التفاسير

< >
عرض

وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَافِرِينَ
١٥٥
-الأعراف

الدر المصون

قوله تعالى: {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ}: "اختار" يتعدَّى لاثنين إلى أوَّلهما بنفسه وإلى ثانيهما بحرف الجر، ويجوز حَذْفُه، تقول: "اخترت زيداً من الرجال"، ثم تَتَّسِعُ فتحذف "مِنْ" فتقول: "زيداً الرجال" قال:

2306ـ اخْتَرْتُكَ الناسَ إذ رثَّتْ خلائِقُهُمْ واعتلَّ مَنْ كان يُرجى عنده السُّؤلُ

وقال الراعي:

2307ـ فقلْتُ له اخترها قَلوصاً سمينة ونابٌ علينا مثل نابِكَ في الحيا

وقال الفرزدق:

2308ـ منا الذي اختير الرجالَ سماحةً وجوداً إذا هَبَّ الرياح الزعازعُ

وهذا النوعُ مقصورٌ على السماع، حَصَره النحاة في ألفاظ، وهي: اختار وأَمَر كقوله:

2309ـ أمرتك الخيرَ فافعلْ ما أُمِرْتَ به فقد تَرَكْتُك ذا مالٍ وذا نَشَبِ

واستغفر كقوله:

2310ـ أستغفرُ اللهَ ذنباً لستُ محصيَه ربَّ العبادِ إليه الوجهُ والعملُ

وسمَّى [نحو:] سَمَّيْتُ ابني بزيد، وإن شئت: زيداً. و "دعا" بمعناه قال:

2311ـ دَعَتْني أمُّ عمرو أخاها ولم أكن أخاها ولم أَرْضَعْ لها بلَبانِ

و "كَنَى" تقول: كَنَيْته بفلان، وإن شئت فلاناً. و "صَدَق" قال تعالى: { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ } [آل عمران: 152]. و "زوَّج" قال تعالى: { زَوَّجْنَاكَهَا } [الأحزاب: 37]. ولم يزد الشيخ عليها. ومنها أيضاً "حدَّث وأنبأ ونبّأ وأخبر وخبَّر" إذا لم تُضَمَّن معنى أَعْلَمَ. قال تعالى: { مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا } [التحريم: 3] وقال: { فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ } [التحريم: 3]. وتقول: حَدَّثْتك بكذا، وإن شئت: كذا، قال:

2312ـ لَئِنْ كان ما حُدِّثْتُه اليومَ صادقاً أَصُمْ في نهارِ القيظِ للشمس باديا

و "قومه" مفعولٌ ثانٍ على أوَّلهما، والتقدير: واختار موسى سبعين رجلاً من قومه. ونقل أبو البقاء عن بعضهم أن "قومَه" مفعول أول و "سبعين" بدل، أي: بدل بعض من كل، ثم قال: "وأرى أن البدلَ جائزٌ على ضعف وأن التقدير: سبعين رجلاً منهم". قلت: إنما كان ممتنعاً أو ضعيفاً لأنَّ فيه حَذْفَ شيئين: أحدُهما المختار منه، فإنه لا بد للاختيار من مختارٍ ومختار منه، وعلى البدل إنما ذُكِر المختارُ دونَ المختار منه. والثاني: أنه لا بد من رابط بين البدل والمبدل منه وهو "منهم" كما قدَّره أبو البقاء، وأيضاً فإن البدلَ في نية الطَّرْح.
وأصل اختار: اختَيَرَ افتعل من لفظ الخير كاصطفى من الصفوة. و "لميقاتنا" متعلقٌ به أي: لأجل ميقاتنا. ويجوز أن يكونَ معناها الاختصاصَ، أي: اختارهم مخصصاً بهم الميقات كقولك: اختير لك هذا.
قوله: {لَوْ شِئْتَ} مفعولُ المشيئة محذوف أي: لو شِئْتَ إهلاكنا، و "أهلكتهم" جواب لو، والأكثر الإِتيانُ باللام في هذا النحو، ولذلك لم يَأْتِ مجرداً منها إلا هنا، وفي قوله
{ أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَاهُمْ } [الأعراف: 100] وفي قوله: { لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً } [الواقعة: 70]. ومعنى "من قبل" أي: قبل الاختيار وأَخْذ الرجفة.
قوله: {وَإِيَّايَ} قد يتعلَّق به مَنْ يرى جواز انفصال الضمير مع القدرة على اتصاله، إذ كان يمكنُ أن يُقال: أهلكتنا، وهو تعلُّقٌ واهٍ جداً لأن مقصودَه صلى الله عليه وسلم التنصيص على هلاك كلٍ على حِدَتِه تعظيماً للأمر، وأيضاً فإن موسى لم يتعاطَ ما يقتضي إهلاكَه بخلاف قومه، وإنما قال ذلك تسليماً منه لربِّه، فعطَف ضميرَه تنبيهاً على ذلك، وقد تقدم لك ـ فهذه من هذا ـ في قوله
{ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ } [النساء: 131] وقوله { يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ } [الممتحنة: 1].
قوله: {أَتُهْلِكُنَا} يجوز فيه أن يكون على بابه، أي: أتَعُمُّنا بالإِهلاك أم تخصُّ به السفهاءَ منا؟/ ويجوز أن يكونَ بمعنى النفي، أي: ما تُهْلِك مَنْ لم يُذنب بذنب غيره، قاله أبو بكر بن الأنباري، قال: "وهو كقولك: أتُهين مَنْ يكرمك؟ وعن المبرد: هو سؤالُ استعطاف. و "منا" في محل نصب على الحال من "السفهاء" ويجوز أن تكون للبيان.
قوله: {تُضِلُّ بِهَا} يجوز فيها وجهان، أحدهما: أن تكون مستأنفةً فلا محلَّ لها. والثاني: أن تكون حالاً من "فتنتك" أي: حالَ كونها مُضِلاً بها. ويجوز أن تكون حالاً من الكاف لأنها مرفوعةٌ تقديراً بالفاعلية، ومنعه أبو البقاء قال: "لعدم العامل فيها" وقد تقدَّم البحث معه فيه غير مرة.