التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ
٢٥
-الحج

التفسير الكبير

قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}؛ معناهُ: إنَّ الذين كفَرُوا بمُحَمَّدٍ والقرْآنِ {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} عطفُ المضارعِ على المضافِ؛ لأن المرادَ بالمضارعِ الماضي أيضاً. ويجوزُ أن يكون المعنى الذين كَفَرُوا فيما مَضَى وهُمُ الآن يصدُّون عن سبيلِ الله مع كفْرِهم، والمعنى: يَمْنَعُونَ الناسَ عن طاعةِ الله وعن الطَّوافِ في {وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}؛ وهم أبو سُفيان وأصحابهُ الذين صَدُّوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم عامَ الحديبيةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {ٱلَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ}؛ معناهُ: الذي جعلناهُ للناسِ كلِّهم، لَم يخصَّ به بعضَهم دون بعضٍ سِوَى المقيمِ فيه، والذي يأتِي مِن غير أهلهِ، وليس الذين صَدُّوا عنهُ بأحقَّ به مِن غيرِهم.
قِيْلَ: المراد بالمسجدِ الحرام في هذه الآية الْحَرَمُ كلُّهُ، كما في قولهِ تعالى:
{ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } [التوبة: 7] وكان العهدُ بالحديبيةِ. وعن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنهُ قال: "إنَّ مَكَّةَ لاَ يَحِلُّ بَيْعُ ربَاعِهَا وَلاَ إجَارَةُ بُيُوتِهَا" . وَقِيْلَ: إن المرادَ بالمسجدِ الحرام نَفْسُ المسجدِ سِوَى الْمُعْتَكَفِ فيه: الْمُجَاوِرُ والبادِيُ الذي يكون مُلازماً له في حُرمتَهِ وحقُّ الله عليهما فيه سواءٌ.
قرأ حفصٌ: (سَوَاءً) بالنصب بإيقاعِ الْجَعْلِ عليه، لأن الجعلَ يتعدَّى إلى مفعُولين. وقرأ الباقون بالرفعِ على الابتداءِ، وما بعدهُ خبره. وقِيْلَ: (سَوَاءٌ) خبرُ مبتدأ متقدِّم تقديرهُ: العَاكِفُ فِيْهِ وَالْبَادِي سَوَاءٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}؛ معناهُ: ومَن يُرِدْ فيه إلحاداً بظُلْمٍ، وفي هذا دليلٌ أن المرادَ بالمسجد الحرامِ كلَّ الْحَرَمِ، فإن الذنبَ في الحرمِ أعظمَ منه في غيره، فعلى هذا يكونُ قوله {سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ} أي سواءً في النَّزول، فليس أحدُهما أحقُّ بالمنْزِل يكون فيه. وحرَّمُوا بهذه الآية كِرَاءَ دور مكَّة وإجارتَها في أيام الموسم.
قال عبدُالله بن أسباط: (كَانَ الْحُجَّاجُ إذا قَدِمُوا مَكَّةَ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنْ أهْلِ مَكَّةَ أحَقَّ بمَنْزِلِهِ مِنْهُم)، رُوِي: (أنَّهَا كَانَتْ تُدْعَى السَّوَائِبُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأبي بَكْرٍ وَعُمَرَ، مِن احْتَاجَ سَكَنَ، وَمَنِ اسْتَغْنَى أُسْكِنَ).
والإلحادُ هو الشِّرْكَ بالله تعالى، وَقِيْلَ: كلُّ ظالِمٍ فيه ملحدٌ. وعن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنه قالَ:
"احْتِكَارُ الطَّعَامِ بمَكَّةَ إلْحَادٌ" . وأمَّا دخولُ الباء في قوله: (بإلْحَادٍ) فعلى معنى: ومَن إرادتهُ فيه بأنْ يُلْحِدَ بظلمٍ. وَقِيْلَ: الإلحادُ دخول مكة بغيرِ إحرامٍ، وأخذُ حَمَامِ مكَّة وأشياء كثيرة لا يجوزُ للمُحْرِمِ أن يفعَلَها. قَوْلُهُ تَعَالَى: {نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} خبرٌ لكل ما تقدَّم من الجملتين من قولهِ تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ}، ومِن قولهِ تعالى {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ}.