التفاسير

< >
عرض

فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ
١٢
أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَٰتٍ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
١٣
فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ
١٤
-هود

تأويلات أهل السنة

قوله: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ}، وإن كان معلوماً أنه لا يترك؛ كقوله: { وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ } [الأنعام: 14]، { فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ } [البقرة: 147] وأمثاله، نهاه وإن كان معلوماً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفعل ذلك، وإنما احتمل النهي كما يقول الرجل لآخر لعلك تريد أن تفعل كذا فهو نهاه عن ذلك.
والثاني: يقال عند القرب إلى الفعل والدنو منه؛ كقوله:
{ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً } [الإسراء: 74] يقال: حرف "كاد" عند الميل إليه والقرب منه طمعا منه في إيمانهم، وذلك فيما يحل له الترك، وذلك ما قيل من نحو سب آلهتهم وذكر العيب فيها، ويحل له ترك سب آلهتهم وشتمها. وكذلك يخرج قوله: { لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ } [الشعراء: 3] على هذين الوجهين، على المنع ألا يحمل على نفسه إشفاقاً على أنفسهم ألا يؤمنوا ما يوجب تلفه.
والثاني: على التخفيف؛ كقوله:
{ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ... } الآية [الحجر: 88]، وقوله: { وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ } [القصص: 7] هو على التخفيف ليس على النهي.
وفي قوله: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ...} الآية وجه آخر: وهو نهي يخرج مخرج البشارة [له بما] كان يخاف من ضيق صدره واشتغال قلبه عند سوء معاملتهم إياه، فيقع له فيه تأخير في إبلاغ ما أمر بتبليغه فأمنه الله عن ذلك وعصمه.
والوجه الثاني: في النهي عن ذلك هو ما يقع له فيه الرجاء، وذلك أن الأخيار إذا ابتلوا بالأشرار قد يؤذن لهم بمفارقتهم وترك الأمر فيهم، فلعله كان يقع له في مثله الرجاء أنه قد يؤذن له، في حال من الأحوال بتأخير التبليغ، فأيئسه عن ذلك وكلفه بتبليغ ما أمر له في جميع أحواله و {بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ} يحتمل ما ذكر أهل التأويل من سب آلهتهم وعيبها وما تدعو إليه.
وقوله - عز وجل: {وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ}: يضيق صدره بما يقولون له استهزاء، وكذلك الحق أن كل من استهزئ به أن يضيق صدره لما لا يقدر على إتيان ما طلبوا منه من الكنز وإنزال الملك، وقد وعدوا أن يؤمنوا لو فعل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ}: لأن للكنز والملك محلاًّ في قلوب أولئك وقدراً فقالوا: لولا أنزل عليه كنز [فيعظموه فيصدق على ما يدعي، وكذلك الملك له محل عظيم عندهم إذا كان معه عظموه وصدقوه.
وقوله: {إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ} أثر قولهم: لولا أنزل عليه كنز] أو جاء معه ملك أي: إنما أنت نذير ليس عليك إتيان ما سألوا، إنما ذلك تحكم منهم على الله تعالى وأمانيُّ، فعليك إبلاغ ما أنزل إليك؛ كقوله:
{ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ } [الشورى: 48].
{وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} أي: حفيظ لكل ما يقولون فيك ويتفوهون به، أو هو الوكيل والحفيظ لا أنت؛ كقوله:
{ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ } [الغاشية: 22] وقوله: { وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } [الأنعام: 107] ونحوه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} أي: قالوا: إنه افتراه، أي: محمد افترى هذا القرآن من عند نفسه.
{قُلْ}: يا محمد إن كان افتريته على ما تقولون، {فَأْتُواْ}: أنتم، {بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ}: لأنكم أقدر على الافتراء من محمد؛ لأنكم قد عودتم أنفسكم الكذب والافتراء، ومحمد لم تأخذوه بكذب قط ولا ظهر منه افتراء، فمن عود نفسه الافتراء والكذب أقدر [عليه] ممن لم يعرف به [قط]، فأتوا بعشر سور مثله وادعوا أيضاً شهداءكم من الجن والإنس ممن استطعتم من دون الله يعينوكم على إتيان مثله، {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أنه افتراه من عنده.
أو يقول: {فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} أي أن محمدا قد جاء بسور [فيها أنباء] ما أسررتم وأخفيتم مما لا سبيل إلى معرفة ذلك والاطلاع عليه إلا من جهة الوحي من السماء وإطلاع الله إياه، فأتوا أنتم بسورة مفتراة فيها أنباء ما أضمر هو وأسر، وتطلعون أنتم على سرائره كما اطلع هو على سرائركم، وادعوا من استطعتم ممن تعبدون من دون الله من الآلهة، إن كنتم صادقين أنه افتراه.
أو يقول: إن لسانكم مثل لسان محمد، فإن قدر هو على الافتراء افترى مثله من عنده، فتقدرون أنتم على افتراء مثله: فأتوا به، وادعوا أيضاً من لسانه مثل لسانكم حتى يعينوكم على ذلك، إن كنتم صادقين أنه افتراه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ}، وقال في موضع آخر:
{ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ } [البقرة: 23].
قال بعضهم: بعشر نزل قبل ولم تقدروا على مثله، وقوله:
{ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ } [البقرة: 23] دعوا أولا أن يأتوا بعشر سور، فلما عجزوا عن ذلك عند ذلك قيل لهم: { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ } [البقرة: 23].
وقوله: {بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} [فإن قيل: كيف ذكر: فأتوا بسور مفتريات] قيل: معناه إن كان هذا مما يحتمل الافتراء على ما تزعمون، فأتوا بمثله أنتم لأنكم أقدر على الافتراء من محمد، فإن لم تقدروا لم يقدر أحد على ذلك.
وقوله - عز وجل -: {فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ} أي: فإن لم تقدروا أنتم ولم يجيبوكم أولئك على الإعانة على إتيان مثله، فاعلموا [أنه] إنما أنزل بعلم الله وبأمره أتاه ومن عنده نزل، ليس بمفترى على ما تزعمون، وأن لا إله إلا الله لا ألوهية لمن تعبدون دونه من الأصنام والأوثان.
والثاني: فإن لم يستجيبوا لكم يا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقدروا على مثله، فاعلموا أنتم أنه إنما أنزل بعلم الله ومن عنده نزل على التنبيه والتذكير لهم، وإن كانوا علموا أنه من عنده نزل؛ كقوله:
{ فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ } [محمد: 19] على التنبيه والتذكير ليس على أنه لا يعلم فعلى ذلك الأول.
وقوله - عز وجل -: {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ}: خاضعون له مخلصون، وعلى التأويل الأول على حقيقة الإسلام، والإيمان، والله أعلم.