التفاسير

< >
عرض

وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَـٰنَهُ بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ
١١٦
بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
١١٧
وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
١١٨
-البقرة

تأويلات أهل السنة

قوله: {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَـٰنَهُ}.
فيه تنزيه، نزه به نفسه عما قالوا فيه بما لا يليق، ورد عليهم.
ومعناه - والله أعلم -: أَنَّ اتخاذ الولد، والتبني - في الشاهد - إنما يكون لأَحد وجوهٍ ثلاثة تحوجه إلى ذلك:
إما لشهوات تغلبه؛ فيقضيها به.
وإما لوحشة تأْخذه؛ فيحتاج إلى من يستأْنس به.
أَو لدفع عدو يقهره؛ فيحتاج إلى من يستنصر به ويستغيث.
فإذا كان الله - عز وجل - يتعالى عن أَن تمسه حاجة، أَو تأْخذه وحشة، أَو يقهره عدو، فلأَي شيء يتخذ ولداً؟!.
وقوله: {بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}.
رد على ما قالوا: بأن من ملك السماوات وما فيها، وملك الأَرض وما فيها - لا تمسه حاجة، ولا يقهره عدو؛ إذ كل ذلك ملك له، يجري فيهم تقديره، ويمضي عليهم أَمره وتدبيره، وإنما يرغب إلى مثله إذا اعترض له شيء مما ذكرنا، تعالى الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.
فإن عورض بالخلة، قيل: إن الخلة تقع على غير جوهرِ مَنْ منه الخلة، والولدُ لا يكون إلا من جوهره، وإلى هذا يذهب الحسن.
والثاني: أَن الخلة تقع لأَفعال تكتسب، وتسبق منه، فيعلو أَمره، وترتفع مرتبته؛ فيستوجب بذلك الخلة بمعنى الجزاء، وأَما الولد فإنه لا يقع عن أَفعال تكتسب، بل بدو ما به استحقاقه يكون من مولده. وقد نفى عن نفسه ما به يكون بقوله:
{ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَٰحِبَةٌ } [الأنعام: 101].
والثالث: ما قاله الراوندي: أَنه لا بد من أَن يدعى إلى التسمى، أَو إلى التحقيق؛ إذ في الخلة تحقيق ما به يسمى.
ثم لم يحتمل في هذا تحقيق ما به يسمى، والاسم لم يرد به الإذن، وبالله التوفيق.
ويحتمل قوله: {بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} وجهاً آخر، وهو أَن يقال: إن ما في السماوات وما في الأَرض، كلهم عبيده وإِماؤه، فأَنتم مع شدة حاجتكم إلى الأَولاد لا تستحسنون أَن تتخذوا عبيدكم وإِماءكم أولاداً، فكيف تستحسنون ذلك لله - عز وجل - وتنسبون إليه مع غناه عنه؟ وبالله التوفيق.
وقوله: {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ}.
قيل فيه بوجوه:
قيل: إن كل من في السماوات والأرض من الملائكة، وعيسى، وعُزير، وغيرهم - من الذين قلتم: إنه اتخذهم ولداً - قانتون له، مُقِرُّون بالربوبية له، والعبودية لأَنفسهم له.
وقيل: {قَانِتُونَ}: مطيعون؛ أي: كلهم مطيعون متواضعون.
وقيل: القانت: هو القائم، لكن القائم على وجهين: يكون القائم المنتصب على الأَقدام، ويكون القائم بالأَمر والحفظ.
ثم لا يحتمل أَن يراد بالقانت هاهنا: المنتصب بالقدم؛ فرجع إلى الطاعة له وحفظ ما عليه، وهو كقوله:
{ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } [الرعد: 33] من الحفظ والرزق.
ويحتمل: تنزيه الخلقة؛ لأَن خلقة كل أحد تنزه ربه عن جميع ما يقولون فيه.
أَو أَن يقال: {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} في الجملة؛ كقوله:
{ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } [الزخرف: 87].
وقوله: {بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}.
ابتدعهما ولم يكونا شيئاً.
والبديع والمبدع واحد؛ وهو الذي لم يسبقه أَحدٌ في إنشاءِ مثله؛ ولذلك سمي صاحب الهوى: مبتدعاً؛ لمَّا لم يسبقه في مثل فعله أَحد.
ثم فيه الحجةُ على هؤلاء الذين قالوا: اتخذ الله ولداً، يقول: إن من قدر على خلق السماوات والأَرض من غير شيء، ولا سبب، كيف لا يقدر على خلق عيسى من غير أَب؟!
والثاني: أَن يقال: إِن من له القدرةُ على خلق ما يصعب، ويعظم في أَعينكم، بأَقل الأَحرف عندكم - كيف لا يقدر على خلق عيسى من غير أَب؟!
وقوله: {وَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ}.
قيل: وإذا حكم حكماً: فإنما يقول له: كن فيكون.
وقيل: {وَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً}؛ يعني قضى بإهلاك قوم واستئصالهم {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}.
ثم قوله: {كُنْ فَيَكُونُ}.
ليس هو قول من الله: أَن كُنْ - بالكاف والنون - ولكنه عبارة بأَوجز كلام، يؤدي المعنى التام المفهوم؛ إذ ليس في لغة العرب كلام التحقيق بحرفين يؤدي المعنى المفهوم أَوجز من هذا، وما سوى هذا فهو من الصِّلات، والأَدوات، فلا يفهم معناها، والله أعلم.
ثم الآية تردُّ على من يقول: بأَن خلق الشيء هو ذلك الشيء نفسه؛ لأَنه قال: {وَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً} ذكر "قَضى" وذكر "أَمْراً"، وذكر "كُنْ فَيَكُونُ". ولو كان التكوين والمكون واحداً لم يحتج إلى ذكر كن في موضع العبارة عن التكوين فالـ "كن" تكوينه، فيكون المكون؛ فيدل أنه غيره.
ثم لا يخلو التكوين: إما أَن لم يكن فحدث، أَو كان في الأَزل.
فإن لم يكن فحدث، فإِما أَن يحدث بنفسه - ولو جاز ذلك فى شيء لجاز في كل شيء - أَو بإِحداث آخَر، فيكون إحداث بإحداث، إِلى ما لا نهاية له. وذلك فاسد، ثبت أَن الإِحداث والتكوين ليس بحادث، وأَن الله تعالى موصوف في الأَزل أَنه محدث، مكون؛ ليكون كل شيء في الوقت الذي أراد كونه فيه، وبالله التوفيق.
وقوله: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ}.
قيل فيه بوجوه:
قيل: الَّذِينَ لا يعلمون، يعلمون في الحقيقة، ولكن سماهم بذلك؛ لما لم ينتفعوا بعلمهم.
وقيل: لا يعلمون توحيدَ ربهم؛ وهم مشركو العرب. قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: هلا يكلمنا الله، أَو تأْتينا آية فتُخبرنا بأَنك رسوله.
وقيل: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ}، أَي: لا يعلمون أَنهم لم يبلغوا المبلغ الذي يتمنون تكليم الله إياهم.
وقيل: {لاَ يَعْلَمُونَ} أَنه قد كلمهم وأَخبرهم بالوحي، وإيتاء رسوله صلى الله عليه وسلم آياتٍ على رسالته، لكنهم يعاندون.
وقوله: {كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّثْلَ قَوْلِهِمْ}.
قيل: الذين من قبلهم: بنو إسرائيل؛ قالوا لموسى مثل ما قال مشركو العرب لمحمد صلى الله عليه وسلم، وهو قوله:
{ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا } [الفرقان: 21].
وقيل: اليهود سأَلوا مثل سؤال النصارى.
وقيل: النصارى سأَلوا مثل سؤال اليهود، والله أعلم.
وقوله: {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ}.
بالكفر والسفه.
وقيل: تشابهت قلوبهم في المقالة؛ يشبه بعضُها بعضاً في السؤال؛ لأَنهم سأَلوا سؤال تعنت، لا سؤال مسترشد.
وقوله: {كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}.
يحتمل وجهين:
أَحدهما: هذا القول.
والثاني: أَن يسأَلوا سؤال التعنت والعتو، لا سؤال مسترشد؛ إذ الله - تعالى - قد أَثبت آيات الإرشاد لمن يبتغي الرشد، ولا قوة إلا بالله.
وقوله: {قَدْ بَيَّنَّا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}.
قيل: بينا أَمر محمد صلى الله عليه وسلم بالآيات، والحجج التي أقامها: أَنه رسول لمن آمن به، وصدقه، ولم يعانده.