التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
٤٥
ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ
٤٦
وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ
٤٧
لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ
٤٨
نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ
٤٩
وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ
٥٠
-الحجر

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}.
إن كان أهل الكبائر في قوله: {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ} فيكون قوله: إن المتقين الذين اتقوا الكبائر؛ وإن كان أصحاب الكبائر لم يدخلوا في قوله: {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ}، فيكون قوله: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ} للذين اتقوا الشرك.
وقوله - عز وجل -: {فِي جَنَّاتٍ}.
أي: في: بساتين، والبساتين: هي التي التفّت بالأشجار والنخيل.
والعيون قد تكون جارية في الدنيا، وقد تكون غير جارية، فأخبر في آية أخرى بأن عيون الآخرة تكون جارية؛ بقوله:
{ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ } [الرحمن: 50].
{وَعُيُونٍ}: قال بعضهم: ذكر العيون؛ ليعلم أن مياه الجنة - ليست تكون من الثلوج والأنهار العظام - على ما تكون في الدنيا - ولكن تنبع فيها.
وقال بعضهم: ذكر العيون؛ لأنه ينبع في بستان كل أحد عين على حدة، لا يأتي بستانه من ملك آخر، ومن بستان آخر، على ما يكون في الدنيا؛ ولكن تنبع في جنة كل أحد عين على حدة، على ما أراد الله، ليس أنها تتصل بالأرض؛ كما ذكر في قصّة بني إسرائيل:
{ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً } [البقرة: 60] أنشأ الله في ذلك الحجر ما يخرج لهم على غير اتصاله بالأرض، ولكن بلطفه ينشئ فيه ماء، فعلى ذلك في الجنان التي وعد.
ويشبه أن يكون ذكر هذا لما يختلف رغائب الناس في الدنيا: منهم من يرغب في العين؛ ويتلذذ بالنظر إليها، ومنهم من يرغب في النهر الجاري، فذكر مرة العيون، ومرة الأنهار؛ كقوله:
{ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } [النحل: 31] على ما ذكر مرة الخيام، والقباب، والغرف، وأنواع الفرش والبسط، والكيزان والأكواب، والجواري والغلمان، وغير ذلك على ما يرغب الناس في الدنيا: منهم من يرغب [في نوع لا يرغب] في نوع آخر؛ فذكر فيها كل ما يرغبون في الدنيا؛ ليبعثهم ذلك على العمل الذي به يوصل إلى ذلك. والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ}.
قال بعضهم: قوله: {ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ}: أي: اجعلوا دخولكم فيها بسلام؛ على ما أمرهم في الدنيا أن يجعلوا الدخول في المنازل بالسلام؛ كقوله:
{ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ... } الآية [النور: 61]، وعلى ما أخبر أن الملائكة يسلمون عليهم؛ كقوله: { سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ } [الزمر: 73] وكقوله: { وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً } [الحجر: 51-52] وقال بعضهم: قوله: {ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ}: أي: ادخلوها بسلام لا يصيبكم مكروه؛ آمنين لا ينغِّصهم خوف ولا حزن، على ما أخبر { فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [البقرة: 38]. وقال بعضهم: [...] وقوله - عز وجل -: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ}.
قال بعضهم: هو صلة قوله: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} أي: نزعنا ما في صدورهم من غل؛ الذي كان في الدنيا بالكفر؛ فصاروا إخواناً بالإسلام الذي هداهم إليه؛ فكانوا إخواناً، ثم قيل لهم: ادخلوا الجنة بلا غلّ، وهو ما قال:
{ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا } [آل عمران: 103] قد نزع من قلوبهم الغل في الدنيا، فصاروا إخواناً فدخلوا الجنة.
وقال بعضهم: قوله: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} في الآخرة إذا دخلوا الجنة وتقابلوا واتكئوا على سرر، فعند ذلك ينزع الغل من قلوبهم، والمظالم التي كانت بينهم، فإذا كان هذا فهو بين أهل الإسلام.
وعلى ذلك يحتمل أن يكون [كل من] جفا آخر في الدنيا أن ينسى الله ذلك منهم في الجنة؛ لأن ذكر الجفاء ينغص النعم التي فيها، وكذلك ما يكون بين الرجل وولده من الجفاء والعقوق - يجوز أن ينسى ذلك عليهم. وعلى ذلك ما روي عن عليّ رضي الله عنه؛ قال: إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير من الذين قال الله: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ}.
وقوله - عز وجل -: {مُّتَقَـٰبِلِينَ}: قال بعضهم: يجعل الله منازلهم بعضها مقابل بعض؛ فينظر بعضهم إلى بعض، ويزور بعضهم بعضاً.
وقال بعضهم: يأمر الله السرر التي هم عليها جلوس؛ ليكون بعضها مقابل بعض، إذا اشتهى بعضهم زيارة بعض، ولا يكونون مدبرين؛ ولا معرضين، بل مقبلين، يخبر عن اجتماعهم في الآخرة في الشراب، وأنواع المطاعم على ما يستحسن في الدنيا الإخوان بينهم الاجتماع على الشراب والطعام، والتلذذ، والنظر بعضهم إلى بعض، فعلى ذلك أخبر أن لهم في الآخرة كذلك اجتماع في الشراب، والنظر، وأنواع التلذذ والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ}.
أي: عناء ومشقة، أخبر أنه لا عناء يمسهم كما يكون في الدنيا؛ لأن في الدنيا: من أطال المقام في موضع يملّ عن ذلك ويسأم، وكذلك إذا أكثر من نوع من الطعام؛ أو الشراب، أو الفاكهة - يملّ عن ذلك ويسأم، ويؤذيه، ولا يوافقه، فأخبر أن أهل الجنة لا يملون ولا يؤذيهم طعامها؛ وإن أكثروا.
وقوله - عز وجل -: {وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ}.
أخبر أنهم لا يخرجون منها، ولا هم يطلبون الخروج منها؛ كقوله:
{ لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً } [الكهف: 108]؛ لأن خوف زوال النعم ينغص على صاحبها تلك النعمة، وطعمها؛ فأخبر أنهم فيها أبداً، وتلك النعمة لهم دائمة غير زائلة عنهم والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}.
قال بعضهم: {نَبِّىءْ عِبَادِي} أي: أخبرهم {أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} لمن استغفرني وتاب عما ارتكب من معاصيه، {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ} لمن عصاني، ولم يستغفر، ولم يتب إليه.
ويحتمل غير هذا؛ وهو أن يقول: {نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} لئلا ييئسوا من رحمتي، ولا يقنطوا مني، ولكن يرجون رحمته وعفوه، ويخافون عذابه ونقمته، ونبئهم أيضاً أن عذابي هو العذاب الأليم لئلا يكونوا آمنين أبداً؛ فيكون فيه أمر بأن يبشر، وأن ينذر؛ كأنه قال بشر أوليائي أني أنا الغفور الرحيم لأوليائي، وأن عذابي شديد أليم لأعدائي.
وفي قوله: {نَبِّىءْ عِبَادِي} فيه بشارة ونذارة: أما البشارة: فهو قوله: {أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}، و [أما] النذارة: فهو قوله: {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ}.