التفاسير

< >
عرض

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
٦
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ
٧
-الرعد

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ}.
الاستفعال يكون على وجهين: يكون طلب الفعل ويكون الفعل نفسه؛ كقوله:
{ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [غافر:60] قيل: أجيب لكم، وقوله تعالى: { فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي } [البقرة: 186] أي: ليجيبوا لي، وقوله: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ} فإن كان على طلب الفعل؛ فهو ما سألوا [رسول الله العذاب] كقوله: { سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ } [المعارج: 1] وكقوله: { وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ } [ص: 16] وقولهم: { إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ... } الآية [الأنفال: 32] فبدءوا بسؤالهم [الهلاك قبل سؤالهم] تأخير العذاب وإمهاله، [وتأخير العذاب عندهم وإمهاله] من الحسنة؛ فاستعجلوا بهذا قبل هذا.
وإن كان الفعل نفسه.
فقوله: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ} أي: عجلوك - يا محمد - بالسيئة إليك، قبل أن تكون منهم إليك حسنة؛ حيث كذبوك في الرسالة، وآذوك في نفسك، ولم يكن منهم إليك إحسان من قبل والله أعلم بذلك.
وقيل: {بِٱلسَّيِّئَةِ}: العذاب؛ على ما ذكرنا.
{قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ}.
أي: قبل العفو، وسؤالهم السيئة والعذاب بجهل منهم أنه رسول وأنه صادق؛ [لأنهم لو علموا أنه رسول، وأنه صادق] فيما يخبر ويوعد من العذاب، كانوا لا يسألون؛ لأنهم يعلمون أن الله يقدر على أن ينزل عليهم العذاب، لكن سألوا ذلك؛ بجهلهم بأنه رسول سؤال استهزاء وسخرية.
فإن كان على هذا سؤالهم - كان فيه دلالة أن العقوبة والعذاب؛ قد يلزم من جهل الأمر؛ إذا كان بسبيل العلم به والنظر والتفكر فيه، وهؤلاء جهلوا أنه رسول الله؛ لتركهم النظر والتفكر. والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ}.
قال بعضهم: العقوبات؛ أي: قد كان في الأمم الخالية العقوبات؛ بسؤالهم العذاب والمعاندة في الآيات إذا جاءت؛ كأنه - والله أعلم - يصبر رسوله على سفه قومه؛ لسؤالهم العذاب والآيات ثم المعاندة فيها، يقول: كان في الأمم الماضية من سؤال العذاب والآيات ثم المعاندة من بعد نزولها؛ فنزلت لهم العقوبات؛ فعلى ذلك هؤلاء.
وقال بعضهم: المثلات: الأمثال والأشباه. وكذلك ذكر في حرف حفصة (وقد خلت من قبلهم الأمثال) وتأويله - والله أعلم - أي: فقد خلت من [قبلهم الأمثال]؛ ما لو اعتبروا بها كان مثلا لهم، ولكن لا يعتبرون؛ فيمنعهم عن أمثال ذلك.
وقوله - عز وجل -: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ}.
قال بعضهم: {لَذُو مَغْفِرَةٍ} أي: لذو ستر على ظلمهم؛ وتأخير العذاب إلى وقت؛ كقوله:
{ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ } [إبراهيم: 42]، وقوله: { وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ } [هود: 104].
وقال بعضهم: لذو مغفرة [للناس على ظلمهم إذا تابوا، وماتوا عليها، أو يكون قوله {لَذُو مَغْفِرَةٍ} للمؤمنين على ظلمهم، وإن ربك لشديد العقاب] لمن لم يتب، ومات على الظلم والشرك. وقوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} للكفار؛ وعلى التأويل الأول: وإن ربك لشديد العقاب؛ إذا عاقب.
وقوله - عز وجل -: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} وقال في موضع آخر:
{ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ } [الأنبياء: 5] وقال في آية أخرى: { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً } [الإسراء: 90] إلى آخر ما ذكر؛ فيحتمل سؤالهم الآية { كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ } [الأنبياء: 5] عين تلك الآيات التي أتت بها الرسل الأولون، وليس عليه أن يأتي بعين تلك الآية؛ إنما عليه أن يأتي بآية تخرج عن عرفهم وطباعهم، والرسل جميعاً لم يأتوا بآية واحدة؛ إنما جاءوا بآيات مختلفات، كلٌّ جاء بآية سوى ما جاء بها الآخر؛ فقال له: ليس عليك ذلك إنما أنت منذر. أو سألوا آيات سؤال الاعتناد لدى هلاكهم، [على ما فعل الأولون؛ فقال: {إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ} قد عفا هذه الأمة إحضار آيات وإنزالها لدى هلاكهم] وإن كانوا هم في سؤالهم الآيات معاندين؛ لأنهم قد جاءهم من الآيات؛ على إثبات رسالته وإظهارها؛ ما كفتهم، لكنهم يعاندون.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ}: لا تملك إتيان الآيات،
{ قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ } [العنكبوت: 50] وقال: { لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ } الآية [الأنعام: 58]. أو يقول: {إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ}: ليس إليك إنشاء الآيات واختراعها؛ { قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ } [العنكبوت: 50].
وقوله - عز وجل -: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}.
أي: داع يدعو إلى توحيد الله ودينه؛ كقوله:
{ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ } [فاطر: 24].
وقوله: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} يحتمل: لكل وقت هادٍ.
ثم اختلفوا أنه: مَنْ ذلك الداعي؟
قال بعضهم: الله، وقال بعضهم: نبي من الأنبياء، وقال بعضهم: داع؛ دليل سوى النبي.
وقالت الباطنية: هو إمام يكون معصوماً مثل النبي لئلا يزيغ عن الحق؛ ولكن عندنا معصوماً [أو لم يكن معصوماً] فإن في القرآن ما يمنع عن الزيغ؛ ويعرف ذلك منه إذا زاغ؛ وضل عن الحق.
{وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} أي: داع وهو كما قال:
{ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ } [فاطر: 24].