التفاسير

< >
عرض

يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
٢١
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
٢٢
وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ
٢٣
فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ
٢٤
وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ
٢٥
-البقرة

تأويلات أهل السنة

قوله: {يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ}.
فالخطاب يحتمل الخصوص والعموم.
وقوله: {ٱعْبُدُواْ}: وحدوا ربكم.
جعل العبادة عبارةً عن التوحيد؛ لأَن العبادة التي هي لله لا تكون ولا تخلص له إلا بالتوحيد. ويقال: {ٱعْبُدُواْ}؛ أي: أَطيعوا له؛ اجعلوا عبادتكم لله، لا تعبدوا غيره، في كلا التأْويلين يرجع إلى الكفرة.
ويقال: {ٱعْبُدُواْ}؛ أَي: أَطيعوا له.
والعبادة جعل العبد كُلِّيته لله قولاً، وعملاً، وعقداً، وكذلك التوحيد، والإسلام.
والطاعة ترجع إلى الائتمار؛ لأَنه يجوز أن يطاع غير الله، ولا يجوز أَن يعبد غير الله؛ لأن كل من عمل بأَمرِ آخر فقد أطاعه؛ كقوله:
{ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } [المائدة: 92] ولا كل من عمل بأمر آخر فهو عابدٌ له، وبالله نستعين.
ثم بين الذي أَمر بالتوحيد إياه وبالعبادة له خالصاً، فقال: {ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}.
والذين تعبدونهم لم يخلقوكم، ولا خلقوا الذين من قبلكم، فكيف تعبدونهم دون الذي خلقكم؟! وبالله التوفيق.
وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.
يحتمل وجهين:
يحتمل: تتقون المعاصي، والمناهي، والمحارم التي حرم الله عليكم. فإذا كان هذا هو المراد فذلك راجع إلى المؤمنين.
ويحتمل قوله: {تَتَّقُونَ} الشرك وعبادة غير الله، فذلك راجع إلى الكفرة.
قال الشيخ: الأَحسن في الأَمر بالتقوى والتوحيد أَن يجعل عامّاً، وفي الخبر عن التقوى خاصّاً.
{لَعَلَّكُمْ} أي: كي تتقوا.
وقوله: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ}.
بَيَّنَ اتقاء الذي أَمر بالتوحيد له، وتوجيه العبادة إليه، وإخلاص النية له؛ فقال: الذي فرش لكم الأَرض لتنتفعوا بها، وتقضوا حوائِجكم فيها، من أنواع المنافع عليها، واتخاذ المستقر والمسكن فيها.
{وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً} أي: رفع السماء بناء.
والسماء: كل ما علا وارتفع، كما يقال لسقف البيت: سماء؛ لارتفاعه.
وسمى السماء بناء - وإن كان لا يشبه بناء الخلق - حتى يعلم أَن البناء ليس اسم ما يبني الناس خاصة.
ثم بين بقوله: {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ}.
أي: وجهوا العبادة إلى الذي ينزل لكم من السماء ماء عند حوائِجكم، ولا تعبدوا من تعلمون أنه لم يخلقكم، ولا أَنزل لكم من السماء ماء، ولا أخرج لكم من ذلك الماءِ ثمرات تكون رزقاً لكم.
بل هو الله الواحد الذي لا شريك له؛ ولأَنه يخلقكم، ويرزقكم، ويخرج لكم من ذلك الماء المنزل من السماء رزقاً تأْكلونه، وماء عذباً تشربونه.
وفي الآية دلالة أن المقصود في خلق السماءِ والأَرض، وإنزال الماءِ منها، وإخراج هذه الثمرات وأَنواع المنافع - بنو آدم، وهم الممتحنون فيها؛ بدلالة قوله: {جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً} وما ذكر من المخرج والمنزل منها، وما ذكر في آية أخرى:
{ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ } [الجاثية: 13]، ومنه: { وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ } [إبراهيم: 33، النحل: 12]، { وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ } [إبراهيم: 32] مما يكثر من الآيات.
أضاف ذلك كلَّه إلينا، ثم جعل - عز وجل - بلطفه مَنافع السماءِ متصلة بمنافع الأرض على بُعْدِ ما بينهما من المسافة، حتى لا تخرج الأَرض شيئاً إلا بما ينزل من السماء من الماء؛ ليعمل أَن منشىء السماءِ هو منشىء الأَرض؛ لأَنه لو كان منشىء هذا غير منشىء الآخر لكان لا معنى لاتصال منافع هذا بمنافع الآخر على بُعْدِ ما بينهما، ولتوهم كون الاختلاف من أَحدهما للآخر.
فإذا كان كذلك دل على أَن منشئهما واحد، لا شريك له ولا ند.
ثم زعم قوم: أَن الأَشياء كلها حِلٌّ لنا، طلق، غير محظور علينا، حتى يجىء ما يحْظر، فاستدلوا بظاهر هذه الآية بقوله: {رِزْقاً لَّكُمْ}، وبقوله:
{ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً } [البقرة: 168].
وقال آخرون: لا يدل ذلك على الإباحة؛ وذلك أَن الأَشياء لم تَصِرْ لنا من كل الوجوه، فهو على الحظْر حتى تجيء الإباحة، ولأَن الأَشياء لا تحل إلا بأَسباب تتقدم؛ فظهر الحظْر قبل وجود الأَسباب، فهو على ذلك حتى يجيء ما يُحل ويُبيح.
أَو أَن يقال: خلق هذه الأَشياء لنا محنة امتحنا بها، أَو فتنة فتنا بها؛ كقوله:
{ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ } [الأنفال: 28] فُتنَّا بها؛ وكقوله: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ... } الآية [البقرة: 155]، ولأَن في العقل ما يدفع حمل الأَشياء كلها على الإِباحة، لما في ذلك فساد الخلق، وتفانيهم.
فبين لِكل منه مِلْكاً على حدة بسبب يكتسب به؛ لئلا يحملهم على التفاني والفساد، وبالله نستعين.
وقوله: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً}.
أي: أَعدالاً، وأَشكالاً في العبادة، وكله واحد.
ند الشيء: هو عِدْلُهُ، وشكلُه: هو مثلُه.
وقوله: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.
الأَول: أَن لا نِدَّ، ولا عِدْل، ولا شكل؛ لما أَراكم من إِنشاءِ هذه الأَشياء ولم تروا من ذلك ممن تعبدونه شيئاً.
والثاني: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} لما أَنشأَ فيكم من الأَشياءِ ما لو تدبرتم وتفكرتم وتأَملتم، علمتم أنه لا نِدَّ له ولا شكل له؛ كقوله:
{ وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } [الذاريات: 21].
وقوله عز وجل: {وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا}.
من القرآن أنه مُخْتَلَق مفترى، وأنه ليس منه؛ كقولهم:
{ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ } [ص: 7]، وقولهم: { مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى } [سبأ: 43]، و { مَا هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ } [القصص: 36].
وقوله: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ}.
أي: ائْتوا أَنتم بمثل ما أَتى هو؛ إذ أَنتم وهو سواء في الجوهر والخلقة واللسان، ليس هو أَولى بذلك منكم؛ أَعني: في الاختلاق.
وقوله: {وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ}.
أي: استعينوا بآلهتكم الذين تعبدون من دون الله، حتى تعين لكم على إتيان مثله إن كنتم صادقين في مقالتكم أنه مختلق مفترى.
ويقال: {وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم}. يعني شعراءَكم وخطباءَكم ليعينوكم على إتيان مثله.
ويقال: ادعوا شهداءَكم من التوراة، والإنجيل، والزبور، وسائِر الكتب المنزلة على الرسل السالفة أنه مختلق مفترى.
وقوله: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ}.
يحتمل وجوهاً:
يحتمل أنهم أَقروا على أَثر ذلك بالعجز عن إتيان مثله من غير تكلف ولا اشتغال كان منهم لما دفع عز وجل عن أطماعهم إتيان مثله نظماً، ولا اجتهدوا كل جهدهم، وتكلفوا كل طاقتهم على إطفاءِ النور ليخرج قولهم على الصدق بأَنه مُختلقٌ مفترى، ويظهر كذب الرسول صلى الله عليه وسلم: أَنه كلام رب العالمين.
فدل إقرارهم بالعجز عن إتيان مثله، وترك اشتغالهم بذلك: أَنه كلام رب العاليمن، مُنَزَّل على نبيه ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وقوله: {فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ}.
الوَقود بالنصب هو الحَطب، وبالرفع هو النَّار.
أَخبر عز وجل أن حَطبها الناس كلما احترقوا أُعيدوا وبُدِّلوا؛ كقوله:
{ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا } [النساء: 56].
والحجارة فيه وجهان:
قيل: هي الكبريت.
وقيل: الحجارة بعينها لصلابتها، وشدتها أشد احتراقاً، وأكثر إحماءً.
وقوله: {أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ}.
في الآية دلالة أنها لم تعدّ لغير الكافرين.
وهي تنقض على المعتزلة قولهم حيث خلدوا صاحب الكبيرة في النار، ولم يطلقوا له اسم الكفر، وفي زعمهم أَنها أُعدت للكافرين أيضاً، وإن كان تعذيب المؤمن بمعاصيَ يرتكبها، وأَوزار حملها، وفواحش تعاطاها؛ وذلك أَن الله يعذب من يشاء بما شاءَ، وليس إلى الخلق الحكم في ذلك؛ لقوله:
{ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً } [الكهف: 26].
فإن قالوا: إن أَطفال المشركين في الجنة، والجنة لم تُعدَّ لهم، وإنما أُعدت للمؤمنين، ثم جاز دخول غيرهم فيها وتخليدهم. وكذلك النَّار وإن كانت معدة للكافرين، جاز لغير الكافر التعذيب والتخليد فيها، كقوله:
{ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ... } الآية [آل عمران: 106] شرط الكفر بعد الإيمان.
ثم من ينشأ على الكفر، والذي كفر بعد الإيمان سواء في التخليد، فكذلك مرتكب الكبيرة، والكافر، سواء في التخليد.
فيقال لهم: إن كل كافر تشهد خلقته على وحدانية ربه؛ فإذا ترك النظر في نفسه، واختار الاعتناد فصار كَكُفْرٍ بعد الإيمان؛ لأَنه لم يكن مؤمناً ثم كفر.
وأَما قولهم في الأَطفال؛ فإنهم إنما خُلِّدوا الجنة جزاء لهم من ربهم، ولله أَن يعطي الجزاءَ من شاءَ بلا فعل، ولا صنع كان منه؛ فضلاً وكرامة، وذلك في العقل جائِز إعطاء الثواب بلا عمل على الإفضال والإكرام.
وأَما التعذيب فإنه غير جائِز في العقل بلا ذنب يرتكبه، والله أعلم.
وقوله: {وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ}.
الآية تنقض قول من جعل جميع الطاعات إيماناً؛ لما أثبت لهم اسم الإيمان، دون الأَعمال الصالحات، غير أَن البشارة لهم، وذهاب الخوف عنهم إنما أُثبت بالأَعمال الصالحات.
ويحتمل: الأَعمال الصالحات: عمل القلب، وهو أن يأْتي بإيمان خالص لله، لا كإيمان المنافق بالقول دون القلب.
وقوله: {أَنَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ}.
يعني بساتين.
وقوله: {مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ} قيل فيه بوجوه:
قيل: إن البساتين ليست هي اسم الأَرض والبقعة خاصة، ولكن ما يجمع من الأشجار، وما ينبت فيها من أَلوان الغروس المثمرة فعند ذلك يسمى بستاناً.
وقوله: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ} أي: من تحت أشجارها، وأغراسها الأَنهار.
وقيل: من تحتها: مما يقع البصر عليها، وذلك أَنزه عند الناس، وأَجلى، وأَنبل.
وقيل أَيضاً: من تحتها أَي: من تحت ما علا منها [من القصور والغرف]، لا تحت الأَرض مما يكون في الدنيا في بعض المواضع يكون الماء تحت الأَرض.
دليله [قوله صلى الله عليه وسلم]:
"تحت كل شعرة جنابة" ؛ أي: تحت ما علا، لا تحت الجلد؛ فكذلك الأَول من تحت ما علا منها من القصور، والغرف، والله أعلم.
وقوله: {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ}.
قيل فيه وجوه:
{رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} في الدنيا.
وقيل: {رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} أَي: هذا الذي وعدنا في الدنيا أَنَّ في الجنة هذا.
وقيل: {رُزِقْنَا مِن قَبْلُ}، في الجنة قبل هذا.
وقوله: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً}.
قيل فيه بوجوه:
قيل: {مُتَشَٰبِهاً} في المنظر، مختلفاً في الطعم.
وقيل: {مُتَشَٰبِهاً} في الطعم مختلفاً في رأْي العين والأَلوان؛ لأَن من الفواكه ما يستلذ بالنظر إليها دون التناول منها.
وقيل: {مُتَشَٰبِهاً} في الحسن والبهاءِ.
وقوله: {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ}.
قيل فيه بوجوه:
{مُّطَهَّرَةٌ} من سوءِ الخلق والدناءَة، ليس كنساءِ الدنيا لا يسلمن عن ذلك.
وقيل: {مُّطَهَّرَةٌ} من الأَمراض، والأَسقام، وأَنواع ما يبلى به في الدنيا من الدرن، والوسخ والحيض.
وقيل: {مُّطَهَّرَةٌ} لصفاءِ جوهرها؛ كما يقال: يرى مخَّ ساقيها من كذا وكذا.
وقيل: {مُّطَهَّرَةٌ} مختارة مهذبة.
وقوله: {وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ}.
أي: يقيمون أَبدا.
فالآية ترد على الجهمية قولهم؛ لأَنهم يقولون بفناءِ الجنة، وفناءِ ما فيها؛ يذهبون إلى أَن الله تعالى هو الأَول، والآخر، والباقي، ولو كانت الجنة باقية غير فانية لكان ذلك تشبيهاً.
لكن ذلك وهمٌ عندنا؛ لأَن الله تعالى هو الأَول بذاته، والآخر بذاته، والباقي بذاته، والجنةُ وما فيها باقيةٌ بغيرها.
ولو كان فيما ذكر تشبيه لكان في العالم، والسميع، والبصير تشبيه، ولكان في الخلق أيضاً في حال البقاءِ تشبيه، فإذا لم يكن فيما ذكرنا تشبيه لم يكن فيما تقدم تشبيه.
وأيضاً: فإن الله تعالى جعل الجنة داراً مطهرة من المعايب كلها؛ لما سماها دار قدس، ودار سلام.
ولو كان آخرها للفناءِ كان فيها أَعظم المعايب؛ إذ المرء لا يهنأُ بعيش إذا نغص عليه بزواله؛ فلو كان آخره بالزوال كان نعمة منغصة على أَهلها؛ فلما نزه عن العيوب كلها - وهذا أَعظم العيوب - لذلك كان التخليد لأَهلها أَولى بها.