التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ ضَلَٰلاً بَعِيداً
١٦٧
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً
١٦٨
إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً
١٦٩
يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
١٧٠
يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً
١٧١
لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً
١٧٢
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً
١٧٣
-النساء

الكشف والبيان

{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ ضَلَٰلاً بَعِيداً * إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ} يعني اليهود الذين علم الله تعالى منهم إنهم لايؤمنون {لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً} يعني دين الإسلام {إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ } يعني اليهودية {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً} إلى قوله تعالى {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ} الآية نزلت في النسطورية والماريعقوبية والملكانية والمرقوسية وهم نصارى نجران وذلك إن الماريعقوبية قالوا لعيسى: هو الله، وقالت النسطورية: هو ابن الله، وقالت المرقوسية: هو روح الله، فأنزل الله تعالى {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} يعني يا أهل الانجيل وهم النصارى {لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ} أي لا تتشددوا في دينكم فتفتروا عليّ بالكذب، وأصل الغلو مجاوزة الحد في كل شيء، يقال: غلا بالجارية لحمها وعظمها إذا أسرعت الشباب فجاوزت لداتها يغلو بها غلواً وغلاء.
خالد المخزومي:

خمصانة فلق موشحهارؤد الشباب غلا بها عِظَم

{وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ} لا تقولوا أن لله شركاء أو ابناً، ثم بين حال عيسى وصفته فقال {إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ} وهو الممسوح المطهر من الذنوب والأدناس التي تكون في الناس كما يمسح للشيء من الاذى الذي يكون فيه فيطهر، عيسى ابن مريم لا ابن الله بل رسول الله [وعبده قال: "إنّي عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبّياً" ] ردَّ بهذا على اليهود والنصارى جميعاً {وَكَلِمَتُهُ} يعني قوله: كن، فكان بشراً من غير أب وذلك قوله تعالى { كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } [آل عمران: 59] الآية وقيل: هي بشارة الله مريم بعيسى ورسالته إليها على لسان جبرئيل وذلك قوله تعالى { إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ } [آل عمران: 45] وقال تعالى مصدّقاً بكلمة من الله {أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ} يعني أعلمها وأخبرها بها كما يقال: ألقيت إليك كلمة حسنة {وَرُوحٌ مِّنْهُ} الآية.
قال بعضهم: معناه ونفخة منه وذلك أن جبرئيل نفخ في درع مريم فحملت بإذن الله، فقال: {وَرُوحٌ مِّنْهُ} لأنه بأمره كان المسيح وربما لأنه ريح يخرج من الروح، قال ذو الرمة يصف شرر النار التي تسقط من القداحة:

فقلت له ارمها إليك وأحيهابروحك واقتته لها قيتة قدراً

واجعل لها قوتاً بقدر. يدل عليه قوله تعالى {وَٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} [الأنبياء: 91] الآية هذا معنى قول عذرتها.
وقال أبو عبيدة: إنّه كان إنساناً بإحياء الله عز وجل إياه، يدل عليه قول السدّي {وَرُوحٌ مِّنْهُ} أي مخلوق من عنده، وقيل: معناه ورحمة من الله تعالى، عيسى رحمة لمن شهد وآمن به، يدل عليه قوله في المجادلة
{ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ } [المجادلة: 22] أي قوّاهم برحمة منه، فدلّ الروح بالوحي أوحى إلى مريم بالبشارة وأوحى إلى مريم بالمسيح وأوحى أنه ابن مريم يدلّ عليه (قوله تعالى: {بروح منه} ) يعني بالوحي، وقال في حم المؤمن: { يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ } [غافر: 15].
وقال:
{ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا } [الشورى: 52] أي وحينا، وقيل: إهدنا بروح جبرئيل فقال: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ} وألقى إليها أيضاً روح منه وهو جبرائيل. يدل عليه قوله في النحل { قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ } [النحل: 102] نظيره في الشعراء قال: { نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ } [الشعراء: 193] وقال { وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ } [البقرة: 87] وقال { يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ } [النحل: 2] يعني جبرئيل، وقال { فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا } [مريم: 17] الروح الوحي يعني من الإضافة إليه على التخصيص كقوله لآدم (عليه السلام) { وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي } [الحجر: 29].
قال الثعلبي: وسمعت الأستاذ أبا القاسم الحبيبي يقول: كان لهارون الرشيد غلام نصراني متطبّب وكان أحسن خلق الله وجهاً وأكملهم أدباً وأجمعهم للخصال التي يتوسل بها إلى الملوك وكان الرشيد مولعاً بأن يسلم وهو ممتنع وكان الرشيد يمنيه الأماني [فيأبى] فقال له ذات يوم: مالك لاتؤمن؟ قال: لأن في كتابكم حجة على من انتحله، قال وما هو؟ قال: قوله {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} أفغير هذا دين النصارى أن عيسى جزء منه، [فغمّ] قلب الرشيد لذلك فدعا العلماء والفقهاء فلم يكن منهم من يزيل تلك الشبهة حتى قيل: قدم حجاج خراسان وفيهم رجل يقال له علي بن الحسين بن واقد من أهل مرو إمام في أهل القرآن، فدعاه وجمع بينه وبين الغلام، فسأل الغلام فأعاد قوله، فاستعجم على علي بن الحسين الوقت جوابه فقال: يا أمير المؤمنين قد علم الله في سابق علمه أن مثل هذا [الحدث] يسألني في مجلسك، وإنه لم يخل كتابه من جوابي وليس يحضرني في الوقت لله عليَّ أن لا أُطعم حتى آتي الذي فيأمن حقها ان شاء الله، فدخل بيتاً مظلماً، وأغلق عليه بابه [وانشغل] في قراءة القرآن حتى بلغ سورة الجاثية
{ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ } [الجاثية: 13] فصاح بأعلى صوته: إفتحوا الباب فقد وجدت، ففتحوا، ودعا الغلام وقرأ عليه الآية بين يدي الرشيد، وقال: إن كان قوله (وروح منه) توجبان عيسى بعض منه وجب أن يكون ما في السماوات وما في الأرض بعضاً منه، فانقطع النصراني وأسلم وفرح الرشيد فرحاً شديداً ووصل علي بن الحسين بصلة فاخرة فلما عاد إلى مرو صنف كتاب "النظائر في القرآن" وهو كتاب لايوازيه في بابه كتاب.
{فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ} قال أبو عبيدة: معناه ولاتقولوا هم ثلاثة.
وقال الزجاج: ولاتقولوا آلهتنا ثلاثة، وذلك أنهم قالوا: أب وابن وروح القدس، {ٱنتَهُواْ} عن كفركم {خَيْراً لَّكُمْ} إلى قوله {لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ} وذلك إن وفد نجران قالوا: يا محمد لم تعيب صاحبنا؟ قال: ومن صاحبكم؟
قالوا: عيسى. قال: وأي شي أقول؟ قال: تقول أنه عبد الله ورسوله، فقال لهم: إنه ليس بعار لعيسى إن يكون عبداً لله. قالوا: بلى، فنزلت {لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ} الآية. لم يأنف ولم يتعظّم ولم [يختتم] وأصله الأنفة، والتجنب وأصله في اللغة من قولهم نكفت الدمع إذا نحيته بإصبعك عن خدك.
قال الشاعر:

فباتوا فلولا ما تذكر عنهممن الحلف لم ينكف لعينيك تدمع

{وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} هم حملة العرش لايأبون ان يكونوا عبيداً لله، لأن من الكفار من اتخذ الملائكة آلهة فلذلك ذكرهم ثم أوعدهم فقال {وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً} المستكبر والمقر {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ} في [التضعيف] ما لا عين رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
{وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُواْ} عن عبادته {وَٱسْتَكْبَرُواْ} عن السجود {فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} ثم قال (الله ولي الذين آمنوا).