التفاسير

< >
عرض

مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ
١٥
أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٦
أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ
١٧
-هود

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا...} الآية اختلف فيه:
قال بعضهم: الآية في أهل الإيمان الذين عملوا الصالحات مراءاة للخلق يقول: {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا} من الذكر فيها والشرف، وما طلبوا بأعمالهم في الدنيا من المباهاة وغيره، آتاهم الله في الدنيا جزاء لتلك الأعمال التي عملوها وبطل ما صنعوا وباطل ما كانوا يعملون؛ لأنهم عملوا لغير الله، فلا يجزون في الآخرة بأعمالهم تلك، وإلى هذا يذهب ابن عباس.
وروي في بعض الأخبار
"أن نبي الله صلى الله عليه وسلم سئل: ما بال العبد المعروف بالخير يشدد عليه عند الموت، والرجل المعروف بالشرّ يهون عليه الموت؟! فقال: المؤمن تكون له ذنوب فيجازى بها عند موته، فيفضي إلى الله في الآخرة ولا ذنب عليه، والكافر يكون له الحسنات فيجازى بها عند الموت يخفف عنه بها كرب الموت، ثم يفضي إلى الآخرة وليست له حسنة" أو كلام نحوه.
وقال بعضهم: الآية في أهل الكفر يعملون أعمالا هي في الظاهر صالحة؛ نحو: التصدق على الفقراء وعمارات الطرق واتخاذ القناطر والرباطات هي في الظاهر صالحة، يقول: نوف لهم جزاء أعمالهم التي عملوها في الدنيا لا ننقص منها شيئاً فهو ما وسع عليهم الدنيا.
وجائز أن يكون قوله: {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا} أي: نرد إليهم أعمالهم التي عملوها فلا نقبلها ويكون إيفاء أعمالهم الرد.
وقوله - عز وجل -: {وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ} أي: لا ينقصون ما قدر لهم من الرزق إلى انقضاء مدتهم وآجالهم بشركهم بالله.
وقوله: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ}: على هذا التأويل [ظاهر ليس لأهل الكفر في الأخرة إلا النار] وعلى التأويل الذي قال: إنها في أهل الإيمان، أي: لا يستوجبون بتلك الأعمال التي عملوها مراءاة إلا النار؛ لأنه إذا راءى فيها لم يخلصها لله وضيع أمره، وكل من ضيع أمر الله وفريضته يستوجب التعذيب عليه وله العفو، وليس في الآية أنه لا محالة يعذبهم بعملهم المراءاة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ} فيه دلالة نقض قول الجهمية والمعتزلة بنفيهم العلم عن الله، وفي الآية إثبات العلم له بقوله: {أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ}.
وقوله - عز وجل -: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ}.
وقوله: {أَفَمَن} حرف يقتضي الجواب لكن الجواب له لم يخرج في الظاهر؛ لأن جوابه أن يقول: أفمن كان على بينة من ربّه كمن ليس على بينة من ربه كما قال في آية أخرى:
{ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ } [النحل: 17]؛ وكقوله: { أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ } [الرعد: 19] لا يعلم، فعلى ذلك جواب قوله: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} كمن لا يكون على بينة من ربه، لكن الجواب عندنا يكون على وجوه: مرة يكون بالتصريح وهو ما ذكرنا، ومرة بالإشارة، ومرة بالكناية على غير تصريح.
ثم منهم من يجعل جوابه ما تقدم وهو قوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا...} الآية، [يقول: أفمن كان على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها]، أي: لا يكون كذلك، ومنهم من يجعل جوابه فيما تأخر وهو قوله: {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ} كأنه يقول: أفمن كان على بينة من ربه كمن يكفر به الأحزاب، أي: لا يكون كذلك وقالوا: يجوز تقديم الجواب وتأخيره، كقوله:
{ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱلَّيلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ } [الزمر: 9] لم يخرج لهذا أيضاً جواب التصريح.
ثم اختلفوا في جوابه؛ قال بعضهم: جوابه فيما تأخر في قوله:
{ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } [الزمر: 9] وصف الذين لا يعلمون، فكأنه يقول: أفمن يعلم كمن لا يعلم.
ومنهم من يجعل جوابه في قوله:
{ وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ } [الزمر: 8] يقول: من جعل لله أنداداً وضل عن سبيله وصار من أصحاب النار، كمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً أي: ليسا بسواء.
وقال مقاتل: ليس الذي على بيان من ربه كالذي موعده النار، والله أعلم.
وجائز أن يكون على طرح الألف: (فمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى...) الآية يقول: فمن كان على بيان من ربه أولئك يؤمنون به.
ثم قوله: {بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ}: قال بعضهم: دين من ربه، أي: من كان على دين من الله ويتلوه شاهد منه أي: يتلو لما هو عليه من الدين شاهد منه، كمن كان على دين الشيطان ولا شاهد له عليه؟! وقال بعضهم قوله: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ}، أي: على برهان من ربه وحجج ويتلوه شاهد منه على ذلك، كمن لا على برهان من ربه ولا حجج ولا شاهد له على ذلك؟! ثم قال بعضهم: قوله: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} جبريل أو ملك غيره يتلو عليه القرآن. وقال بعضهم: يتلوه شاهد منه: لسانه. وقال بعضهم {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} هو القرآن ونحوه.
ثم قوله: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ}: يحتمل أصحاب عيسى الذين آمنوا به.
{وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ} أصحاب التوراة الذين آمنوا.
{أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي: هؤلاء الذين آمنوا بهؤلاء هم الذين يؤمنون بمحمد - عليه أفضل الصلوات - وبما جاء به محمد، صلى الله عليه وسلم.
وقوله - عز وجل -: {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً}: قيل فيه بوجوه:
قيل: ومن قبل القرآن كتاب موسى جاء جبريل إلى موسى، كما جاء بهذا القرآن إماما يقتدى به ورحمة من العذاب لهم.
ويحتمل قوله: {وَمِن قَبْلِهِ} يعني قبل القرآن كتاب موسى التوراة إماما فيها أنباء هذا القرآن، وأنباء محمد أنه رسول؛ كقوله:
{ يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ } [الأعراف: 157]، وقوله: { يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ } [البقرة: 146] وأمثاله.
ويحتمل قوله: {إِمَاماً وَرَحْمَةً} [ما روي] عن ابن عباس قال: إماماً ورحمة: كان كتاب موسى وهو التوراة إماما يقتدى به، وكان رحمة، أولئك يؤمنون به قال: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين آمنوا به من أهل الكتاب وغيرهم. ويحتمل قوله: {أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي: مؤمني أهل التوراة يؤمنون بالقرآن ويقتدون به؛ كما آمنوا بالتوراة واقتدوا بها.
وقوله - عز وجل -: {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ} أي: بالقرآن {مِنَ ٱلأَحْزَابِ} الأحزاب: الفرق والأصناف. يحتمل من يكفر به أي: بالقرآن من الفرق.
ويحتمل يكفر به أي: بمحمد. ويحتمل الدين الذي هو عليه ويدعوهم إليه.
{فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ}: إن مات على ذلك، وأمّا إذا أسلم ومات على الإسلام، فلا تكون النار موعده.
وقوله - عز وجل -: {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ}: يحتمل في قوله الوجوه الثلاثة التي ذكرنا من الدين والقرآن والنبي، يحتمل هو نفسه، ويحتمل الخطاب غيره لما ذكرنا في قوله:
{ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ } [البقرة: 147]، { وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ } [الأنعام: 14]، { فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ } [الأنعام: 35] وأمثاله؛ فكذلك هذا، وقد ذكرنا أن العصمة لا تزيل النهي والأمر بل تزيدهما؛ لأن بالعصمة يظهر موافقة الأمر ومخالفة النهي والمحظور.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ}: يحتمل القرآن، ويحتمل الدين الذي عليه ويدعوهم إليه، ويحتمل هو نفسه الحق من ربه، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ}.