التفاسير

< >
عرض

وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَٱسْتَغَاثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى ٱلَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ قَالَ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ
١٥
قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَٱغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ
١٦
قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ
١٧
-القصص

التفسير الكبير

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ}؛ أي دخلَ مُوسَى مدينةَ فرعون وهي مدينةٌ يقالُ لَها منف، وكانت مِن مِصْرَ على فَرْسَخَيْنِ. وقولهُ تعالى: {عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا}، قال ابنُ عبَّاس: (فِي وَقْتِ الظَّهِيْرَةِ عِنْدَ الْمَقِيْلِ وَقَدْ خَلَتِ الطُّرُقُ).
وَقِيْلَ: دخلَها بين المغرب والعِشَاء، وَقِيْلَ: دخلَها يومَ عيدِهم وكانوا مشغولِين عن موضعِ مدينَتِهم باللَّهْوِ واللَّعب، {فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ}؛ أي مِن بَنِي إسرائيلَ، {وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ}؛ أي من القِبْطِ، وكان القبطيُّ يُسَخِّرُ الإسرائيليَّ ليحمِلَ له حَطَباً إلى مَطبَخِ فرعون، والإسرائيليُّ يَأْبَى ذلكَ، {فَٱسْتَغَاثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِ}؛ أي اسْتَنْصَرَهُ الإسرائيليُّ، {عَلَى ٱلَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ}، على القِبْطِيِّ، {فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ}؛ أي ضَرَبَهُ بجمعِ كفِّهِ في صدرهِ، {فَقَضَىٰ عَلَيْهِ}؛ أي قَتَلَهُ فوقعَ القبطيُّ مَيِّتاً. وكلُّ شيءٍ فَرَغْتَ منهُ وأتْمَمْتَهُ فقد قَضَيْتَ عليهِ وقَضَيْتَهُ، والوَكْزُ: الضَّرْبُ بجمعِ الكَفِّ.
وكان مُوسَى عليه السلام قد أُوْتِيَ بَسْطَةً في الْخَلْقِ وشدَّةَ القوةِ والبطش، وكان مِن نِيَّةِ موسى أنه لا يريدُ قَتْلَهُ ولَم يتعمَّدْ هَلاكَهُ، بل قَال له أوَّلاً: خَلِّ سَبيْلَهُ، فقال: إنَّما أريدهُ ليحمِلَ الحطبَ إلى مطبخِ فرعونَ، {فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ} أي قَتَلَهُ وفَرَغَ من أمرهِ، والوَكْزُ واللَّكْزُ وَالْهَز بمعنى واحدٍ وهو الدَّفْعُ، ويقالُ: وَكَزَهُ بعَصَاهُ.
فَلَمَّا قَتَلَهُ موسَى عليه السلام نَدِمَ على قتلهِ وقالَ: لَمْ أدْر بهذا، ثُم دفعَهُ في الرَّمْلِ، {قَالَ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ}؛ لأنِّي كنتُ لا أريدُ قَتْلَهُ، ولكن هَيَّجَ الشيطانُ حَرْبي حتى ضربتهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ}؛ أي عَدُوٌّ لبَنِي آدمَ مُضِلٌّ له مُبيْنٌ عداوتَهُ لَهم.
ثُم استغفرَ مُوسَى رَبَّهُ فـ {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي}؛ بقَتْلِ القبطيِّ قَبْلَ وُرودِ الأمرِ والإذنِ لِي فيهِ، {فَٱغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ}؛ أي بما أنعمتَ عليَّ بالمغفرةِ والحِلْمِ والعلمِ فلن أكونَ عَوْناً للكافرينَ، وهذا يدلُّ على أنَّ الإسرائيليَّ الذي أعانَهُ موسى كان كَافِراً.