التفاسير

< >
عرض

قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً
١
يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً
٢
وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً
٣
وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطاً
٤
وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً
٥
وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً
٦
وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً
٧
وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً
٨
وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً
٩
وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً
١٠
وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً
١١
وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً
١٢
وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً
١٣
وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً
١٤
وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً
١٥
-الجن

الكشف والبيان

{قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ} وكانوا تسعة من جن نصيبين استمعوا قراءة النبيّ صلى الله عليه وسلم وقد مرّ خبرهم.
قال أبو حمزة الثمالي: بلغنا أنهم من بني الشيطان وهم أكثر الجن عدداً وهم عامة جنود إبليس. {فَقَالُوۤاْ} لما رجعوا إلى قومهم {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً * وَأَنَّهُ} بالفتح قرأه أهل الشام والكوفة إلاّ حفصاً.
وفتح أبو جعفر ما كان مردوداً على الوحي، وكسر ما كان حكاية عن الجن، وجرها كلّها الباقون.
{تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا} حدّثنا عبيد الله بن محمد بن محمد بن مهدي العدل، قال: حدّثنا الأصم، قال: حدّثنا أحمد بن حازم، قال: حدّثنا عبد الله بن سفيان عن السدي في قوله: {جَدُّ رَبِّنَا} قال: أمر ربنا.
وبإسناده عن سفيان عن سلمان التيمي عن الحسن، قال: غنى ربنا ومنه قيل: للحظ جد ورجل مجدود. وقال ابن عباس: قدرة ربنا. مجاهد وعكرمة: جلاله. قتادة: عظمته. ابن أبي نجيح عن مجاهد: ذكره. ضحاك: فعله. القرظي: آلاؤه ونعمه على خلقه. الأخفش: علا ملك ربنا. ابن كيسان: علا ظفره على كل كافر بالحجة. والجدّ في اللغة: العظمة، ومنه قول أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جدّ في أعيننا أي عظم.
وقال ابن عباس: لو علمت أن في الإنس جدّاً ما قالت تعالى جدّ ربّنا، وقال أبو جعفر الباقر وابنه جعفر والربيع بن أنس: ليس لله جد وإنّما وليه الجدّ بالجهالة فلم توخذوا به.
{مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً} وقرأ عكرمة: {تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا} بكسر الجيم على ضد الهزل، وقرأ ابن السميع: (جدي ربّنا) وهو الجدوى والمنفعة.
{وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا} جاهلنا، وقال مجاهد وقتادة: هو إبليس لعنه الله {عَلَى ٱللَّهِ شَطَطاً} عدواناً وقولا عظيماً {وَأَنَّا ظَنَنَّآ} حسبنا {أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} أي كنّا نظنّهم صادقين في قولهم: إنَّ لله صاحبة وولداً حتّى سمعنا القرآن {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ} وذلك قول الرجل من العرب إذا أمسى بالأرض القفر: أعوذ بسيد هذا الوادي من شرّ سفهاء قومه، فيبيت في أمن وجوار حتّى يصبح.
قال مقاتل: أوّل مَنْ تعوّذ بالجن قوم من أهل اليمن، ثمّ بنو حنيفة ثمّ فشا ذلك في العرب.
أخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدّثنا أبو القيّم عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزي، قال: حدّثنا موسى بن سعيد بن النعمان بطرطوس، قال: حدّثنا فروة بن معراء الكندي، قال: حدّثنا القيّم بن مالك عن عبد الرحمن بن إسحاق عن أبيه عن كردم بن أبي السائب الأنصاري، قال: خرجت مع أبي إلى المدينة في حاجة وذلك أوّل ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكّة فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف النهار جاء ذئب فأخذ حملا من الغنم فوثب الراعي، فقال: يا عامر الوادي جارك، فنادى مناد لا نراه يقول: يا سرحان أرسله، فأتانا الحمل يشتدّ حتّى دخل الغنم، ولم يصبه كدمة، قال، وأنزل الله سبحانه على رسوله بمكة: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ}.
{فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} يعني: [إن الإنس زادوا الجن طُغياناً باستعاذتهم] فزادتهم رهقاً.
قال ابن عباس: أثماً. معمر عن قتادة: خطيئة. سعيد عنه: جرأة. مجاهد: طغياناً. ربيع: فرقاً. ابن زيد: خوفاً. إبراهيم: عظمة، وذلك أنّهم قالوا: [سدنا] الجن والإنس. مقاتل: غيّاً. الحسن: شرّاً. ثعلب: خساراً. والرهق في كلام العرب: الإثمّ وغشيان المحارم، ورجل مرهق: إذا كان كذلك. وقال الأعشى:

لا شيء ينفعني من دون رؤيتهاهل يشتفي وامق ما لم يصب رهقاً

{وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ} يا معشر الكفّار من الإنس { أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً} بعد موته {وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً} من الملائكة {وَشُهُباً} من النجوم {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا} من السماء {مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً * وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ} برمي الشهب {أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً * وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً} أهواء مختلفة وفرقاً شتى، منّا المؤمن ومنّا الكافر.
قال سعيد بن جبير: ألواناً شتى. الحسن: قدداً مختلفين، الأخفش: ضروباً، أبو عبيدة: أصنافاً، المؤرّخ: أجناساً، النضر: مللا، ابن كيسان: شيعاً وفرقاً لكلّ فرقة هوى كأهواء الناس، وقال الفراء: تقول العرب: هؤلاء طريقة قومهم أي ساداتهم ورؤساؤهم، المسيّب: كنّا مسلمين ويهوداً ونصارى.
أخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا محمد بن عمرو بن الخطاب، قال: حدّثنا الحسن بن محمد بن نحتويه، قال: حدّثنا أبو الحسن محمد بن إبراهيم الصوري بأنطاكية، قال: حدّثنا محمد بن المتوكل بن أبي السراي، قال: حدّثنا المطلب بن زياد، قال: سمعت السدي يقول في قول الله سبحانه: {كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً}، قال: الجن مثلكم فيهم قدرية ومرجئة ورافضة وشيعة.
واحد القدد: قدة، وهي الفرقة وأصلها من القدّ وهو القطع. قال لبيد يرثي أخاه أربد:

لم تبلغ العين كل نهمتهاليلة تمشي الجياد كالقدد

وقال آخر:

ولقد قلت وزيد جاسريوم ولّت خيل عمرو قددا

{وَأَنَّا ظَنَنَّآ} علمنا {أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ} إن أراد بنا أمراً {وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً} إن طلبنا {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ} قرأه العامّة بالألف، وقرأ الأعمش فلا يخفف بالجزم {بَخْساً} نقصاً {وَلاَ رَهَقاً} ظلماً، يقول: لا يخاف أن ينقص من حسناته، ولا أن يزداد في سيّئاته، ولا أن يؤخذ بذنب غيره، ولا أن يعاقب بغير جرم، وقيل: رهقاً: مكروهاً يغشاه، وقيل: ذهاب كله نظيره قوله سبحانه وتعالى: { فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً } [طه: 112].
{وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ} الجائرون العادلون عن الحق. يقال: أقسط الرجل فهو مقسط إذا عدل، قال الله سبحانه:
{ وَأَقْسِطُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ } [الحجرات: 9]، وقسط يقسط قسوطاً إذا جاد. قال الشاعر:

قوم هم قتلوا ابن هند عنوةعمراً وهم قسطوا على النعمان

وأنشد ابن زيد:

قسطنا على الأملاك في عهد تبّعومن قبل ما أدرى النفوس عقابها

ونظيره في الكلام المترب: الفقير، والمترب: الغني.
{فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً} أي قصدوا وأعدّوا وتوخّوا ومنه بتحرّى القبلة لمن عميت عليه. وقال امرؤ القيس:

ديمة هطلاء فيها وطفطبق الأرض تحرّى وتدر

{وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً}.