التفاسير

< >
عرض

وَآتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً
٢
ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً
٣
وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً
٤
فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً
٥
ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً
٦
إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً
٧
عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً
٨
-الإسراء

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {وَآتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَابَ}.
يعني: التوراة.
{وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ}.
كل كتب الله: هدى لمن استهدى، ورشد لمن استرشد، وبيان لمن استوضح؛ لأنها دعت إلى ثلاث خصال: دعت إلى معالي الأمور، ومكارم الأخلاق، وصالح الأعمال. ونهت عن ثلاث: عن مساوي الأعمال، وعن سفاسف الأمور، ودناءة الأخلاق ورداءتها.
ذكر أنه جعل الكتاب هدى لبني إسرائيل؛ لأن منفعة الكتاب حصلت لهم: أنهم هم الذين استهدوا به؛ فعلى ذلك هو هدى لمن استهدى، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ - {أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً}.
أي: معتمداً، أي: قلنا لهم فيه، أو ذكرنا لهم فيه، أو أمرناهم فيه: ألا تتخذوا من دوني وكيلاً، أي: معتمداً موكولاً، الوكيل: هو موكول الأمر إليه، معتمد في الأحوال عليه، قائم في جميع ما وكل إليه بالتبرع والتفضل.
وقوله - عزّ وجلّ -: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ}.
قال بعضهم: يعني بالذرية الأنبياء الذين كانوا من قبل، أي: كانوا من ذرية نوح ومن حمل معه، وهم بشر؛ قال: ذكر [هذا لإنكارهم] بعث الرسل من البشر؛ حيث قالوا:
{ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً } [الإسراء: 94].
والثاني: يحتمل غيره، أي: من ذرية من حملنا مع نوح، أي: هؤلاء من ذرية من حملنا مع نوح؛ فكيف خالفوا آباءهم الذين كانوا على الهدى، وتابعوا غيرهم؟!
أو يذكر أن هؤلاء الرسل من ذرية من حملنا مع نوح، [وهم بشر، فكيف أنكروا الرسول من بشر؟!
ثم قال بعضهم: هو على النداء والدعاء: يا ذرّية من حملنا مع نوح] في السفينة - في أصلاب الرجال وأرحام النساء زمان الطوفان - لا تتخذوا من دوني وكيلاً، قيل: ربّاً وإلهاً، وقيل: شريكاً. وأصله ما ذكرنا أن الوكيل: هو المعتمد.
{إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً}.
يعني: نوحاً، قال بعضهم: سمّاه شكوراً؛ لأنه كان يذكر ربّه في كل أحواله، وقال بعضهم: الشكور هو الذي يبتغِي مرضات منعمِهِ، ويجتنب مساخطه، وقال بعضهم: الشكور هو المطيع لله.
وقد ذكرنا معنى الشكر: أنه اسم المكافأة، أو يقال: كانت عبادته لله عبادة شكر لا عبادة استغفار، أي: كان شكوراً في عبادته لا مستغفراً.
وقوله - عزّ وجلّ -: {وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ}.
اختلف في قوله: {وَقَضَيْنَآ}:
قال الحسن وغيره: أوحينا إليهم وأخبرناهم وأعلمناهم في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين.
وقال بعضهم: قضينا عليهم.
وقال بعضهم: كتبنا عليهم فكيفما كان، ففيه نقض قول المعتزلة؛ لأنه أخبر: أنه أخبرهم وأعلمهم؛ على تأويل من زعم أن القضاء - هاهنا - هو الإعلام والإخبار لهم؛ فيقال لهم: كان أخبرهم وأعلمهم؛ ليصدق في خبره أوْلا: فإن كان أخبرهم ليصدق في خبره - فذلك منه حكم أنهم: ليفسدن في الأرض مرّتين؛ فإن كان تأويل القضاء: الكتاب والحكم، فهو ظاهر، وهو ما نقول: إن كل فاعلٍ فعلاً طاعة كانت أو معصية - كان بحكمه.
[ثم من] سأل أخر عن المعصية أنها كانت بقضاء الله؛ فلا يجب أن يجاب له على الإطلاق: بـ (نعم) أو بـ (لا)، إلا أن يبين أنه ما يريد بالقضاء وما يفهم منه؛ لأن القضاء يتوجه إلى وجوه:
يرجع إلى الخلق؛ كقوله:
{ فَقَضَٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ } [فصلت: 12] أي: خلقهن.
والقضاء: الأمر؛ كقوله:
{ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ } [الإسراء: 23]، أي: أمر ربك.
والقضاء: الحكم؛ كقوله:
{ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ } [طه: 72]، أي: احكم ما أنت حاكم.
ولم يعرف القضاء: الحمل والدفع؛ على ما يقوله المعتزلة، ونحوه، فلا يجاب على الإطلاق إلا أن يبيّن أنه ما أراد بالقضاء؟ فإن أراد بالقضاء: الحكم: فعند ذلك يقال: نعم، كان بقضائه وحكمه، وليس فيما قضى وحكم دفعه في المعصية.
ثم اختلف في قوله: مرتين:
قال بعضهم من أهل التأويل: إن بني إسرائيل عصوا ربهم؛ فسلط الله عليهم جالوت؛ فقتلهم، وسبى ذراريهم وأموالهم، فكانوا كذلك زماناً، ثم تابوا ورجعوا عن ذلك، ثم بعث الله داود؛ فقتل جالوت، واستنقذهم من يديه، وردهم إلى مكانهم، ثم عادوا إلى ما كانوا من قبل؛ ثم سلط عليهم بختنصر؛ ففعل بهم ما فعل جالوت، ثم تابوا، فبُعِث محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال بعضهم: بعث - أولاً - بختنصر، ثم فلاناً وفلاناً، وهو ما قال: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ} إلى قوله: {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا} [الإسراء: 8]، أي: عدتم إلى العصيان عدنا إلى العقوبة، ولكن ليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة سوى ما فيه من وجوه الحكمة والدلالة:
أحدهما: فيه دلالة إثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أخبر عما كان في كتبهم من غير أن علم ما في كتبهم، ولا اختلف إلى أحد منهم؛ فكان - على ما أخبر - دل أنه إنما عرف ذلك بالله بما أخبره في كتابه.
وفيه أنه لم يُهْلَك قوم بنفس الكفر إهلاك استئصال، حتى كان منهم مع الكفر السّعي في الأرض بالفساد، والعناد للآيات.
وفيه أن ليس على الله حفظ الأصلح لهم وإعطاؤه في الدين؛ حيث لم يُمِتهُم على الإيمان، ولكن تركهم حتى عصوا ربهم، ثم سلّط عليهم من قتلهم على تلك الحال، ودعاهم إلى دينه وهو كفر؛ فلو كان عليه إعطاء الأصلح لأماتهم على الإسلام؛ فذلك أصلح لهم في الدين.
وقوله - عزّ وجلّ -: {وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً}.
قيل: لتجترئون جراءة عظيمة، وقيل: لتقهرُنّ ولتعلن غلبة؛ كقوله:
{ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ } [القصص: 4]، أي: قهر وغلب، ألا ترى أنه قال: { وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ } [القصص: 4] ثبت أنه على الغلبة والقهر.
وقيل: العلو هو العتوّ والجراءة والتكبّر، وهو ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا}.
أي: جاء وعد هلاك من عصى منهم أولاً، وخالف أمر الله وكفر به.
{بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ}.
قال الحسن: قوله: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ} ليس على بعث الوحي إليهم؛ ولكن على التخلية، أي: خلينا بينهم وبين عباد أولي بأس شديد، أي: أولي بطش شديد وقوة؛ كقوله:
{ أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ } [مريم: 83]، أي: [خلينا بينهم وبين الشياطين.
وقال بعضهم: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ} أي:] سلطنا عليكم.
وقوله: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} رد على المعتزلة؛ لأنه ذكر [أنه] بعث عليهم عباداً أولي بأس شديد، وإنما بعثهم لجزاء إساءتهم ولسوء صنيعهم، وذلك شر يفعل بهم؛ دلّ أن لله صنعاً في جميع فعل العباد.
وقوله - عز وجل -: {فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ}.
قال بعضهم: جاسوا - من التجسّس، أي: يتجسّسون أخبارهم ويسمعون أحاديثهم، وهم جنود جاءوا من فارس.
وقال بعضهم: {فَجَاسُواْ}، أي: قتلوا الناس في الأَزِقَّة، وقيل: في الطرق.
وقوله - عزّ وجلّ -: {وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً}.
أي: الذين قالوا: {لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ} وعداً كائناً مفعولاً، أي: كان وعداً موعوداً مفعولاً كائناً، وإلا الوعد لا يأتى، وكذلك قوله:
{ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً } [مريم: 61]، أي: موعوداً مأتيّاً، وكذلك ما أشبه هذا.
وقوله - عز وجل -: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ}.
أي: الغلبة والهلاك عليهم.
{وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً}.
أي: أكثر رجالاً منكم - قبل ذلك - وعدداً، ثم إذا عصوا ثانياً، وكفروا بربهم سلط الله عليهم قوماً آخرين؛ فدمروا عليهم، فذلك قوله:
{فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ}.
الهلاك والتدمير، أي: موعود الآخرة.
{لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ}.
ثم وعد لهم الرحمة إن تابوا ورجعوا عن ذلك بقوله: {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ}. ثم أوعدهم العود إليهم بالعقوبة بقوله: {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا}، أي: وإن عدتم إلى المعاصي عدنا عليكم بالعقوبة.
ثم قول أهل التأويل: إن سلّط عليهم بختنصر وجالوت ثم فلاناً وفلاناً - فذلك لا يعلم إلا بالخبر عن رسول الله، وليس في الآية سوى أنه بعث عليهم {عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ}؛ فلا يزاد على ذلك إلا بالخبر، سوى أنه ذكر هذا لنا، وفيه وجوه من الحكمة:
أحدها: ما ذكرنا من إثبات نبوة محمد ومن صدق رسولهم؛ حيث حذرهم العقوبة بعصيانهم، فكان كما قال.
وفيه تحذيرنا عن مثل صنيعهم؛ لأنهم ليسوا بذلك أَوْلى من غيرهم.
وقال القتبي: {فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ}، أي: عاثوا بين الديار، وأفسدوا. ويقال: جاسوا، وحاسوا.
{ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ}.
أي: الدولة.
وقوله - عزّ وجلّ -: {أَكْثَرَ نَفِيراً}.
أي: عدداً، وقال أبو عوسجة: {أَكْثَرَ نَفِيراً}: هو من الخروج والنفر، ومعناه: أكثر عدداً، وقال أبو عبيدة: {فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ}: معناه، أي: فقتلوا في ديارهم.
وقال قتادة: النفير: المُقاتِلَة الذين يستنفرون للقتال، أي: لو استنفرتم أنتم، واستنفر أولئك كنتم أكثر منهم. ثم جاء قوله: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا} إلى قوله: {فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ}، معلوم أنه لم يكن في كتابهم هذا اللفظ: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ}؛ {فَجَاسُواْ} - على الابتداء، ولكن كان - والله أعلم - إذا جاء وعد أولاهما لنبعثن عباداً أولي بأس شديد يتجسسون أو يجوسون، لكنه خاطب بهذا - [والله أعلم] - الذين كانوا بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كانوا هم لم يفعلوا ما ذكر؛ لكن لما فعل أوائلهم خاطب هؤلاء؛ لما كانوا يفتخرون بأوائلهم ويقولون: هم أبناء الله وأحباؤه، فيذكِّر هؤلاء نعمه التي أنعم على أولئك، ويحذرهم صنيعهم، وهو ما خاطبهم بقوله:
{ وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ... } الآية [البقرة: 55]، وقوله: { وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ } [البقرة: 61]، ونحوه: خاطب هؤلاء الذين كانوا بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاتبهم على صنيع أولئك وفعلهم؛ وإن كان هؤلاء لم يقولوا ذلك لما رضوا بصنيع أولئك وفعلهم؛ استئداء منهم الشكر؛ لما أنعم على أولئك، وتحذيراً لهم عن مثل صنيعهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ}.
لا لله؛ إذ إليكم يرجع منفعة ذلك، وأنتم تجزون على ذلك:
{وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}.
أي: فعليها؛ كقوله:
{ مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ... } الآية [فصلت: 46]، أي: عليها ضرر ذلك، وعلى ذلك جميع ما أمر الله عباده من الأعمال أو نهاهم عنها إنما أمر ونهى؛ لمنفعة أنفسهم ولحاجتهم؛ لا لمنفعة له أو لحاجة له.
وقال بعضهم: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}، أي: إليها، أي: إلى أنفسكم تسيئون.
وقوله - عز وجل -:{فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ}.
أي: إذا جاء وعد موعود الآخرة، وهو العقوبة بعصيانهم وتكذيبهم رسل الله، وقوله: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ}؛ بالتغيير وتبديل الدين.
{لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ}.
بواوين: على الجماعة، وبواو واحدة: على الواحد: (لنسوء وجوهكم)، ولم يبين من يسوء وجوههم؛ فيشبه أن يكون يبعث قوماً يسوءون وجوههم، كما ذكر في الوعد الأول: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ}؛ فهم يسوءون وجوهكم.
ومن قرأ بالنون: (لنسوء وجوهكم): أضاف إلى نفسه؛ لما بأمره ما كان يفعل وبتسليطه إياهم عليهم.
وقال بعضهم: ذكر الوجه - هاهنا - كناية عن الحزن والهمّ والإهانة لهم؛ ما يقال في السرور: أكرم وجهه، أي: أدخل فيه سروراً، أو ذكر الوجه؛ لما بالوجه يظهر ذلك التغير والقبح، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: {وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ}.
في ظاهر الآية أن يدخل الأولون المسجد في المرة الثانية كما دخلوا في المرة الأولى؛ لأنه قال: {كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ}، لكن يحتمل ليدخل عبادٌ آخرون المسجد في المرة الثانية كما دخل الأوّلون في المرة الأولى.
وقال بعضهم: المسجد - هاهنا - الكنيسة أو البِيعة.
وقوله: {وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً}.
أي: ليهلكوا ما علوا به، أي: ما غلبوا به وقهروا، أي: الأسباب التي بها عصوا.
وقال أبو عوسجة: {مَا عَلَوْاْ}، أي: ليفسدوا ما أهلكوا، والتَّبَار: الفساد، يقال: علوت الشيء، أي: ملكت:
وقوله - عزّ وجلّ -: {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ}.
يحتمل: أن يكون ذلك لأولئك الذين تقدم ذكرهم، وفيهم نزل ما نزل، يرحمهم إن تابوا، ويشبه أن يكون على الابتداء: عسى ربكم أن يرحمكم بمحمد.
{وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا}.
أي: وإن عدتم إلى التكذيب والعصيان عدنا إلى العقوبة والقتال إلى يوم القيامة.
وقوله - عزّ وجلّ -: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً}.
قيل: سجناً لا يخرجون منها، وقيل: محبساً، وحصيراً يحصرون فيها، والله أعلم.