التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً
١٤٢
مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً
١٤٣
يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً
١٤٤
إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً
١٤٥
إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً
١٤٦
مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً
١٤٧
-النساء

الكشف والبيان

{إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ} قد مرّ تفسيره.
{وَهُوَ خَادِعُهُمْ} أي يجازيهم جزاء خداعهم، وذلك أنهم على الصراط يعطون نوراً كما يعطي المؤمنين، فإذا مضوا على الصراط [يسلبهم ذلك النور] ويبقى المؤمنون ينظرون بنورهم فينادون المؤمنين
{ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ } [الحديد: 13] فيناديهم الملائكة على الصراط { { ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً } [الحديد: 13] وقد علموا أنهم لايستطيعون الرجوع [فيشفق] المؤمنون حينئذ من نورهم أن يطفىء فيقولون : { رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَٱغْفِرْ لَنَآ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [التحريم: 8] {وَإِذَا قَامُوۤا} يعني [تهيّأوا] {قَامُواْ كُسَالَىٰ} يعني متثاقلين، يعني لايريدون بها [وجه] الله فإن رآهم أحد صلّوا وإلاّ انصرفوا ولم يصلّوا {يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ} يعني المؤمنين بالصلاة {وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً} ابن عباس والحسن : إنما قال ذلك لأنهم يصلونها رياء وسمعة ولو كانوا يريدون بذلك وجه الله عز وجل لكان ذلك كثيراً.
قتادة : إنما قلّ ذكر المنافقين لأن الله عز وجل لم يقبله وكما ذكر الله قليل وكلما قبل الله كثير {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ} أي مترددين متحيرين بين الكفر والإيمان {لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ} ليسوا من المؤمنين فيجب لهم ما يجب للمسلمين، فليسوا من الكفار فيؤخذ منهم ما يؤخذ من الكفار فلا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء.
[القاسم بن طهمان] عن قتادة : ماهم بمؤمنين مخلصين ولا بمشركين مصرحين بالشرك {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} أي طريقاً إلى الهدى.
وذكر لنا ان نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يضرب مثلاً للمؤمن والمنافق والكافر كمثل رهط ثلاثة دفعوا إلى نهر فوقع المؤمن فقطع ثم وقع المنافق حتى إذا كاد يصل إلى المؤمن ناداه الكافر أن هلمّ إليّ فإني أخشى عليك وناداه المؤمن هلمَّ إلي فأن عندي الهدى وكفى له ما عنده، فما زال المنافق يتردد منهما حتّى أتى على أذى فعرفه فإن المنافق لم يزل في شك وشبهة حتى أتى عليه الموت وهو كذلك.
وروى عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
"إنّما مثل المنافق مثل الشاة العايرة من الغنمين يبدي إلى هذه مرة وإلى هذه مرة لايدري أيهما يتبع" .
ثم ذكر المؤمنين ونهاهم عن الإتيان بما أتى المنافقون.
فقال تعالى {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ} يعني في أسفل برج من النار، والدُرك والدَرك لغتان مثل الطُعن والطَعن والنُهَر والنَهر واليُبس واليَبس.
قال عبد الله بن مسعود : الدرك الأسفل من النار توابيت مقفلة في النار تطبق عليهم {وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً} [عوناً].
عن عوف عن أبي المغيرة القواس عن عبد الله بن عمر قال : إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة ثلة المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون.
قال الثعلبي : وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى فأما أصحاب المائدة فقوله عز وجل
{ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ } [المائدة: 115]، وأما آل فرعون فقوله تعالى : { أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ } [غافر: 46]، وأما المنافقون فقوله تعالى {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ} [النساء: 145].
{إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} من النفاق {وَأَصْلَحُواْ} عملهم {وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ} أي وثقوا بالله {فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} على دينهم. قال الفراء : مع المؤمنين تفسيره من المؤمنين. قال القتيبي : حاد عن كلامهم غيظاً عليهم فقال (فأولئك مع المؤمنين)، ولم يقل فأولئك هم المؤمنون {وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} في الآخرة {أَجْراً عَظِيماً} وهي الجنة وإنما حذفت الياء من : يؤتي في الخط كما حذف في اللفظ لأن الياء سقطت من اللفظ لسكونها وسكون اللام في الله وكذلك قوله
{ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ } [ق: 41] حذفت الياء في (الخط) لهذه العلة وكذلك { سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ } [العلق: 18] { يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ } [القمر: 6] قالوا : والياء هذه حذفت لالتقاء الساكنين.
وأما قوله
{ { مَا كُنَّا نَبْغِ } [الكهف: 64] حذفت لأن الكسرة دلت على الياء فحذفت لثقل الياء، وقد قيل حذفت الياء من المناد والدّاع لأنك تقول : داع ومناد حذفت اللام بها كما حذفت قبل دخول الألف واللام.
وأما قوله تعالى
{ وَٱللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ } [الفجر: 4] فحذفت الياء لأنها مابين آية ورؤس الآية يجوز فيها الحذف {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ} نعماه {وَآمَنْتُمْ} به وفي الآية تقديم، وتأخير، تقديرها ما يفعل الله بعذابكم ان آمنتم وشكرتم لأن الشكر لاينفع مع عدم الإيمان بالله والله تعالى عرف خلقه بفضله على ان تعذيبه عباده لايزيد في ملكه. وتركه عقوبتهم على افعالهم، لاينقص من سلطانه {وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً} للقليل من اعمالكم {عَلِيماً} بإضعافها لكم إلى عشرة إلى سبعمائة ضعف.
قال أهل اللغة : أصل الشكر إظهار النعمة والتحدث بها. قال الله تعالى
{ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ } [الضحى: 11] وذكر بعض أهل اللغة إن الشكر مأخوذ من قول العرب لغة شكور إذا كان يظهر سمنها على القليل من العلف فكان الله تعالى سمّى نفسه شاكراً إلا أنه يرضى من عباده بالقليل من العبادة، بعد رتبة التوحيد.
وقال بعض المعتزلة : إن الوصف لله بأنه شكور وشاكر على جهة المجاز لأن الشكر في الحقيقة هو الاعتراف بنعم المنعم فلما كان القديم تعالى ذكره مجازياً للمطيعين على طاعتهم سمي مجازاته إياهم عليها شكراً على التوسعة، وليس الحمد عنده هو الشكر لأن الحمد ضد [الذم] والشكر ضد الكفر، فيقال له : إن لم يجز أن يكون الباري تعالى شاكراً على الحقيقة لما ذكرته لم يجز أن يكون مثيباً، لأن المثيب من كافى غيره على نعمة [قدمت] إليه ابتداءً، [وإلاّ لم يجزيه] أن يكون شاكراً في الحقيقة، والشكر من الله تعالى الثواب.
ومن العباد الطاعة وحقيقة مقابلة الطاعة بغيرها، فإذا قابلت أوامر الله بطاعتك فقد شكرته وإذا قابلك الله طاعتك بثوابه فقد شكرك عليها.