التفاسير

< >
عرض

وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٠٨
وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ
١٠٩
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ
١١٠
وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ
١١١
وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ
١١٢
وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ
١١٣
-الأنعام

الكشف والبيان

{وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ}.
قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية
{ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } [الأنبياء: 98]. قال المشركون: يا محمد لتنتهينّ عن سبّ الهتنا أو لنهجون ربك فنهاهم اللّه تعالى أن يسبوا أوثانهم.
قال قتادة: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار فنهاهم اللّه عن ذلك كيلا يسبوا اللّه فإنهم قوم جهلة.
وقال السدي:
"لما حضرت أبا طالب الوفاة، قالت قريش: إنطلقوا فلندخل على هذا الرجل ولنأمرنّه أن ينهى عنا ابن أخيه فإنا نستحي أن نقتله بعد موته فيقول العرب: كان يمنعه فلما مات قتلوه، فانطلق أبو سفيان، وأبو جهل، والنضر بن الحرث، وأمية وأبي بن أخلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمرو بن العاص، والأسود بن البحتري، إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا وإن محمداً قد آذانا وآذى الهتنا فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر الهتنا ولندعه وإلهه، فدعاه فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ما يريدون؟ قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك.
قال: قد أنصف قومك، فاقبل منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطيّ كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم بها العجم.
قال أبو جهل: نعم وأبيك لنعطينكها وعشراً أمثالها فما هي؟ قال: قولوا: لا إله إلاّ اللّه، فأبوا واشمأزّوا.
وقال أبو طالب: قل غيرها يا ابن أخي، فإن قومك قد فزعوا منها. فقال: يا عم ما أنا بالذي أقول غيرها ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها.
فقالوا: لتكفّنّ عن شتمك آلهتنا أو لنشتمن من يأمرك. فأنزل اللّه تعالى {وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} من الأوثان {فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً}"
.
وقرأ أبو رجاء والحسن وقتادة ويعقوب: عدواً بضم العين والدال وتشديد الواو أي أعداء الله.
"{بِغَيْرِ عِلْمٍ} فلما نزلت هذه الآية، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لأصحابهلا تسبوا ربهم فأمسك المسلمون عن سبّ آلهتهم" .
{كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} يعني كما زيّنا لهؤلاء المشركين عبادة الأوثان وطاعة الشيطان، الحرمان والخذلان كذلك زيّنا لكل أمة عملهم من الخير والشر والطاعة والمعصية {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ} يخبرهم ويجازيهم {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ}.
قال محمد بن كعب القرضي والكلبي:
"قالت قريش: يا محمد تخبرنا بأن موسى كان معه عصا يضرب بها الحجر فتنفجر منه اثنتا عشرة عيناً، وتخبرنا أن عيسى كان يحيي الموتى، وتخبرنا أن ثمود كانت لهم ناقة فأتنا من الآيات حتى نصدقك. قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أي شيء تحبون أن آتيكم به؟.
قالوا: تجعل لنا الصفا ذهباً وابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم عنك أحق ما تقول أم باطل، وأرنا الملائكة يشهدون لك أو ائتنا باللّه والملائكة قبيلاً. فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لئن فعلت بعض ما تقولون تصدقوني قالوا: نعم واللّه لئن فعلت نتبعك أجمعين.
وسأل المسلمون رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن ينزلها عليهم حتى يؤمنوا، فقام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يدعو اللّه أن يجعل الصفا ذهباً، فجاء جبرئيل عليه السلام فقال له: إن شئت أصبح ذهباً ولكن إن لم يصدقوا عذبتهم فإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم. فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بل يتوب تائبهم فأنزل اللّه تعالى {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ}"
يعني أوكد ما قدروا عليه من الايمان وحدها.
قال الكلبي ومقاتل: إذا حلف الرجل باللّه سبحانه فهو جهد بيمينه. {لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ} كما جاء من قبلهم من أمم {لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ} يا محمد {إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ} وهو القادر على إتيانها دوني ودون كل من خلقه. ثم قال {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} وما يدريكم فحذف المفعول وما أدريكم، واختلفوا في المخاطبين، بقوله {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} حسب اختلافهم في قراءة قوله {أَنَّهَآ}. فقال بعضهم: إن الخطاب للمشركين الذين أقسموا وتمّ الكلام عند قوله وما يشعركم، ثم إستأنف، فقال: إنها يعني الآيات {إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} حكم عليهم بأنهم لا يؤمنون.
وقرؤا: {أَنَّهَآ} بالكسر على الإبتداء، وهو في قراءة مجاهد وقتادة وابن محيصن وابن كثير وشبل وأبي عمر والجحدري.
وقال آخرون: الخطاب لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقرأوا: أنها بالفتح وجعلوا "لا" صلة يعني وما يدريكم يا معشر المؤمنين أنها إذا جاءت المشركين لا يؤمنون كقوله
{ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ } [الأعراف: 12] يعني: أن تسجد، وقوله { وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } [الأنبياء: 95] يعني إنهم يرجعون. وقيل: معنى إنها: لعلها وكذلك هي قراءة أُبيّ، تقول العرب: إذهب إلى السوق إنك تشتري شيئاً بمعنى لعلك تمر.
وقال عدي بن زيد:

أعاذل ما يدريك أن منيتيإلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد

يعنى: لعلّ منيّتي.
وقال دريد بن الصمة:

ذرينى أطوف في البلاد لأنّنيأرى ما ترين أو بخيلا مخلدا

يعني: لعلّني.
وقال أبو النجم:

قلت لسينان أدن من لقائهإنا نغدي القوم من سرائه

أي ثعلباً تغدي.
وقرأ ابن عامر والسدي وحمزة: {لاَ يُؤْمِنُونَ} بالتاء على [حساب] الكفار وما يشعركم، واعتبر بقراءة أُبيّ: لعلكم إذا جاءكم لا يؤمنون.
وقرأ الباقون: بالياء على الخبر وتصديقها قراءة الأعمش إنّها إذا جاءتهم لا يؤمنون {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ}.
قال ابن عباس وابن زيد: يعني نحول بينه وبين الإيمان. ولو جئناهم بالآيات التي سألوا ما آمنوا بها كما لم يؤمنوا بالتي قبلها مثل انشقاق القمر وغيره عقوبة لهم على ذلك.
وقيل: كما لم يؤمنوا به في الدنيا قبل مماتهم. نظيره قوله تعالى {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} [الأنعام: 28] {وَنَذَرُهُمْ} قرأ أبو رجاء: ويذرهم بالياء. وقرأ النخعي: ويقلب ويذرهم كلاهما بالياء {فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ} فرأوهم عياناً {وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ} بإحيائنا إياهم فشهدوا لك بالنبوة كما سألوا {وَحَشَرْنَا} وجمعنا {عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً} بكسر القاف وفتح الباء أي معاينة وهي قراءة أكثر القراء، قرأ أبو جعفر: التي في الأنعام قبلاً بالكسر والتي في الكهف قبلاً عياناً بالضم. أبو عمرو بالنصب وكذلك اختار أبو عبيد وأبو حاتم لأنها في قراءة أُبيّ قبيلاً بجمعها القبل. والتي في الكهف قبلاً يعني عياناً.
وقرأ أهل الكوفة: بضم القاف والباء، ولها ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون جمع قبيل وهو الكفيل أي ضمناً وكفلاً. والقبالة الكفالة، يقال: قبيل وقبل مثل رغيف ورغف، وقضيب وقضب.
والثاني: جمع قبيل هو القبيلة يعني فوجاً فوجاً وصنفاً صنفاً.
والثالث: أن يكون بمعنى المقابلة والمواجهة من قول القائل: أتيتك قبلاً لا دبراً إذا أتاه من قبل وجهه {مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} ذلك لهم. وقيل: الإستثناء لأهل السعادة الذين سبق لهم في علم اللّه الإيمان {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} إن ذلك كذلك {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا} يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم يعني كما أتيناك بهؤلاء القوم وكذلك جعلنا {لِكُلِّ نِبِيٍّ} قبلك {عَدُوّاً} أعداء وفسّرهم فقال {شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ}.
عكرمة والضحاك والسدي والكلبي: معناه: شياطين الإنس التي مع الإنس وشياطين الجن التي مع الجن وليس للإنس شياطين.
وذلك أن إبليس قسم جنده فريقين، بعث منهم فريقاً إلى الإنس وفريقاً إلى الجن، شياطين الإنس والجن فهم ملتقون في كل حين، فيقول شيطان الإنس لشيطان الجن أضللت صاحبي بكذا فاضل صاحبك بمثله، ويقول شيطان الجن لشيطان الإنس كذلك فذلك يوحي بعضهم إلى بعض.
وقال آخرون: إنّ من الإنس شياطين ومن الجن شياطين، والشيطان: العاتي المتمرّد من كل شيء.
قالوا: إن الشيطان إذا أغوى المؤمن وعجز عن إغوائه ذهب إلى متمرد من الإنس وهو شيطان من الإنس فأغراه المؤمن.
قال أبو طلحة ما روى عوف بن مالك عن أبي ذر قال:
"قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر هل تعوذت باللّه من شر شياطين الإنس والجن قال: يا رسول اللّه فهل للإنس من شياطين؟ قال: نعم هو شر من شياطين الجن" .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما منكم من أحد إلاّ وقد وكّل قرينه من الجن قيل: ولا أنت يا رسول اللّه؟
قال: ولا أنا إلاّ أن اللّه قد أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلاّ بخير"
.
وقال مالك بن دينار: إن شيطان الإنس أشد من شيطان الجن وذلك إني إذا تعوذت باللّه ذهب عني شيطان الجن، وشيطان الإنس يحبني فيجرني إلى المعاصي عياناً {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} أي يلقي {زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً} وهو القول المموّه والمزّين بالباطل، وكل شيء حسّنته وزينته فقد زخرفته ثم {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَىۤ} أي ولكي تميل.
وقال ابن عباس: ترجع يقال: صغى يصغى صغاً وصغى يصغى ويصغو صغواً وصغواً إذا مال.
قال الفطامي:

أصغت إليه هجائن بنحدودهاآذانهن تلى الحداة السوق
ترى عينها صغواء في جنب ماقهاتراقب كفي والقطيع المحرما

{إِلَيْهِ} يعني إلى الزخرف والغرور، ويقال: صغو فلان معك، وصغاه معك أي ميله وهواه.
وقرأ النجعي: ولتصغي بضم التاء وكسر الغين أي تميل، والإصغاء الإمالة. ومنه الحديث
"إن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يصغي الإناء للهرة" .
{أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} الأفئدة جمع الفؤاد مثل غراب وأغربة {وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ} أي وليكتسبوا ما هم مكتسبون.
وقال ابن زيد: وليعملوا ما هم عاملون. يقال: إقترف فلان مالاً أي اكتسبه، وقارف فلان هذا الأمر إذا واقعه وعمله، قال اللّه تعالى
{ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً } [الشورى: 23].
قال لبيد:

وإني لآتي ما أتيت وإننيلما اقترفت نفسي عليَّ لراهب

وقيل: هو من التهمة يقال: قرفه بسوء إذا اتهمه به.
قال رؤبة:

أعيا اقتراف الكذب المقروفتقوى التقيّ وعفّة العفيف