثنية المقبرة وليس هما يومئذ مقبرة، وقال: بعث الله من هذه البقعة من هذا الحرم كله سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفاً وجوههم كالقمر ليلة البدر" .
وبه عن عبد الرحمن بن زيد العمى عن أبيه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صبر على حرّ مكة ساعة من نهار،تباعدت منه جهنم مسيرة مائتي عام، وتقربت منه الجنة مسيرة مائة عام" .
وقال وهب بن منبه: مكتوب في التوراة: إن الله يبعث يوم القيامة سبعمائة ألف ملك من الملائكة المقربين بيد كل واحد منهم سلسلة من ذهب إلى البيت الحرام فيقول لهم: إذهبوا إلى البيت الحرام فزموه بهذه السلاسل ثم قودوه إلى المحشر فيأتونه فيزمونه بسبعمائة ألف سلسلة من ذهب ثم يمدونه وملك ينادي: يا كعبة الله سيري فتقول: لست بسائرة حتى أعطي سؤلي. فينادي ملك من جو السماء: سلي تعط. فتقول الكعبة: يا رب شفّعني في جيرتي الذين دفنوا حولي من المؤمنين. فيقول الله: قد أعطيتك سؤلك. قال: فيحشر موتى مكة من قبورهم بيض الوجوه كلهم محرمين، فيجتمعون حول الكعبة يلبّون ثم يقول الملائكة: سيري يا كعبة الله، فتقول: لست بسائرة حتى أعطي سؤلي، فينادي ملك من جو السماء: سلي تعط، فتقول الكعبة: يا رب عبادك المؤمنين الذين وفدوا إليَّ من كل فجّ عميق شعثاً غبراً، تركوا الأهلين والأولاد والأحباب، وخرجوا شوقاً إليَّ زائرين مسلمين طائعين، حتى قضوا مناسكهم كما أمرتهم، فأسألك أن تؤمنهم من الفزع الأكبر وتشفّعني فيهم وتجمعهم حولي، فينادي الملك: إن منهم من ارتكب الذنوب بعدك وأصرَّ على الذنوب الكبائر حتى وجبت له النار، فتقول الكعبة: إنما أسألك الشفاعة لأهل الذنوب العظام. فيقول الله: قد شفّعتك فيهم وأعطيتك سؤلك. فينادي منادي من جو السماء: ألا من زار الكعبة فليعتزل من بين الناس. فيعتزلون، فيجمعهم الله حول البيت الحرام بيض الوجوه آمنين من النار يطوفون ويلبون، ثم ينادى ملك من جو السماء: ألا يا كعبة الله سيري. فتقول الكعبة: لبيك لبيك والخير بيديك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، ثم [يمدّونها] إلى المحشر.
{وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}.
قال عكرمة: لما نزلت {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85] قالت اليهود: فنحن مسلمون فأمروا أن يحجوا إن كانوا مسلمين، واللام في قوله لله لام الايجاب والإلزام، أي قد فرض وأوجب على الناس حجّ البيت. قرأ أبو جعفر والأعمش وحمزة والكسائي: حِج، بكسر الحاء في هذا الحرف خاصة.
وقرأ ابن أبي إسحاق جميع ما في القرآن بالكسر، وهي لغة أهل نجد.
وقرأ الباقون: بالفتح كل القرآن، وهي لغة أهل الحجاز.
واختيار أبي عبيد، وأبي حاتم، فهما لغتان فصيحتان بمعنى واحد.
وقال الحسن الجعفي الفتح المصدر والكسر اسم الفعل، ثم قال: {مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} إعلم أن شرائط وجوب الحج تسعة أشياء هي: البلوغ والعقل والإسلام والحرية؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
"رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى ينتبه" .
ولقوله صلى الله عليه وسلم: "أيّما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه حجة أخرى، وأيّما أعرابي حج ثم هاجر فعليه حجة أخرى" .
وأراد بالهجرة هاهنا: الإسلام وتخلية الطريق، وهي أن يكون الطريق آمناً مسلوكاً، لا مانع فيه من عدو ونحوه، فإن كان غير مسلوك لم يجب الحج.
والدليل عليه: أنه لو كان محرماً فحصره العدو، فله أن يحل منه، فإذا جاز له الخروج منه بالحصر فبان بعض الدخول فيه، والقصد إليه مع وجود الحصر أولى وأحرى، وإمكان المسير وهو أن يكون في الوقت سعة ممكنة فيه الحج، فإذا وجد شرائط الحج وهو [....] وقد بلغ الحاج إلى [الكرقة] مثلا، فلا يجب عليه، لأنه جعل شرائطه في وقت تعذر فعله فيه، فهو كالصبي الذي يبلغ في أثناء نهار الصيام، فلا يجب عليه صوم ذلك اليوم، وزاد كاف وراحلة مبلغة وقوة بدنية واختلف أقاويل الفقهاء في تفصيل هذه الشرائط الثلاثة.
فقال الشافعي (رضي الله عنه): الإستطاعة وجهان: أن يكون مستطيعاً بدنه واجداً من ماله ما يبلغه الحج، والثاني: أن يكون معضوباً في بدنه لا يثبت على مركبه، وهو قادر على من يطعه إذا أمره أن يُحج عنه بأجرة وغير أجرة، وأما المستطيع بالمال: فقد لزمه فرض الحج بالسنّة، لحديث الخثعمية، فأما المستطيع بنفسه: فهو القوي الذي لا يلحقه مشقة غير محتملة في الكون على الراحلة، فإن هذا إذا ملك الزاد والراحلة لزمه فرض الحج، فإن عدم الزاد والراحلة أو أحدهما يسقط فرض الحج عنه، فإن كان قادراً على المشي مطيقاً له ووجد الزاد أو قدر على كسب الزاد في طريقه بصنعة مثل الخرز والحجامة ونحوهما، فالمستحب له أن يحج ماشياً، رجلا كان أو امرأة.
قال الشافعي: والرجل أقل عذراً من المرأة، لأنه أقوى وهذا على طريق الإستحباب لا على طريق الإيجاب، فأما إن قدر على الزاد بمسألة الناس في الطريق كرهت له أن يحج، لأنه يصير كلاًّ على الناس، وهذا الذي ذكرت من أن وجود الزاد والراحلة شرط في وجوب الحج، وهو قول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وابنه عبد الله وعبد الله بن عباس ومن التابعين الحسن البصري وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق، دليلهم ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال:
"جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما السبيل إلى الحج؟ قال: الزاد والراحلة" .
ومثله روى ابن مسعود وابن عباس وعائشة وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك.
روى الحرث عن علي كرم الله وجهه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"من ملك زاداً وراحلة تبلغانه إلى بيت الله فلم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً، فإن الله تعالى يقول: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ}"
". قال ابن عمر: "قام رجل فقال: يا رسول الله ما يوجب الحج؟ قال: الزاد والراحلة قال: فما الحاج؟ قال: [الشعث التفل] قال: فما أفضل الحج؟ قال: العج والثج" .
وقال مالك: إذا قدر على المشي ووجد الزاد والراحلة لزمه الحج بلا خلاف، وإن لم يجد الزاد والراحلة وقدر على المشي نظر، فإن كان مالكاً للزاد فعليه فرض الحج لكل حال، وإن لم يكن مالكاً للزاد ولكنه يقدر على كسب حاجته منه في الطريق اختلف هذا باختلاف حال الرجل، فإن كان من أهل المروات وممّن لا يكسب بنفسه لم يجب عليه، وإن كان ممن يكسب كفايته بتجارة أو صناعة لزمه فرض الحج، وهكذا إذا كان عادته مسئلة الناس لزمه فرض الحج، فأوجب مالك على المطيق للمشي الحج إذا لم يكن له زاد وراحلة، وهذا قول عبد الله بن الزبير والشعبي وعكرمة.
وقال الضحاك: إن كان شاباً صحيحاً ليس له مال، فعليه أن يؤاجر نفسه بأكله أو عقبه حتى يقضي حجته، فقال: له قائل ما كلف الله الناس أن يمشوا إلى البيت. فقال: لو أن لبعضهم ميراثاً بمكة أكان تاركه بل كان ينطلق إليه ولو حبواً، كذلك يجب عليه الحج، واحتج هؤلاء بقوله تعالى:
{ وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً } [الحج: 27] أي مُشاة.
قالوا: ولأن الحج من عبادات الأبدان من فرائض الأعيان، فوجب أن لا يكون من فرض وجوبها الزاد والراحلة كالصلاة والصيام، فإذا [تقرر] أن وجود الزاد والراحلة شرط في وجوب الحج على قول أكثر أهل العلم، فوجب أن يبيّن كيفية اعتبار الراحلة والنفقة، وذلك يختلف باختلاف أحوال الناس.
وأما الراحلة: فهي ما لا يلحقه مشقة شديدة في الركوب عليها، وأما النفقة: فإن كان ذا أهل وعيال يجب عليه نفقتهم، فلا يلزمه الحج حتى يكون لهم نفقتهم مدة غيبته لذهابه ورجوعه، لأن هذا الإنفاق فرض على الفور والحج فرض على التراخي، وكان تقديم إنفاق العيال أولى وأهم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
"كفى بالمرء إثماً أن يضيّع من يقوت" فإذا لم يكن له أهل وعيال فلابد من نفقته لذهابه، وهل يعتبر فيه الرجوع أم لا؟ فيه قولان للفقهاء:
قال بعضهم: لا يعتبر، لأنه ليس عليه كثير مشقة في تركه القيام ببلده، لأنه لا أهل له فيه ولا عيال له، فكل البلاد له وطن.
وقال الآخرون: يعتبر، وهو الظاهر من مذهب الشافعي، لأنه قال في الإملاء: لا يجب عليه الحج حتى يكون له نفقته ذاهباً وجائياً. فأطلق ولم يفرّق، وهذا أولى بالصواب، لأن الإنسان يستوحش بفراق وطنه كما يستوحش بفراق مسكنه، ألا ترى أن البكر إذا زنا جُلد وغرّب عن بلده سواء كان له أهل أو لم يكن، فإن كان له عقار يستغله أو ثياب أو أثاث ونحوها، لزمه فرض الحج وبيع العقار ورقاب الأموال وصرفها في الحج فأما المسكن والخادم.
قال الشافعي: في الأم: فإذا كان له مسكن وخادم له نفقة أهله بقدر غيبته لزمه الحج. وظاهر هذا أنه اعتبر أن يكون مال الحج فاضلا عن الخادم والمسكن، لأنه قدّمه على نفقة أهله، فكأنه قال: بعد هذا كله.
وقال أصحابه: يلزمه أن يبيع المسكن والخادم ويشتري مسكناً وخادماً لأهله، فأما إذا كان له بضاعة يتجر بها وربحها قدر كفايته وكفاية عياله على الدوام، ومتى أنفق من أصل البضاعة اختل عليه ربحها ولم يكن ربحها قدر كفايته، فهل يلزمه الحج من أصل البضاعة أم لا؟
قال أبوالعباس بن شريح: لا يلزمه ذلك وتبقى البضاعة على ما هي عليه ولا يحج من أصلها، لأن الحج إنما يجب عليه في الفاضل من كفايته.
وقال الآخرون: بل عليه أن يحج من أصل البضاعة، وهو الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور، لأنه لا خلاف أنه لو كان له عقار يكفيه غلته لزمه بيع أصل العقار في الحج، وكذلك البضاعة، وجملته أن فرض الحج يتعلق بما يتعلق به فرض زكاة الفطر، فما وجب بيعه في زكاة الفطر وجب بيعه في الحج، فهذا القول في أحد وجهي الإستطاعة، فأما الوجه الآخر: فهو أن يكون مغصوباً في بدنه لا يقدر أن يثبت على مركب بحال، أو يكون فضو الخلقة ابتداء، أو يكون مريضاً مزمناً شديداً لا يرجى برؤه، أو يكون شيخاً كبيراً ضعيفاً ولكن يكون قادراً على من يطيعه إذا أمره بالحج عنه، فهذا أيضاً مستطيع استطاعة ما. وهو على وجهين:
أحدهما: أن يكون قادراً على مال يستأجر عليه من يحج، فإنه يلزمه فرض الحج، وهذا قول علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) روى عنه أنه قال لشيخ كبير لم يحج: جهّز رجلا يحج عنك. وإليه ذهب الشافعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وعبد الله بن المبارك وأحمد بن المبارك وإسحاق.
والثاني: أن يكون قادراً على من يبذل له الطاعة والنيابة فيحج عنه، فهذا أيضاً يلزمه الحج عند الشافعي وابن حنبل وابن راهوية.
وقال أبو حنيفة: لا يجب عليه الحج ببذل الطاعة بحال.
وقال مالك: إذا كان مغصوباً سقط عنه فرض الحج أصلا، سواء كان قادراً على من يحج بالمال أو بغير المال، أو كان عاجزاً فلا يلزمه فرض الحج، ولو وجب عليه الحج ثم عضب وزمن سقط عنه فرض الحج، ولا يجوز أن يحج عنه في حال حياته بحال بل إن أوصى أن يحج عنه حُج بعد موته عنه من الثلث وكان تطوعاً، واحتج بقوله تعالى:
{ وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ } [النجم: 39] فأخبر أنه ليس له إلاّ ما سعى فمن قال له ما سعى غيره، فقد خالف ظاهر الآية ويقول عزّ وجلّ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سبيلا} وهذا غير مستطيع، لأن الحج هو القصد إلى البيت بنفسه ومن طريق الاعتبار هو أنه غير متمكن من الحج بنفسه، فوجب أن لا يلزمه الحج عن نفسه، كما لو كان مغصوباً لا مال له، ولأن كل عبادة لا يدخلها النيابة مع القدرة عليها، فوجب أن لا يدخلها النيابة مع العجز عنها كالصلاة وعكسه الزكاة، ودليل الشافعي وأصحابه ما روى الزهري عن سليمان بن يسار عن ابن عباس "أن امرأة من خثعم سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة، فهل يجزي أن أحج عنه؟ فقال: نعم، فقالت: فهل ينفعه ذلك؟ فقال (عليه السلام): أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أما كان يجزي؟ قالت: نعم، قال: فدين له أحق" .
فأوجب النبي صلى الله عليه وسلم عليه الحج بطاعة ابنته إياه وبذلها نفسها له بأن تحج عنه، فإذا وجب ذلك بطاعة البنت له كان بأن يجب عليه بقدرته على المال الذي يستأجر به أولى، فأما إن بذل له المال دون الطاعة، والصحيح أن لا يلزمه قبوله والحج به عن بنفسه ولا يصير ببذل المال له مستطيعاً، وأما من به مرض يرجى زواله كالبرسام والحمى الشديدة وغيرهما فلا يجوز له أن يحج عنه، لأنه لم ييأس عن الحج بنفسه فلم يحج له، كالصحيح وعكسه المغصوب.
وقال أبو حنيفة: يجوز له أن يحج عن نفسه ولو حج عنه وبرأ سقط عنه فرض الحج والله أعلم.
{وَمَن كَفَرَ}.
قال الحسن وابن عباس وعطاء والضحاك: جحد فرض الحج.
مجاهد: هو ما أن حج لم يره براً وإن قعد لم يره مأثماً.
وروى سفيان عن منصور عنه {وَمَن كَفَرَ} بالله واليوم الآخر، يدل عليه ما روى ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في قوله: {وَمَن كَفَرَ} قال:
"من كفر بالله واليوم الآخر" .
وقال سعيد بن المسيب: نزلت في اليهود حيث قالت: الحج إلى [...] واجب.
الضحاك: لما نزلت آية الحج جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الأديان كلهم فخطبهم، وقال:
"إن الله عزّ وجلّ كتب عليكم الحج فحجّوا" فآمنت إليه أهل ملة واحدة وهم المسلمون وكفرت به خمس ملل، وقالوا: لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نحجه، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
عطاء بن السائب: (ومن كفر) بالبيت.
ابن زيد: (ومن كفر) بهذه الآيات التي ذكرها الله في قوله تعالى: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ}.
قال السدي: أما من كفر فهو من وجد ما يحج عنه ثم لم يحج حتى مات فهو كفره به.
فصل في إيجاب الحج
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "صلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدّوا زكاة مالكم وحجّوا بيت ربكم تدخلوا جنة ربكم" .
وقال صلى الله عليه وسلم: "حجّوا قبل أن لا تحجوا فإنه قد هدم البيت مرتين ويرفع في الثالثة" .
وقال ابن مسعود: حجّوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلاّ نفقت. وروى عبد الرحمن بن أبي سابط عن أبي أُمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من لم تمنعه حاجة ظاهرة أو مرض حابس أو سلطان جائر ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً" .
وحدثنا موسى بن جعفر عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من مات ولم يحج لم يقبل الله منه يوم القيامة عملاً..." .
شعبة عن قتادة عن الحسين قال: قال عمر(رضي الله عنه): لقد هممت أن أبعث رجالا إلى الأمصار فينظرون إلى مَن كان له مال ولم يحج فيضربون عليه الجزية.
{يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ} إلى {تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي يصرفون عن دين الله {مَنْ آمَنَ}.
وقرأ الحسن: تُصِدون، بضم التاء وكسر الصاد وهما لغتان، صدّ وأصدّ مثل صَل اللحم وأصل، وخمّ وأخم. ودليل قراءة العامة قوله تعالى:
{ أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ } [سبأ: 32] وقوله: { وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } [الفتح: 25] ونظائرهما.
{تَبْغُونَهَا} تطلبونها {عِوَجاً} زيغاً وميلا، والكلام حال على الفعل، مجازه: لِمَ تصدون عن سبيل الله باغين لها عوجاً.
قال أبو عبيدة: العِوج بالكسر في الدين والقول والعمل، والعَوج بالفتح في الجدار والحائط وكل شخص قائم {وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ} الآن في التوراة مكتوب: إن دين الله الذي لا يقبل غيره هو الإسلام، وإن فيه نعت محمد صلى الله عليه وسلم.