التفاسير

< >
عرض

يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ
٢٦
-الأعراف

التفسير الكبير

قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً}؛ أي أنْزَلَ اللهُ المطرَ مِن السَّمَاءِ فكانتِ الْكِسْوَةُ منهُ، يعني أنَّ لِبَاسَهُمْ من نباتِ الأرض من القُطْنُ والكِتَّانِ. وهو ماءُ السَّماء، وما يكونُ من الكسوةِ من أصوافِ الأغنام، فَقِوَامُ الأنعام أيضَاً من نباتِ ماء السَّماء، كذا قال ابن عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: (وقوله: {يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ} قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَرِيشاً} يَعْنِي مَالاً) هكذا قال ابنُ عبَّاس ومجاهدُ والضحَّاك والسُّدِّيُّ.
ويقالُ: تَرَيَّشَ الرَّجُلُ؛ إذ تَمَوَّل. وقال ابنُ زيدٍ: (الرِّيْشُ: الْجَمَالُ). وقرأ عثمانُ بنُ عفَّانٍ والحسنُ وقتادة: (وَريَاشاً) بالألفِ وهو جَمْعُ ريْشٍ، مثلُ ذئبٍ وذِئَابٍ. وقال الأخفشُ: (الرِّيَاشُ: الْخِصْبُ وَالْمَعَاشُ). وَقِيْلَ: معنى الرِّيْشِ: ما يُتَأَثَّثُ بهِ في البيتِ من متاعهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ}؛ قال قتادةُ والسُّدِّيُّ: (هُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ)، {ذٰلِكَ خَيْرٌ}؛ لأنَّهُ يَقِي مِن العذاب والعقاب، كأنَّهُ قالَ: لِبَاسُ التَّقْوَى خَيْرٌ من الثياب؛ لأنَّ الفاجرَ وإنْ كان حَسَنَ الثياب فهو بَادِي العورةِ. قال الشاعرُ:

إنِّي كَأَنِّي أَرَى مَنْ لاَ حَيَاءَ لَهُ وَلاَ أَمَانَةَ وَسْطَ الْقَوْمِ عُرْيَانَا

وقال ابنُ جُريجٍ: (لِبَاسُ التَّقْوَى هُوَ الإيْمَانُ). وقال مَعْبَدُ الْجُهَنِيُّ: (هَوَ الْحَيَاءُ). وَقِيْلَ: هو السَّمْتُ الْحَسَنُ بالوجهِ. وقال وهب: (الإيْمَانُ عَرْيَانٌ؛ وَلِبَاسُهُ التَّقْوَى؛ وَرْيشُهُ الْحَيَاءُ؛ وَمَالُهُ الْفِقْهُ؛ وَثَمَرَتُهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ). وَقِيْلَ: لباسُ التقوَى ما يُلْبَسُ من الثِّياب للتَّضَرُّعِ والتَّخَشُّعِ مثلَ الصُّوفِ والثِّياب الْخَشِنَةِ، وهو خيرٌ من لباسِ الْكِبْرِ.
قرأ أهلُ المدينةِ والشَّام والكسائيُّ: (وَلِبَاسَ) بالنصب عطفاً على قوله: (لِبَاساً). وقرأ الباقون بالرَّفعِ على الابتداءِ؛ وخبَرهُ (خَيْرٌ). وجعلوا (ذلِكَ) صِلَةً في الكلامِ، ولذلك قرأ ابنُ مسعود وأُبَيُّ بنُ كعبٍ: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى خَيْرٌ).
قَوْلُهُ تَعَالَى: {ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ}؛ معناه: أنَّ إنزالَ اللِّباسِ من دلائلِ الله على إثباتِ وحدانيَّتهِ ونِعَمِهِ، {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ}، أي لكي يَتَّعَظُونَ فيعرفُوا أنَّ ذلك كلَّهُ مِن اللهِ تعالَى.