التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ
٢٩
قَالُواْ يٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ
٣٠
-الأحقاف

التفسير الكبير

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ}؛ معناهُ: اذكُر إذ وجَّهنا نفَراً من الجنِّ؛ وذلك "أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا آيَسَ مِنْ إسْلاَمِ أهْلِ مَكَّةَ، خَرَجَ إلَى الطَّائِفِ لِيَدْعُوَهُمْ إلَى الإسْلاَمِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنَ الطَّائِفِ رَاجِعاً إلَى مَكَّةَ وَوَصَلَ بَطْنَ نَخْلَةَ، قَامَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ، فَمَرَّ بهِ نَفَرٌ مِنْ أشْرَافِ جِنِّ نَصِيبينَ مِنَ الْيَمَنِ فَاسْتَمَعُواْ الْقُرْآنَ" .
قال ابنُ عبَّاس: (كَانُوا تِسْعَةَ نَفَرٍ)، وقال الكلبيُّ ومقاتل: (كَانُوا سَبْعَةً صُرِِفُوا إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِيَسْتَمِعُواْ مِنْهُ وَيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ). وهو قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ}.
فلمَّا انتهَوا إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ بعضُهم لبعضٍ: اسكتُوا حتى تَستَمِعوا قراءَتهُ، وذلك معنى قولهِ تعالى: {فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ}؛ أي فلما فرغَ من التلاوةِ قال بعضُهم لبعض: اسكُتوا حتى تَستمعوا قراءته، وإنما قالوا ذلك لأنهم سَمعوا شيئاً لم يسمعوا مثلَهُ، فلما فرغَ من القرآنِ انصرَفُوا إلى قومِهم مخوِّفين لهم بالقرآن، وذلك معنى قوله تعالى: {فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ}، أي فلما فرغَ من التلاوةِ انصرفوا إلى قومهم مُنذرين؛ أي محذِّرين إياهم عذاباً إن لم يُؤمنوا، وهذا قاله سعيدِ بن جُبير وجماعةٍ من أئمَّة الخبرِ.
وقالَ آخَرُون: بل
"أُمِرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يُنذِرَ الجنَّ ويدعُوَهم إلى اللهِ، فقرأ عليهم القرآنَ، فصرفَ اللهُ نفَراً من الجنِّ وجَمَعهم له، فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابهِ: إنِّي أُمِرْتُ أنْ أقْرَأ عَلَى الْجِنِّ اللَّيْلَةَ، فَأَيُّكُمْ تَبعَنِي فَأَطْرَقُوا، فَقَالَ لَهُمْ مَرَّةً ثَانِيَةً، فَأَطْرَقُواْ، فَقَالَ لَهُمْ مَرَّةً ثَالِثَةً، فَاتَّبَعَهُ عَبْدُاللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ عَبْدُاللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: (لَمْ يَحْضُرْ مََعَهُ أحَدٌ غَيْرِي، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى إذا كُنَّا بأَعْلَى مَكَّةَ دَخَلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم شِعْباً يُقَالُ لَهُ شِعْبُ الْحِجَوْنِ، وَحَطَّ لِي ثُمَّ أمَرَنِي أنْ أجْلِسَ فِيْهِ، وَقَالَ: لاَ تَخْرُجْ مِنْهُ حَتَّى أدْعُوَ إلَيْكَ.
ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى قَامَ فَافْتَتَحَ الْقُرْآنَ، فَجَعَلْتُ أرَى أمْثَالَ النُّور تَهْوِي، وَسَمِعْتُ لَفْظاً شَدِيداً حَتَّى خِفْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَغَشِيَتْهُ سَوْدَةٌ كَبيرَةٌ حَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ حَتَّى مَا سَمِعْتُ صَوْتَهُ، ثُمَّ طَفِقُواْ يَتَقَطَّعُونَ أمْثَالَ قِطَعِ السَّحَاب ذاهِبينَ.
فَفَزِعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَعَ الْفَجْرِ، وَقَالَ: أنِمْتَ؟ قُلْتُ: لاَ وَاللهِ؛ وَلَقَدْ هَمَمْتُ مِرَاراً أنْ أسْتَغِيثَ بالنَّاسِ حَتَى سَمِعْتُكَ تُفْزِعَهُمْ بعَصَاكَ تَقُولُ: اجْلِسُوا فَقَالَ: لَوْ خَرَجْتَ لَمْ آمَنْ عَلَيْكَ أنْ يخْتَطِفَكَ بَعْضُهُمْ ثُمَّ قَالَ: هَلْ رَأيْتَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ؛ رَأيْتُ رجَالاً سُوداً.
قَالَ: أُوْلَئِكَ جِنُّ نَصِيبينَ، سَأَلُونِي الْمَتَاعَ فَمَنَعْتُهُمْ بكُلِّ عَظْمٍ حَلِيلٍ وَرَوْثَةٍ وَبَعْرَةٍ فَقَالُواْ: يَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُقَذِّرُهَا لِلنَّاسِ عَلَيْنَا، فَنَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنْ يُسْتَنْجَى بالْعَظْمِ وَالرَّوْثِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ صلى عليه وسلم وَمَا يَعْنِي ذلِكَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: إنَّهُمْ لاَ يَجِدُونَ عَظْماً إلاَّ يَجِدُونَ عَلَيْهِ لَحْمَةً يَوْمَ أُكِلَ، وَلاَ رَوْثَةً إلاَّ وَجَدُواْ فِيْهَا حَبَّهَا يَوْمَ أُكِلَتْ.
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ سَمِعْتُ لَفْظاً كَثِيراً شَدِيداً، قَالَ: إنَّ الْجِنَّ تَدَارَتْ فِي قَتِيلٍ قُتِلَ بَيْنَهُمْ، فَتَحَاكَمُوا إلَيَّ فَقَضَيْتُ بَيْنَهُمْ. ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ: هَلْ مَعَكَ مَاءٌ؟ فَقُلْتُ: يَا رسُولَ اللهِ مَعِي نَبيذُ تَمْرٍ فِي إدْاَوةٍ، فَاسْتَدْعَاهُ فَصَبَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ فَتَوَضََّأَ بهِ وَقَالَ: ثَمَرَةٌ طيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ"
.
وعن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: "الْجِنُّ عَلَى ثَلاَثَةِ أصْنَافٍ: صِنْفٌ لَهُمْ أجْنِحَةٌ يَطِيرُونَ بهَا فِي الْهَوَاءِ، وَصِنْفٌ حَيَّاتٌ وَكِلاَبٌ يَحِلُّونَ وَيَظْعَنُونَ" .
قَوْلُهُ تَعََالَى: {فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ} أي قالَ بعضهُم لبعضٍ: أنْصِتُوا، فأَنْصَتُوا واستَمعوا القرآنَ حتى كان يقعُ بعضهم على بعضٍ من شدَّة رغبتِهم في سماعِ القرآن، قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا قُضِيَ} أي فلمَّا فرغَ من تلاوةِ القرآن، وقرأ لاحقُ ابن حميد (قَضَى) بفتح القافِ والضاد يعني النبيَّ صلى الله عليه وسلم؛ ثُم جعلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أُولئِكَ النفرَ من الجنِّ رسُلاً إلى قومِهم.
وأسماءُ أُولئك النَّفرِ: شاضر وماصر ومنشي وماشي والأحقب وعمرو بن جابر وزوبعة.
وعن ابنِ مسعود رضي الله عنه: (أنْ كَانَ فِي نَفَرٍ مِنْ أصْحَاب رَسُولِ اللهِ يَمْشُونَ، وَرُفِعَ لَهُمْ إعْصَارٌ، ثُمَّ جَاءَ إعْصَارٌ أعْظَمَ مِنْهُ، ثُمَّ انْقَشَعَ فَإذا حَيَّةٌ قَتِيلٌ، فَعَمَدَ مِنَّا رَجُلٌ إلَى ردَائِهِ فَشَقَّهُ وَكَفَّنَ الْحَيَّةَ ببَعْضِهِ وَدَفَنَهَا! فَلَمَّا جَنَّ اللَّيْلُ إذا امْرَأتَانِ تَسْأَلاَنِ: أيُّكُمْ دَفَنَ عَمْرَو بنَ جَابرٍ؟! فَقُلْنَا: مَا نَدْري مَنْ عَمْرُو بْنُ جَابرٍ! فَقَالَتَا: إنْ كُنْتُمُ ابْتَغَيْتُمُ الأَجْرَ فَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ، إنَّ فَسَقَةَ الْجِنِّ اقْتَتَلُواْ مَعَ مُؤْمِنِيهِمْ، فَقُتِلَ عَمْرُو بْنُ جَابرٍ وَهُوَ الْحَيَّةُ الَّتِي رَأيْتُمْ وَهُوَ النَّفَرُ مِنَ الْجِنِّ الَّذِينَ اسْتَمَعُواْ الْقُرْآنَ).
وذكر: أنَّ حيةً دخلت على رجل من التابعين وهي تلهث عطشى فسقاها، ثم إنها ماتت فدفنها، فأتي من الليل فسلَّم عليه وأخبر أن تلك الحية كانت رجُلاً من جنِّ نصيبين اسمه زوبعةُ.
وبلغنا في فضائل عمر بن عبد العزيز أنه كان يمشي بأرض فلاة، فإذا حية ميتة فكفنها بفضلة من ردائه ودفنها، فاذا قائل يقول يا سَرْق اشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ستموت بأرض فلاة فيكفنك ويدفنك رجل صالح، فقال من أنت رحمك الله؟ فقال رجل من الجن الذين استمعوا القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق منهم إلا أنا وسَرْق، وهذا سرق قد مات.
وقد قَتَلَتْ عائشةُ رضي الله عنها حيةً رأتها في حُجرتها تستمعُ وعائشة تقرأُ فأُتِيَتْ في المنام فقيل لها: إنكِ قد قتَلْتِ رجُلاً مؤمناً من الجنِّ الذين قَدِموا على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقالت: لو كان مؤمناً ما دخلَ على حريمِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل لها: ما دخلَ عليكِ إلاّ وأنتِ متقنِّعة، وما جاء إلاّ ليستمعَ الذِّكرَ، فأصبحت عائشةُ فزعةً واشترت رقاباً فأعتقَتهم.
ويقالُ: الذين جاءُوا ليستَمِعوا القرآنَ كانوا يهُوداً فأسلَمُوا، ولذلك قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالُواْ يٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ}.