التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ
١٧٢
أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ
١٧٣
وَكَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
١٧٤
وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِي ۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ
١٧٥
وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
١٧٦
سَآءَ مَثَلاً ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ
١٧٧
مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ
١٧٨
وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ
١٧٩
-الأعراف

الكشف والبيان

{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}.
قال المفسّرون: لمّا خلق الله عزّ وجلّ آدم مسح ظهره وأخرج منه ذريته كلهم وهي الذرية واختلفوا في موضع الميثاق.
فقال ابن عباس: يسكن نعمان واد إلى جنب عرفة، وروي فيه أيضاً أنّ ذلك [برهبا] أرض بالهند وهو الموضع الذي أهبط الله فيه آدم صلى الله عليه وسلم.
وقال الكلبي: بين مكّة والطائف. وقال السدي: أخرج الله آدم من الجنّة ولم يهبط من السماء ثمّ مسح ظهره وأخرج ذريته. قالوا: فأخرج من صفحة ظهره اليسرى ذرية سوداء فقال لهم: ادخلوا النار ولا أبالي فذلك حين يقول أصحاب اليمين وأصحاب الشمال. وأصحاب المنامة.
وقال لهم: جميعاً أعلموا أن لا إله غيري وأنا ربكم لا رب لكم غيري فلا تشركوا بي شيئاً فإنّي مرسل إليكم رجالاً يذكرونكم بعهدي وميثاقي ومنزل عليكم كتباً فتكلّموا وقالوا: شهدنا بأنك ربنا وإلهنا ولا رب لنا غيرك، فأقرّوا يومئذ كلهم طائفة طائعين. وطائفة على وجه التقدير تقيّة، فأخذوا بذلك مواثيقهم وسُمّيت آجالهم وأرزاقهم وحسابهم فنظر إليهم آدم، ورأى منهم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: رب لولا سويت بينهم، فقال: إنّي [أحببت أن] أشكر.
قالوا: وفيهم الأنبياء يومئذ أمثال السرج فرأى آدم نوراً ساطعاً فقال: من هذا؟ فقال: هذا داود نبي من ذريتك قال: كم عمره؟ قال: ستّون سنة قال: رب زده.
قال: جرى القلم بآجال بني آدم، قال: رب زده من عمري أربعين سنة، فأثبت لداود أربعين وكان عمر آدم ألف سنة، فلما استكمل آدم تسعمائة وستين سنة جاء ملك الموت، فلما رآه آدم قال: مالك؟ قال: استوفيت أجلك، قال له آدم: بقي من عمري أربعون سنة، قال: أليس قد وهبتها لداود؟ قال: لا فجحد آدم، فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته، وخطأ فخطئت ذريته، فرجع الملك إلى ربه فقال: إن آدم يدعي أنه بقي من عمره أربعون سنة، قال: أخبر آدم أنه وهبها لابنه داود (عليه السلام) والأقلام بطيئة فأثبتت لداود، فلما قررهم بتوحيده وآثر بعضهم على بعض أعادهم إلى صلبه فلا تقوم الساعة حتّى يولد كل من أخذ ميثاقه ولا يزداد فيهم ولا ينقص عنهم، فذلك قوله تعالى {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ} ونظم الآية: وإذا أخذ ربّك من ظهر بني آدم ذريتهم، ولم يذكر أمر آدم فإنما أعرجوا يوم الميثاق في ظهره، لأن الله عزّ وجلّ أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء، فاستغنى عن ذكر ظهر آدم بقوله (من بني آدم) فلما علم أنهم كلهم بنوه و[خرجوا] من ظهره ترك ذكر ظهر آدم وذكر ظهور بنيه.
وقوله: {ذُرِّيَّتَهُمْ} قرأ أهل مكة والكوفة: ذريتهم بغير ألف على الواحد، وقرأ الباقون على الجمع بالألف {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} وقال لهم {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} سؤال تقرير {قَالُواْ} جميعاً {بَلَىٰ} أنت ربّنا {شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ} قرأ ابن عباس وابن محيصن وأبو عمرو: (يقولوا) بالباء، والباقون بالتاء كقوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}، واختلفوا في قوله: (شهدنا) فقال السدي: خبر من قوله تعالى عن نفسه وعن ملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم، وقال الآخرون: بل ذلك على إقرار بني آدم حين أشهد بعضهم على بعض أن يقولوا يعني أن لا يقولوا {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا} الميثاق والإقرار {غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ} فاتبعناهم {أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ} يعني المشركين وإنما اقتدينا بهم وكنا في غفلة عن التوحيد {وَكَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} لقومك يامحمد {وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} عن كفرهم {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا} اختلفوا فيه.
فقال عبد الله بن مسعود: هو بلعم بن ابرة. وقال ابن عباس: هو بلعم بن باعورة. وقال مجاهد: هو بلعام بن باعر. وقال مقاتل: هو بلعام بن باعور بن ماث بن لوط. عطية عن ابن عباس: هو من بني إسرائيل.
وقال عليّ بن أبي طلحة: هو من الكنعانيين من مدينة الجبارين، وقال مقاتل: هو من مدينة بلقا، وسميت بلقا لأن ملكها كان رجلاً يقال له: بالق وكانت وصيته على ما ذكره ابن عباس وابن إسحاق والسدي وغيرهم: إن موسى (عليه السلام) لما قصد حرب الجبارين ونزل أرض بني كنعان من أرض الشام أتى قوم بلعم إلى بلعم وكان عنده اسم الله الأعظم.
فقالوا: إن موسى رجل شديد ومعه جنود كثيرة وإنّه قد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل وأنا قومك وبنو عمك وليس لنا قول وأنت رجل مجاب الدعوة فأخرج وادع الله تعالى أن يرد عنا موسى وقومه فقال: ويلكم نبي الله معه الملائكة والمؤمنون كيف أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما أعلم وإني إن فعلت هذا ذهبت دنياي وآخرتي. وقالوا ما لنا من [نزل] وراجعوه في ذلك قال: حتى أُءامر ربّي، وكان لا يدعو حتّى ينظر ما يؤمر في المنام فيأمرني الدعاء عليهم.
فقيل له في المنام: لا تدع عليهم، فقال لقومه: إني قد أُمرت ربّي في الدعاء عليهم وإنّي قد نُهيت، فهدوا له هدية، فقبلها ثمّ راجعوه وقالوا: أدع عليهم، فقال: حتّى أؤمر فلما أُمّر لم يجيء إليه شيء. فقال: قد أُمّرت فلم يجيء إليّ شيء، فقالوا: لو كره ربّك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك في المرة الأولى. فلم يزالوا به [يروقونه] ويتضرعون إليه حتّى فتنوه فافتن فركب [أتاناً] له متوجهاً إلى جبل يطلعه على عسكر بني إسرائيل يقال له جسبان.
فلما سار عليها غير كثير ربضت به فنزل عنها فضربها حتّى إذا أذاقها قامت فركبها فلم تسر به كثيراً حتّى ربضت، ففعل بها مثل ذلك فقامت فركبها فلم تسر به كثيراً حتّى ربضت فضربها حتّى إذا أذاقها أذن الله لها بالكلام فتكلمت حجة عليه فقالت: ويحك يا بلعم أين تذهب ألا ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي هذا لنذهب إلى نبي الله والمؤمنين تدعو عليهم، فلم ينزع عنها فخلّى الله سبيلها فانطلقت حتّى إذا أشرقت به على جبل جسبان جعل يدعو عليهم فلا يدعو عليهم بشيء إلاّ صرف به لسانه إلى قومه ولا يدعو لقومه بخير إلاّ صرف مسألته إلى بني إسرائيل.
فقال له قومه: أتدري يابلعم ما تصنع إنما تدعو لهم وتدعو علينا، قال: فهذا ما لا أملك هذا شيء قد غلب الله عليه واندلع لسانه فوقع على صدره فقال لهم: قد ذهبت الآن مني الدنيا والآخرة، فلم يبقَ إلاّ المكر والحيلة فسأمكر لكم وأحتال، اجملوا النساء وزينوهن وأعطوهن السلع ثمّ أرسلوهن إلى العسكر يتعدوا فيه ومروهن فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها فإنهم إن زنا رجل واحد منهم يفتنوهم ففعلوا.
فلمّا دخل النساء العسكر مرَّت امرأة بين الكنعانيين اسمها بشتي بنت صور برجل من عظماء بني إسرائيل يُقال له زمري بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (عليه السلام) فقام إليها فأخذ بيدها حين أَفْتنه جمالها ثمّ أقبل حتّى وقف على موسى فقال: إني أظنك ستقول هذه حرام عليك قال: أجل هي حرام عليك لا تقربها قال: فوالله لا نطيعك في هذا ثمّ دخل بها قبته فوقع عليها فأرسل الله الطاعون على بني إسرائيل في الوقت.
وكان لفنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى رجلٌ قد أعطى بسطة في الخلق وقوة في البطش وكان غائباً حين صنع زمري بن شلوم ما صنع فجاء والطاعون [يمجّس] في بني إسرائيل وأخبر الخبر فأخذ حربته وكانت من حديد كلّها ثمّ دخل عليه القبة وهما متضاجعان [فاستقبلها] بحربته ثمّ خرج بهما رافعاً بهما إلى السماء والحربة قد أخذها بذراعه واعتمد بمرفقه على خاصرته وأسند الحربة إلى لحيته.
وكان [يكره العيزار] وجعل يقول: اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك فرفع الطاعون. فحسب من هلك من بني إسرائيل في الطاعون فيما بين أن أصاب زمري المرأة إلى أن قتله فنحاص فوجوده قد هلك منهم سبعون ألفاً في ساعة من نهار، فمن هنالك يعطي بنو إسرائيل ولد فنحاص كل ذبيحة ذبحوها الفشة والذراع واللحى، لاعتماده بالحربة على خاصرته وأخذه إياها بذراعه وبإسناده إياها إلى لحيته، والبكر من كل أموالهم وأنفسهم لأنّه كان [بكراً] لعيزار بن هارون وفي بلعم أنزل الله تعالى: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا } الآية.
وقال مقاتل: إن ملك البلقاء قال لبلعام: أدعُ على موسى، فقال: إنه من أهل ديني لا أدعو عليه فنصبت خشبة ليصلب فلما رأى ذلك خرج على أتان له ليدعو عليهم، فلما عاين عسكرهم قامت به الأتان ووقفت فضربها فقالت: لم تضربني إني مأمورة فلا تظلمني وهذه نار أمامي قد منعتني أن أمشي فرجع وأخبر الملك، فقال: لتدعون عليه أو لأصلبنك فدعا على موسى بالاسم الأعظم ألا يدخل المدينة فاستجيب له ووقع موسى وبنو إسرائيل في التيه بدعائه فقال موسى: يارب [بأي] ذنب وقعنا في التيه قال: بدعاء العالم، قال: فكما سمعت دعاءه عليّ فاسمع دعائي عليه فدعا موسى عليه أن ينزع منه الاسم الأعظم والإيمان فسلخه الله تعالى مما كان عليه ونزع منه المعرفة فخرجت من صدره كحمامة بيضاء فذلك قوله تعالى {فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا} فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية.
وقال عبد الله بن عمر بن العاص وسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وأبو روق:
"نزلت هذه الآية في أُميّة بن أبي الصلت الثقفي وكانت قصّته أنّه كان في ابتداء [أمره] قرأ الكتب وعلم أن الله تعالى مرسل رسولاً في ذلك الوقت ورجا أن يكون هو ذلك الرسول.
فلما أرسل محمد (عليه السلام) حسده وكان قصد بعض الملوك فلما رجع مرَّ على قتلى بدر فسأل عنهم فقيل قتلهم محمد فقال: لو كان نبياً ما قتل أقرباءه. فلمّا مات أميّة أتت أخته فارعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وفاة أخيها فقالت: بينا هو قد [أتانا فنام على سريري فأقبل طائران] ونزلا فقعد أحدهما عند رجله والآخر عند رأسه فقال الذي عند رجله للذي عند رأسه: أَدُعي؟ قال: دُعي، قال: أزكّي؟ قال: أبى، قالت: فسألته عن ذلك. قال: خيراً زيدي، فصرف عني ثمّ غشي عليه فلما أفاق قال:
كل عيش وإن تطاول دهراً * صائر أمره إلى أن يزولا
ليتني كنت قبل ما بدا لي * في قلال الحبال أرعى الوعولا
يوم الحساب يوم عظيم * شاب فيه الصغير نوماً ثقيلاً
ثمّ قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشديني شعر أخيك. فأنشدته:
لك الحمد والنعماء والفضل ربنا * ولا شيء أعلى منك جداً وأمجد
مليك على عرش السماء مهيمن * لعزته تعنو الوجوه وتسجد
وهي قصيدة طويلة حتّى أتت على آخرها. وأنشدته قصيدته:
وقف الناس للحساب جميعاً * فشقي معذب وسعيد
ثمّ أنشدته قصيدته التي فيها
عند ذي العرش يعرضون عليه * يعلم الجهر والسرار الخفيا
يوم يأتي الرحمن وهو رحيم * إنّه كان وعده مأتياً
يوم يأتيه مثل ما قال فرد * ثم لابد راشداً أو غوياً
أو سعيداً سعادة أنا أرجو * أو مهاناً لما اكتسبت شقياً
إن أوءاخذ بما أجرمت فإني * سوف ألقى في العذاب قويا
ورب إن تعفو فالمعافاة ظنّي * أو تعاقب فلم تعاقب بريّاً
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم آمن شعره وكفر قلبه"
.
وأنزل الله عزّ وجلّ: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا} الآية.
ومنهم مَنْ قال: إنها نزلت في البسوس.
وكان رجلاً قد أعطي ثلاث دعوات مستجابات. وكانت له امرأة وكان له منها ولد فقالت له: اجعل منها دعوة واحدة لي. فقال: لك منها واحدة، فما تريدين؟ فقالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل، فدعا لها فجعلت أجمل امرأة في بني إسرائيل. فلما علمت أنّه ليس فيهم مثلها رغبت عنه فغضب الرجل. ودعا عليها فصارت كلبة نبّاحة فذهبت فيها دعوتان، فجاء بنوها فقالوا: ليس لنا على هذا قرار دعوت على أمّنا فصارت كلبة نبّاحة والناس يُعيروننا أدعو الله أن يردها على الحال التي كانت عليها، فدعا الله عزّ وجلّ فعادت كما كانت فذهبت فيها الدعوات.
وقال سعيد بن المسيب:
"نزلت في أبي عامر بن النعمان بن صيفي الراهب الذي سمّاه النبيّ صلى الله عليه وسلم الفاسق.
وكان قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوخ فقدم المدينة وقال للنبيّ صلى الله عليه وسلم ما هذا الذي جئت به.
قال: جئت بالحنفية دين إبراهيم، فقال: أنا جئتها، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لست عليها ولكنك أدخلت إبليس فيها، فقال أبو عامر: أمات الله كاذباً منا طريداً وحيداً فخرج إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا القوّة والسلاح وابنوا إلي مسجداً ثمّ أتى الراهب قيصر وأتى بجند ليُخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المدينة فذلك قوله: {وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} [التوبة: 107] يعني انتظاراً لمجيئه فمات بالشام طريداً وحيداً"
.
وقال عبادة بن الصامت: نزلت في قريش أتاهم الله الآيات فانسلخوا منها فلم يقبلوها، فقال الحسن وابن كيسان: نزلت في منافقي أهل الكتاب الذين كانوا يعرفون النبيّ صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم.
وقال عمرو بن دينار: سُئل عكرمة عن هذه الآية فقال: هذا وهذا ليست في خاصة.
وقال قتادة: هذا مثل ضربه الله لمن عرض عليه الهدى فلم يقبله فذلك قوله: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا}.
وقال ابن عباس والسدي: هي اسم الله الأعظم. وقال ابن زيد: كان لا يسأل الله شيئاً إلاّ أعطاه.
وقال ابن عباس في رواية أُخرى: أعظم أنها كتاباً من كتب الله. مجاهد: هو نبي من بني إسرائيل يقال له بلعم أوتي النبوّة فرشاه قومه على أن يسكت ففعل وتركهم على ما هم عليه.
{فَٱنْسَلَخَ} [خرج] {مِنْهَا} كما تنسلخ الحيّة من جلدها {فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ} أي لحقه وأدركه {فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} أي فضلناه وشرفناه ورفعنا منزلته بالآيات. وقال ابن عباس: رفعناه بها.
وقال مجاهد وعطاء: يعني لرفعنا عنه الكفر بالآيات وعصمناه.
{وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ} قال سعيد بن جبير: ركن الى الأرض. مجاهد: سكن. مقاتل: رضي بالدنيا. أبو عبيدة: لزمها وأبطأ، والمخلد من الرجال هو الذي يبطئ شيبه ومن الدواب التي تبقى ثناياه حتّى تخرج رباعيتاه.
قال الزجاج: خلد وأخلد واحد وأجعله من الخلود وهو الدوام والمقام يقال خلد فلان بالمقام إذا أقام به. ومنه قول زهير:

لمن الديار غشيتها بالغرقدكالوحي في حجر المسيل المخلد

يعني: المقيم.
وقال مالك بن نويرة:

فما نبأ حيّ من قبائل مالكوعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا

{وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ} قال الكلبي: يتبع [خسيس] الأمور ويترك معاليها.
وقال أبو روق: اختار الدنيا على الآخرة. وقال ابن زيد: كان هواه مع [القدم] قال عطاء: أراد الدنيا وأطاع شيطانه، وقال يمان: واتبع هواه أي امرأته لأنّها حملته على الخيانة.
{فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث} قال مجاهد: هو مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يعمل به، وقال ابن جريج: الكلب منقطع الفؤاد لا فؤاد له إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث وهو مثل الذي يترك الهدى لا فؤاد له إنما فؤاده منقطع.
وروى معمر عن بعضهم قال: هو الكافر ضال إن وعظته أو لم تعظه.
قال ابن عباس: معناه إن تحمل عليه الحكمة لم يحملها وإن تتركه لم يهتدِ بخير كالكلب إن كان [رابضاً] لهث وإن طرد لهث. وقال الحسن: هو المنافق لا ينيب إلى الحق دعي أو لم يدع وعظ أو لم يوعظ [كالكلب] يلهث طرد أو ترك، قال عطاء: ينبح إن يحمل عليه وإن لم يحمل، وقال القتيبي: كل شيء يلهث من إعياء أو عطش إلاّ الكلب، فإنّه يلهث في حال الكلال وحال الراحة، وحال الصحة وحال المرض، وحال [الجوع] وحال العطش فضربه الله مثلاً لمن كذب بآياته.
فقال: إن وعظته فهو ضال وإن تركته فهو ضال كالكلب إن طردته لهث وإن تركته لهث ونظيره قوله {وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ} [الأعراف: 193] {ذَّلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} روى محمد بن إسحاق عن سالم [أبي الخضر] قال: يعني مثل بني إسرائيل أي إن جئتهم بخبر ما كان فيهم ما غاب عنك (لعلهم يتفكرون).
فيعرفون أنه لم يأت بهذا الخبر عما مضى فيهم إلاّ نبي يأتيهم خبر السماء {سَآءَ مَثَلاً} أي بئس المثل مثلاً حال من المثل المضمر.
كما قال جرير:

فنعم الزاد زاد أبيك زاداً

هذا إذا جعلت (ساء) من فعل المثل ورفعت القوم بدلاً من الضمير فيه. وإن حولت فعله إلى القوم ورفعتهم به كان [انتهاء] به على التمييز، يريد سأمثل القوم فلما حولته إليهم خرج المثل مفسّراًكما يقال: قربه عيناً وضاق ذرعاً، متى ما سقط التنوين عن المميز [المخفض] بالإضافة دليله قراءة [الجحدري] والأعمش سأمثّل القوم بالاضافة، وقال أبو حاتم: يريد بها (مثلاً) مثل القوم فحذف مثل.
وأقام القوم [به أُمّة] فرفعهم كقوله:
{ وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ } [يوسف: 82].
{وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ} إلى قوله تعالى {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ} وإنما قال ذلك لنفاد علمه فيهم بأنهم يصيرون إليها بكفرهم بربهم ويُسمّي بعض أهل المعاني هذه اللام لام [الصيرورة] فيه كقوله:
{ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } [القصص: 8]. وأنشدوا:

أموالنا لذوي الميراث نجمعها[ودورنا] لخراب الدهر نبنيها

وقال الآخر:

فللموت تغدو الوالدات سخالهاكمالخراب الدهر تبنى المساكن

وروى عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية قال: " { إن الله تعالى كما ذرأ لجهنم ما ذرأ كان ولد الزنا ممن ذرأ لجهنم } "، ثمّ وصفهم فقال {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} ولا يعلمون الخير والهدى {وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا} طريق الحق والرشاد {وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ} مواعظ الله والقرآن فيفكرون ويعتبرون بها فيعرفون بذلك توحيد الله ثمّ يعملون بتحقيق [النبوّة] فآتينا بهم ثمّ ضرب لهم مثلاً في الجهل والاقتصاد على الشرب والأكل وبعدهم من موجبات العمل. وقال عز من قائل {أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} لأن الأنعام تعرف ربها وتذكره ويطيعوه والكافرون لا يعرفون ربهم ولا يطيعونه وفي الخبر: "كل شيء أطوع لله من ابن آدم".
{أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ}.