التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ
٢٦
ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَٰقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأرْضِ أُولَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ
٢٧
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
٢٨
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
٢٩
-البقرة

تأويلات أهل السنة

قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}.
كأن هذا - والله أعلم - يخرج جواباً على أثر قول قاله الكفرةُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم - على ما ذكره بعض أَهل التأْويل - فقالوا: ما يستحي ربك أَن يذكر البعوض والذباب ونحوها مما يصغر في نفسه، وملوكُ الأَرض لا يذكرون ذلك، ويستحيون؟
فقال عز وجل جواباً لقولهم: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى...} الآية.
لأَن ملوك الأَرض إنما ينظرون إلى هذه الأَشياءِ بالاسحقار لها، والاستذلال؛ فيستحيون ذكرها على الإنكاف، والأَنَفَة.
والله - عز وجل - لا يستحيى عن ذلك؛ لأَن الأعجوبة في الدلالة على وحدانية الله تعالى وربوبيته في خلق الصغير من الجثة والجسم، أَكبر من الكبارِ منها والعظام؛ لأَن الخلائق لو اجتمعوا على تصوير صورة من نحو البعوض والذباب، وتركيب ما يحتاج إليه من الفم والأَنف والرجل واليد والمدخل والمخرج - ما قَدروا، ولعلهم يقدرون على ذلك في العظام من الأَجسام والكبار منها.
فأُولئك لم ينظروا إليها لما فيه من الأعجوبة واللطافة، ولكن نظروا للحقارة، والخساسة أنفاً منهم وإِنكافاً.
ثم اختلف أَهل الكلام في إضافة الحياءِ إِلى الله تعالى:
فقال قوم: يجوز ذلك بما رُوي في الخبر: "أَن الله يستحيى أَن يعذب من شاب فى الإسلام" ولأنه يجوز كالتكبر، والاستهزاءِ، والمخادعة، وقد ذكرنا الوجه فيما تقدم. وقال آخرون: لا يجوز إضافته إلى الله تعالى؛ لأَن تحته الإِنكاف والأَنفه، وذلك عن الله تعالى مَنْفِيٌّ، ولكن الحياء هو الرضاء هاهنا، والحياء الترك؛ أَي: لا يترك ولا يدع.
وقوله: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ}.
أي: علموا أن ضرب المثل بما ذكر من صغار الأَجسام والجثة حق؛ لما نظروا إلى ما فيها من الأُعجوبة والحكمة واللطافة.
وقوله: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً}.
لم ينظروا فيها لما فيها من الأُعجوبة والحكمة، ولكن نظروا للخساسة والحقارة.
وقوله: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً}.
الآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأَنه جواب قولهم: {مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً} فقال: أَرَاد أَن يضل بهذا المثل كثيراً، وأَراد أن يهدي به كثيراً، أَضل به من علم منه أَنه يختار الضلالة، ويهدي به من علم أَنه يختار الهدى، أراد من كل ما علم منه أَنه يختار ويُؤثر، والله أَعلم.
وهم يقولون: بل أَراد أن يهدي به الكلَّ ولكنهم لم يهتدوا.
والثاني: يُضلُّ به كثيراً؛ أَي: خَلَقَ فِعْلَ الضلالة من الضال، وخلقَ فعل الاهتداءِ من المُهتدِي. وقد ذكرنا فيما تقدم.
وقوله: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ}.
أي: ما يُضِل بهذا المثَل إلا الفاسق الذي لا ينظر إلى ما فيها من الأُعجوبة واللطافة في الدلالة.
وقوله: {ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَٰقِهِ}.
عهد الله يكون على وجهين:
عهدُ خِلْقةٍ؛ لما يشهد خَلْقه كُلُّ أحدٍ على وحدانية الرب؛ كقوله:
{ وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } [الذاريات: 21].
وكقوله:
{ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ... } الآية [الروم: 8]. إنه إن نظر في نفسه وتأَمل عرف أَن له صانعاً وأَنه واحد لا شريك له.
وعَهْدُ رسالةٍ على أَلْسِنة الأَنبياءِ والرسل عليهم السلام؛ كقوله:
{ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي... } الآية [المائدة: 12].
وكقوله:
{ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ... } الآية [آل عمران: 187].
فنقضوا العهدين جميعاً؛ عهدَ الخلقة، وعهد الرسالة.
وقوله: {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ}.
يَحْتَمِل وجهين:
يقطعون الإيمان ببعض الرسل وقد أُمروا بالوصل؛ كقوله:
{ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ } [النساء: 150].
وقيل: يقطعون ما أمر الله أَن يوصل من صلة الأرحام.
وقوله: {وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأرْضِ}.
قيل فيه بوجهين:
يفسدون بما يأمرون في الأرض بالفساد؛ كقوله:
{ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ } [التوبة: 67].
وقيل: يفسدون، أي: يتعاطَوْن بِأنفسهم في الأَرض بالفساد؛ كقوله:
{ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً } [المائدة: 33، 64].
وقوله: {أُولَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ}.
يحتمل أَيضاً وجهين:
خسروا لما فات عنهم، وذهب من المنى والأَماني في الدنيا.
ورُوي عن الحسن أَنه قال في قوله: {هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ}: أي: قذفوا أَنفسهم - باختيارهم الكفر - بين أَطباق النار؛ فذلك هو الخسران المبين.
وقوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ}.
يحتمل وجوهاً:
"كيف": من أَين ظهرت لكم الحجةُ أَن تعبدوا من دون الله من الأَصنام وغيرها أَنه حق، ولم يظهر لكم منها الإنشاء بعد الموت، ولا الإِماتةُ بعد الإِحياءِ؟
وقيل: كيف تكفرون بالبعث بعد الموت {وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً} يعني نُطَفاً {فَأَحْيَٰكُمْ}، وأَنتم لا تنكرون إنشاء الأَول فكيف تنكرون البعث والإِحياء بعد الموت؟
وقيل: كيف تكفرون بالإِحياءِ والبعث بعد الموت، وفي العقل أن خَلْقَ الخلْق للإِفناءِ والإماتة من غير قصد العاقبةِ عبثٌ ولعبٌ؛ لأَن كل بانٍ بنى للنقض فهو عابث، وكذلك كل ساع فيما لا عاقبة له فهو عابث هازل، فكيف تجعلون فعله عز وجل؛ إذ لو لم يجعل للخلق داراً للجزاءِ، والعقاب كان في خلقه إياهم عابثاً هازلاً خارجاً من الحكمة؟! تعالى عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.
وقوله: {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.
أَي: تعلمون أَنكم تُرجَعون إليه، وكذلك المصير والمآب.
والثاني: ترجعون إلى ما أعَدَّ لَكُم من العذاب. احتج عليهم بما أَخبرهم الله أَنه أَنشأَهم بعد الموتة الأُولى، وأنه يبعثهم بعد الموتة الأُخرى {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} كأَنه يقول: ثم اعلموا أَنكم إليه ترجعون.
قوله: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً}.
قيل: إنه صلة قوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً} أي: كيف تكفرون بالذي خلق لكم ما في الأرض ما يدلكم على وحدانيته؛ لأَنه ليس شيء من الأرض إلا وفيه دلالة وحدانيته.
ويحتمل: كيف تكفرون بالذي خلق لكم ما في الأَرض نعيماً من غير أَن كان وجب لكم عليه حق من ذلك لتشكروا لَهُ عليها، فكيف وجََّهتم أنتم الشكر فيها إلى غيره؟
ويحتمل {خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ}: محنة يمتحنكم بها في الدنيا؛ كقوله:
{ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } [الملك: 2] ثم لتجزون في دار أخرى فكيف أنكرتم البعث؟!
وفي بيان حكمةِ خلق الخلق في الدنيا للفناءِ، والإحياء للآخرة - حكمةٌ، وفي إنكارها ذهاب الحكمة.
وقوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ}.
قيل فيه بوجوه:
قيل: استوى إلى الدخان؛ كقوله:
{ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ } [فصلت: 11].
وقيل: استوى: تمَّ؛ كقوله:
{ بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ } [القصص: 14] أي: تَمَّ.
وقيل: استوى: أَي: استولى.
والأَصل عندنا في قوله:
{ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ } [فصلت: 11] و { ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } [الأعراف: 54]، وغيرها من الآيات من قوله: { وَجَآءَ رَبُّكَ... } الآية [الفجر: 22]، وقوله: { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ... } الآية [البقرة: 210] من الآيات التي ظنت المشبِّهةُ أَن فيها تحقيق وصف الله تعالى بما يستحق كثيرٌ من الخلق الوصفَ به على التشابه.
في الحقيقة إنها تحتمل وجوهاً:
أحدها: أَنْ نَصِفَهُ بالذي جاء به التنزيل على ما جاء، ونعلم أَنه لا يشبه على ما ذُكر من الفعل فيه بغيره؛ لأنك بالجملة تعتقد أن الله ليس كمثله شيء، وأنه لا يجوز أَن يكون له مثل في شيء؛ إذ لا يوجد حدثه فيه، أَو قدم ذلك الشيء من الوجه الذي أشبه الله.
وذلك مدفوع بالعقل والسمع جميعاً، مع ما لم يجز أَن يقدر الصانع عند الوصف بالفعل كغيره، وأنه حي، قدير، سميع، بصير، نفى ما عليه أمر الخلق لما يصير بذلك أَحد الخلائق.
وإذا بطل هذا بطل التشابه وانتفى، ولزم أَمر السمع والتنزيل على ما أَراد الله. وبالله التوفيق.
والثاني: أَن يمكن فيه معان تُخرِج الكلام مَخْرج الاختصار والاكتفاءِ بمواضع إفهام في تلك المواضع على إتمام البيان، وذلك نحو قوله:
{ وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ } [الفجر: 22] أَي: بالملك. وذلك كقوله: { فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ... } [المائدة: 24] أَي: بربك {فَقَاتِلاۤ}؛ إذ معلوم أَنّه يقاتل بربه؛ ففهم منه ذلك.
وكذلك معلم أَن الملائكة يأتُون، فكأنه بين ذلك.
يدل عليه قوله:
{ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } [الأنبياء: 27]، وكذلك { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ... } الآية: [البقرة: 210].
ومما يوضح أَنه لم يكن أَحدٌ اعتقد أَو تصوَّر في وهْمِه النظرُ لإتيان الربِّ ومجيئه، ولا كان بنزوله وعد بنظر. وكان بِنزولِ الملائِكة؛ كقوله:
{ يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَىٰ... } الآية [الفرقان: 22]، وقوله: { مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ } [الحجر: 8]. فيما ذكرنا عظيمُ أَمرهم، وجليلُ شأْنهم، ومثله في قوله: { ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ } [طه: 5] مع ما له وجهان:
أَحدهما: أَن يكون معنى العرش الْملك والاستواءُ التام الذي لا يوصف بنقصان في ملك، أَو الاستيلاءُ عليه، وألا سلطان لغيره، ولا تدبير لأَحد فيه.
والثاني: أَن يكون العرش أَعلى الخلق وأَرفعه.
وكذلك تقدرُه الأَوهام؛ فيكون موصوفاً بعلوه على التعالي عن الأمكنة، وأَنه على ما كان قبل كون الأَمكنة، وهو فوق كل شيءٍ؛ أي بالغلبة، والقدرة، والجلال عن الأَمكنة، ولا قوة إلا بالله.
وأَصله ما ذكرنا: ألا نُقَدِّرَ فعلَه بفعل الخلق، ولا وصفه بوصف الخلق؛ لأَنه أخبر أنه
{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [الشورى: 11].
وقوله: {فَسَوَّٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.
مرة قال: {فَسَوَّٰهُنَّ}، ومرة قال:
{ خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ } [الملك: 3]، ومرة قال: { فَقَضَٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ } الآية [فصلت: 12]، ومرة قال: { بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ } [البقرة: 117]. وكله يرجع إلى واحد.