التفاسير

< >
عرض

يٰمُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
٩
وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يٰمُوسَىٰ لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ
١٠
إِلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوۤءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ
١١
-النمل

التفسير الكبير

قَوْلُهُ تَعَالَى: {يٰمُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}؛ أي أنا الدَّاعِي الذي يدعُوكَ، أنا اللهُ العزيزُ في مُلْكِي، الحكيمُ في أمرِي وقضائي.
فإن قيلَ: بمَاذا عَرَفَ مُوسَى؟ قُلْنَا: إنَّما عَرَفَ نبوَّةِ نفسهِ أن ذلكَ النداءَ من اللهِ تعالى حتى جعلَ يدعُو الناسَ إلى نُبُوَّةِ نفسهِ بالمعجزة، وذلك أنهُ رأى شجرةً أخضرَ ما يكونُ من الشَّجرِ في أنضرَ ما يكون، لَها شعاعٌ يرتفعُ إلى السَّماء في الهواءِ، والنارُ تلتَهِبُ في أوراقِها والأغصانِ، فلا النارُ تُحْرِقُ الأوراقَ ولا رطوبةُ الشجرِ والأغصانِ تُطْفِىءُ النارَ، فلما رأى ذلكَ بخلافِ العادة، عَلِمَ أنه لا يكونُ ذلك إلاّ مِن صُنْعِ اللهِ تعالى.
قَوْلُهُ: {وَأَلْقِ عَصَاكَ}؛ أي وَقِيْلَ لهُ: ألْقِ عَصَاكَ من يدِكَ، فألْقَاهَا فَاهْتَزَّتْ {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ}؛ أي تضطربُ كأنَّها جَانٌّ، والْجَانُّ: الحيَّةُ البيضاءُ الخفيفة السريعةُ، السريع شدَّة الاضطراب يقال لها الْمِسَلَّةُ. وإنَّما شبَّهَها بالْجَانِّ في خِفَّةِ حركَتِها وسرعةِ انتشارها عن الأعيُنِ، وشبَّهَها في موضعِ آخر بالثُّعبان لِعِظَمِهَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَّىٰ مُدْبِراً}؛ أي أعْرَضَ موسى هَارباً من الخوفِ من الحيَّة، {وَلَمْ يُعَقِّبْ} أي لَم يَرْجِعْ ولَم يَلْتَفِتْ إلى شيءٍ وراءَهُ، يقال: عَقَّبَ فلانٌ إذا رَجَعَ.
فقالَ اللهُ: {يٰمُوسَىٰ لاَ تَخَفْ}؛ مِن ضَرَرها، {إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ}؛ أي لا يخافُ عندي وفي حُكْمِي مَن أرسلتهُ، {إِلاَّ مَن ظَلَمَ}؛ مِن الْمُرْسَلِيْنَ بارتكاب الصغيرةِ {ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوۤءٍ}، ثُمَّ تابَ مِن بعد ذلكَ، {فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ}؛ به، فكان السببُ في هذا الاستثناءِ أنَّ موسى كان مُستَشْعِراً حقَّهُ لِمَا كان منه من قِبَلِ القبطيِّ، فأَمَّنَهُ اللهُ بهذا الكلامِ.
والصغائرُ والكبائر من الذُّنوب تُسمَّى ظُلْمَاً؛ ولذلكَ قال مُوسَى
{ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي } [القصص: 16]. ويقالُ: إن قولَهُ {إِلاَّ مَن ظَلَمَ} استثناءٌ منقطع، ومعناهُ: لكِنْ مَن ظَلَمَ، فإنه يَخافُني إلاّ أن يتوبَ ويعملَ صالحاً، فإنِّي أغفرُ له وأرْحَمهُ. والمعنى: إلاّ من ظَلَمَ نفسه بالمعصيةِ {ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً} أي توبةً ونَدَماً {بَعْدَ سُوۤءٍ} عملهِ {فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} كأنه قالَ: لا يخافُ لديَّ المرسلونَ الأنبياءُ والتَّائبُونَ، وقال بعضُهم: (إلاّ) ها هُنا بمعنى (ولا) كأنهُ قال: {لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ إِلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوۤءٍ}.