التفاسير

< >
عرض

إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ
٣
إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ بِٱلْقِسْطِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ
٤
هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
٥
إِنَّ فِي ٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ
٦
-يونس

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: { إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } [الأعراف: 54]: إن القوم كانوا يعبدون الأصنام والأوثان، ويتخذون الأحبار والرهبان أربابا من دون الله؛ يقول: إن ربكم الله الذي يستحق العبادة والألوهية هو الذي خلقكم وخلق السماوات والأرض لا الذي تعبدونه.
وقوله: {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ}: قد تقدم ذكره في صدر الكتاب.
وقوله - عز وجل -: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ}: وهو - أيضاً - على الأول: إن الذي يستحق صرف العبادة إليه وتوجيه الشكر إليه هو الذي يدبر الأمر في مصالح الخلق في جر المنافع إليهم ودفع المضار عنهم، لا الذين لا يملكون المنافع إلى أنفسهم أو دفع المضار عنهم، فضلا [عن] أن يملكوا أجرها إلى من يعبدهم أو دفع المضار عنهم.
وقال بعض أهل التأويل: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} أي يقضيه، والتدبير والقضاء واحد.
وقال بعضهم: {يُدَبِّرُ}: يقدر، وهو ما ذكرنا التدبير والتقدير سواء.
وقوله - عز وجل -: {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ}: الشفيع هو ذو المنزلة والقدر عند الذي يشفع إليه، لا أحد في الشاهد يشفع لآخر إلى آخر إلا بعد أن يكون الشفيع عند الذي يشفع إليه ذا منزلة وقدر، فإذا كان كذلك فمع ذلك أيضاً لا يشفع إلا من بعد ما أذن له بالشفاعة لمن جاء بالتوحيد.
وقوله - عز وجل -: {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ} يقول: ذلكم الذي يستحق العبادة هو ربكم، الذي خلقكم وخلق السماوات والأرض ودبر أموركم، فاعبدوه ولا تعبدوا الذي لا يملك شيئاً من ذلك.
{أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}: أنه هو المستحق للعبادة، وهو المستوجب للشكر، لا الذين تعبدون أنتم. أو أن يقول: أفلا تذكرون أن الذي خلقكم وخلق السماوات والأرض هو ربكم، وهو مدبر أمور الخلائق في مصالحهم ما يرجع إلى مصالحهم في دنياهم ودينهم، لا الذي يعبدون من دون الله، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً}: إليه مرجع الخلائق كلهم في جميع الأوقات، لكنه خص ذلك اليوم بالمرجع إليه لما أن الخلائق كلهم يعلمون يومئذ أنهم راجعون إليه؛ وكذلك قوله:
{ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً } [إبراهيم: 21] هم بارزون له في الدنيا والآخرة، لكنهم يومئذ يعرفون ويقرون بالبروز له.
وكذلك:
{ ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ } [الحج: 56] الملك لله في الدنيا والآخرة وفي الأوقات جميعا، لكنه خص ذلك اليوم لما لا ينازع في الملك في ذلك اليوم، [ويقرون بالملك له في ذلك اليوم] وفي الدنيا من قد نازع في ملكه.
هذا - والله أعلم - وجه التخصيص لذلك اليوم بالملك، وإن كان الملك في الدارين جميعاً فعلى ذلك المرجع، أو سمى البعث رجوعاً إليه، لما المقصود من إنشائه البعث، فسماه بذلك لما ذكرنا؛ لأنه لو لم يكن المقصود من إنشائه إياهم سوى الإنشاء والإفناء، كان خلقه إياهم عبثاً وباطلا؛ كقوله:
{ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ } [المؤمنون: 115].
وقوله - عز وجل -: {وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً}.
يحتمل {وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً}: البعث الذي ذكر أنه يبدأ الخلق ثم يعيده. ويحتمل {وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً} من الثواب والعقاب في الآخرة؛ الثواب للمحسن منهم والعقاب للمسيء.
وقوله: {إِنَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} أي: عرفتم أنه هو الذي يراكم والخلق جميعاً، فكذلك هو يعيدكم بعد إفنائكم؛ إذ بدء الشيء على غير مثال أشد عندكم من إعادته على مثال؛ كقوله:
{ وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } [الروم: 27]، أي: إعادة الشيء أهون عندكم من بدئه.
وقوله - عز وجل -: {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ بِٱلْقِسْطِ}.
قيل: بالعدل، لكن ما يجزيهم، إنما يجزيهم إفضالاً وإحساناً لا استيجاباً واستحقاقاً.
ثم يحتمل قوله: {بِٱلْقِسْطِ} وجوهاً:
أحدها: أنه يجزي المحسنين جزاء الإحسان، والمسيء جزاء الإساءة، ويفصل بين [العدو والولي] في الآخرة في الجزاء، ويجعل للولي علامة وأثراً يعرف بهما من العدو؛ إذ لم يفصل في الدنيا بين الأولياء والأعداء في الرزق وما يساق إليهم من النعيم، ولا يجعل علامة يعرف بها الولي من العدو وجعل في الآخرة ذلك حتى يعرف هذا من هذا، فهذا العدل الذي ذكرنا يشبه أن يكون هو ذلك.
ويحتمل {بِٱلْقِسْطِ} الوزن، أي: يجزيهم بالوزن على تعديل النوع بالنوع لا على القدر، أي: يحزي بالحسنة قدراً لا يزيد على ذلك، ولكن يجزي للخير خيراً وللحسنة حسنة وللسيئة سيئة.
ويحتمل قوله:
{ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ } [الروم: 45] بالعدل، أي: يجزي الذين عملوا بالعدل لم يجوروا فيه ولا جاوزوا الحد الذي حد لهم، ولكن عملوا بالعدل فيه، ويشبه أن يكون على تقديم العدل ليجزي الذين آمنوا بالعدل، أي: لا يعذبهم في النار إذا آمنوا، ثم الذين عملوا الصالحات يوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله، والله أعلم بالصواب ذلك.
وقوله - عز وجل -: {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ بِٱلْقِسْطِ} أي: يجزيهم في الآخرة بما أقسطوا في الدنيا وعدلوا، فيكون القسط على هذا التأويل نعتاً لهم.
وإن كان ما ذكر من القسط راجعاً إلى الله ووصفاً له فهو يخرج على وجوه:
أحدها: يجزي فريقاً من المؤمنين بالعدل، يجزي لإحسانهم جزاء الإحسان، [ولإساءتهم جزاء الإساءة؛ فيكون جزاء بالعدل، ويجزي فريقاً آخر منهم بالفضل والإحسان: يجزي بحسناتهم جزاء الحسنة،] ويكفر عن سيئاتهم؛ وهو كقوله:
{ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ } الآية [الأحقاف: 16]، وقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ... } الآية [النساء: 48، 116].
والثاني: يجزيهم بالفضل؛ إذ العدل هو وضع الشيء موضعه، أي: يضع الفضل في أهله لا يضعه في غير أهله، ووضع الفضل في أهل الإيمان عدل، إذ هم أهل له - والله أعلم - وهو كقوله:
{ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ } [هود: 3].
والثالث: العدل الذي هو مقابل الإحسان وهو الفضل لا العدل الذي هو ضد الجور؛ كقوله:
{ وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ } الآية [النساء: 129]، لا يحتمل أن يقول: لن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء في العدل الذي هو ضد الجور [لأن] في مثل هذا يستطيعون أن يعدلوا بينهم؛ فعلى ذلك قوله: { لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ } [الروم: 45] بالعدل الذي هو مقابل الإحسان وهو الفضل؛ إذ للفضل درجات، وأصله أن جزاء الآخرة كله إفضال وإحسان وإنعام لا استحقاق واستيجاب.
وقوله - عز وجل -: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ}.
قيل: الحميم: [هو] الشراب الذي انتهى حره غايته.
وقوله - عز وجل -: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً} ذكر في الشمس الضياء وفي القمر النور فهو - والله أعلم - لأن الليل مظلم يظهر نور القمر فيه ويغلب على ظلمة الليل ويقهرها، وأما النهار فهو مبصر على ما ذكر - عز وجل -:
{ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً } [يونس: 67] جعل فيه النور، فلو جعل الشمس في النور خاصة، لكان لا يظهر نور الشمس ولا غلب نورها على نور النهار، ويغلبه ويقهره ليظهر المنافع التي [جعل فيها ولو كان نوراً مثله لم يظهر نور هذا من هذا ولم يوصل إلى المنافع التي] جعلت فيها للخلق، وهو ما ذكر أنه مد الظل، وأخبر أنه لو شاء لجعله ساكناً ولو كان ساكناً ممتدّاً على ما جعل بقوله: { أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ } [الفرقان: 45] لكان لا يعرف الظل، ثم أخبر أنه جعل الشمس دليلا عليه ليعرف بها الظل، فتنسخ الشمس ذلك [الظل] الممدود شيئاً بعد شيء، فصارت الشمس بها يعرف الظل وبها يظهر فضل ذلك الضياء الذي في الشمس كان به يعرف نورها من نور النهار وبه يوصل إلى منافع الشمس، ولو كان نوراً لكان لا يعرف ولا يظهر؛ إذ لا يغلب أحدهما صاحبه - والله أعلم - ولا يعرف آية الشمس من آية النهار، ثم جعل آية الشمس غالبة على جميع الآيات حتى لا تبصر النجوم بالنهار أصلا والقمر وإن كان نوره يرى بجلاء، فإن نور الشمس قد يغلبه ويقهره حتى لا يظهر أبداً.
وقوله - عز وجل -: {وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ}.
يشبه أن يكون التقدير الذي ذكر لهما جميعاً ويعرف الحساب وعدد السنين لهما جميعاً، وكذلك ذكر في حرف حفصة: (وقدرهما منازل)، وجائز أن يكون جعل الشمس بالذي يعرف بها أوقات الصلوات والأزمنة من الشتاء والصيف لا يعرف ذلك بالقمر، وجعل في القمر معرفة الشهور والسنين، وفي الشمس معرفة أوقات الصلوات والأزمنة، لا يعرف بها الشهور والسنون إلا بعد جهد؛ وبالقمر لا تعرف أوقات الصلوات والأزمنة، جعل الله تعالى في الشمس منفعتين: منفعة التقلب ومعرفة الأزمنة، ومعرفة نضج الأشياء وينعها، وفي القمر منفعتين أيضاً: أحدهما: معرفة حساب الأيام والشهور والسنين، ومعرفة نضج الإنزال والأشياء.
وقوله - عز وجل -: {لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ} ليس أن يعرف هذا بهما ولا يعرف غيره، بل يعرف ما ذكر وأشياء كثيرة.
وقوله - عز وجل -: {مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ}.
قال أبو بكر الأصم والكيساني: {مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ}، أي: ما خلق الله ذلك إلا وقد جعل فيه دلالة معرفته. وقال قائلون: {مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ}، أي: ما خلق الله ذلك إلا وقد جعل فيه [دلالة معرفة] الشهادة له على الخلق، وهي شهادة الوحدانية والألوهية.
وقال بعضهم: ما خلق الله ذلك إلا بالأمر الكائن لا محالة وهو البعث.
ويحتمل قوله: {مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} أي: بالحكمة، لم يخلق ذلك عبثاً باطلا؛ وهو كقوله:
{ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً } [ص: 27] ولكن بحكمة.
وقوله - عز وجل -: {يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}.
قيل: نبين أو نصرفها لقوم ينتفعون بعلمهم، إنما ذكر الآيات فيما ذكر لقوم يعقلون ولقوم يتفكرون ولقوم يفقهون الآيات التي ينتفعون بها ويعقلون الشيء، إنما يكون للشيء الذي ينتفع به لا للذي لا ينتفع به.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّ فِي ٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ}.
إن في اختلاف الليل والنهار آية البعث ودلالة تدبير صانعهما، أما دلالة البعث فيه أن كل واحد منهما إذا جاء ذهب الآخر وفني حتى لا يبقى له الأثر، ثم يتجددان ويحدثان على ذلك أمرهما، ويتلف كل واحد منهما صاحبه حتى لا يبقى له الأثر، فمن قدر على ما ذكرنا قدر على بعثهم وإنشائهم بعد الموت بعدما صاروا تراباً، وأما دلالة التدبير فهو جريانهما [وسيرهما] على سنن واحد وتقدير واحد من غير تغيير يقع فيهما أو تفاوت أو نقصان يقع فيهما أو زيادة وإن كان أحدهما يدخل في الآخر، دل على ما ذكرنا أنهما يجريان ويختلفان على شيء واحد وجريان واحد؛ أن فيهما تدبيراً غير ذاتي وعلماً أزليّاً وأنه واحد؛ إذ لو كان التدبير فيهما لعدد لكانا مختلفين ولا يجريان على قدر واحد من غير تفاوت فيهما أو نقصان أو زيادة، دل أنه واحد، وبالله التوفيق.
وفي ذلك دلالة وحدانية منشئهما وخالقهما؛ لأنه أنشأهما وبينهما من البعد ما بينهما من البعد، وجعل منافع أحدهما متصلة بمنافع الآخر على بعد ما بينهما، دل أن منشئهما واحد؛ إذ لو كان فعل عدد منع كل منهم فعله عن الوصول بالآخر على ما هو فعل ملوك الأرض.
وقوله - عز وجل -: {لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ}. مخالفة الله ويتقون جميع الشرور والمساوي.