التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ
٣٠
وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ
٣١
قَالُواْ سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ
٣٢
قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
٣٣
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ
٣٤
وَقُلْنَا يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ
٣٥
فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَٰنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ
٣٦
فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ
٣٧
قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ
٣٨
وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ أُولَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ
٣٩
-البقرة

تأويلات أهل السنة

قوله: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ}.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: القول فيما يتوجه إليه مما تضمن قصة آدم عليه السلام من سورة البقرة، والكشفُ عما قال فيها أهل التفسير من غير شهادة لأَحد منا لإصابة جميع ما فيه من الحكمة أَو القطع على تحقيق شيءٍ، ووجهوا إليه بالإِحاطة.
ولكن الغالب مما يحتمله تدبير البشر، ويبْلغه مبلغ علمنا مما يجوز أَن يوصَف به أَهلُ المحنة، وإن كان تنزيه الملائِكة عن كل معنى فيه وحشةٌ أَوْلى بما وصفهم الله من الطاعة بقوله:
{ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [التحريم: 6].
وقوله:
{ وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً } إلى قوله: { لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ... } الآية [الأنبياء: 27].
وقوله:
{ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ... } الآية [النحل: 50].
وقوله:
{ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ } [الأنبياء: 19].
وما جاءَت به الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وصف طاعتهم لله ومواظبتهم على العبادة.
وما لا يذكر عن أحد من الرسل وصف ملك بالمعصية، بل إنما ذلك يذكر عن بعض السلف مما لا لوم في مخالفته في فروع الدين، فضلاً من أَن يبسط اللسان في ملائِكة الله سبحانه، وبالله المعونةُ والعصمة.
قال الله تعالى لملائِكته: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ...} الآية.
زعم قوم أن هذا زلةٌ منهم، لم يكن ينبغي لهم أن يقابلوا قوله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} بهذا؛ لما يخرج مخرج الاستعتاب بقولهم: أَتفعل ونحن نفعل كذا؟! كالمنكرين لفعله.
وأَيدوا ذلك بقوله عز وجل: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أنه لولا كان في ذلك طرف من الجهل يحذر عن مثله قائِلُه، لم يتبع قولهم هذا، ومعلوم عندهم أَن يكون هو يعلم ما لا يعلمون.
وأَيد ذلك بما امتحنهم بالإنباءِ عن أَسْماءِ الأَشياءِ، مقروناً بقوله: {إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ} ولولا أنه سبق منهم ما استحقوا عليه التوعد لم يكن لذلك الشرط عند القول: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ} فائِدة مع ما يوضع موضع التوبيخ والتهدد.
ومنهم من قال: إن قوله: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} قولُ إبليس، هو الذي تعرض بهذا القول، وإن كان الكلام مذكوراً باسم الجماعة؛ لأَنه جائِزٌ خطاب الواحد على إرادة الجماعة، وذكرُ الجماعةِ على إرادة الواحد، وإن كان خطاب الله تعالى لجملة ملائِكته حيث قال: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ...} الآية.
قوله: {أَنْبِئُونِي} بكذا، وهو يعلم أنهم لا يعلمون ذلك، ولا يحتمل أَن يأْمرهم بذلك وهم لا يعلمون. ولو تكلفوا الإخبار لَلَحِقَهم الكذبُ في ذلك.
ثبت أَن ذلك على التوبيخ والتهدد لما فرط منهم.
ويكشف عن ذلك أَيضاً عند اعترافهم بأن لا علم لهم إلا ما علمهم الله {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ...} الآية [البقرة: 33] ولو لم يكن منهم ما استحقوا به التأْديب والتنبيه عنْ غفلةٍ سبقت منهم، لم يكن لذلك كثيرُ معنى؛ إذ لا يخفى على الله عز وجل عِلْمُ ما ذكر من الكفرة الأَشقياءِ، فضلاً عن الكرام البررة.
ولكن قد يعاتب الأخيار عند الهفوة، والزلة بما يحل من خوف التنبيه والتوبيخ:
نحو قولِهِ:
{ وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } [آل عمران: 131].
وقوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
{ إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ... } الآية [الإسراء: 75].
ولملائِكته:
{ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ } [الأنبياء: 29].
واستجازوا إمكان العصيان عند المحنة.
ودليلُ المحنة ما بينا من الفعل بالأَمن والخوف المذكورين، وما مدحوا بعبادتهم لله تعالى، وما أوعدوا لو ادَّعَوا الألوهية؛ ولما لم يحتمل أن يُحمدوا على العبادة والطاعة فيما كان فعلهم على الخيْر والشر، ولا تعظم المحنة فيما لا يمكن المعصية، ولا تحتملها البنْية؛ إذ الطاعة هي في اتقاءِ المعصية.
وقال أيضاً:
{ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ } [التحريم: 6]، ولا يقال مثله لمن لا يحتمل فعل المعصية.
فثبت أن المعاصي منهم ممكنة؛ ولذلك خَطَرُ طاعاتهم، وعِظمُ قَدرِ عبادتهم، والممتَحَنُ مَخُوفٌ منه الزَّلة والهفوة، بل المعصية، وكل بلاء إلا أَن يعصمه الله تعالى ويحفظه، وذلك من الله إفضال وإحسان لا يُستَحقُّ قبلَه، ولا يُلْزمه أحدٌ من خلقه.
فجائِز الابتلاء به مع ما في زلة أمثالهم من ترك الرجاء بالخلق، وقطع الإِياس، والحث على الفراغ إلى الله تعالى بالعصمة والمعونة؛ إذ لم يقم لطاعته أحد وإن جَل قَدرُهُ عند ما وُكِل إلى نفسه مما يعلم الله أَنه يَختار في شيء الخلاف، لا أَنه يفزع إليه وينزع إليه.
وعلى ذلك معنى زَلات الرسل عليهم الصلاة والسلام.
وزعم قوم أَن ذلك ليس منهم بالزَّلة، بل الله تعالى عصمهم عنها، ولكن قوله: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} يخرج على وجهين:
أَحدهما: على السؤال بعد أَن أعلمهم الله أَنهم يفعلون؛ فقالوا: كيف يَفْعلون ذلك، وقد خلقتهم ورزقتهم وأَكرمتهم بأَنواع النعم، ونحن إذ خلقتنا نُسبِّحك بذلك، ونقدس لك؟!
أَو كيف تحتمل عقولهم عصياناً - مع عظم نعمتك عليهم - ونحن معاشر الملائِكة تأْبى علينا العقول ذلك؟!
فقال الله عز وجل: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}.
أَي: أَمْتحنهُم مع ما ركب فيهم من الشهوات التي - لغلبتها على أَنفسهم - تعتريهم أَنواع الغفلة، ويصعب عليهم التيقظ؛ لكثرة الأَعداء لهم، وغلبة الشهوات؛ فلما عظمت المحنة عليهم يكون منهم ذلك.
وهذا الوجه يخرج على سؤال الحكمة في خلق من يعصيه.
فأَخبر أَنه يعلم ما لا تعلمون؛ إذ بذلك بيان الأَولياءِ والأعداءِ، وبيان أن الله لا يخلق من يخلق لحاجته له، أو لمنفعة له؛ إذ لو كان كذلك لم يخلق من يخالفه في الفعل الذي أُمِر به.
وإنما خلق الخلق بعضهم لبعض عِبراً وعِظةً؛ فيكون في عقوبة العُصاة ووعيدهم مَزْجَرٌ لغيرهم وموعِظةٌ، ولغير ذلك من الوجوه.
والوجه الآخر: أَن يكون المعنى من قوله: {أَتَجْعَلُ فِيهَا} على الإيجاب، أَي: أَنت تفعل ذلك؛ إذ ليس عليك في خلق من يعصيك ضرر، ولا لك في خلق من يطيعك نفعٌ، جل ثناؤه، من أَن يكون فعلك لأحد هذين.
وذلك كقوله:
{ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ... } الآية [النور: 50] على إيجاب ذلك، لا على الاستفهام.
مع ما يحتمل أن الأَلف زائِدة؛ كقوله:
{ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ } [القصص: 19]. وقوله: { أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ } [فصلت: 9] بمعنى: إنكم وتريد، وذلك يرجع إلى الأول.
وقال: ومعنى قوله: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}: أن الله قد كان أخبرهم عن الذين يفسدون، ولم يكن أَعلمهم ما فيهم من الرسل والأَخيار، فهو يعلم ما لا تعلمون من الأَخيار فيهم؛ ولذلك ذكرَّهم عند سؤال الإنباءِ بما أَعلمهم من عظيم امتنانه على آدم أَن جعله بمعنى نبيىء إلى الملائكة بما علمهم الأسماء.
ولم يكن بلغ توهمهم أَن في البشر ما يحتاج المخلوقون من النور - الذي هو سبب رفع الأستار عن الأَشياءِ، وجلاء الأَشياءِ به - ثم يحتاجون في اقتباس العلم إلى من هو من جوهر التراب والماءِ الذي هو أصل الستر والظلمة.
فأَراهم الله بذلك ليعلموا أن ليس طريق المعرفة، والعلم بالأَشياءِ الخلقة، ولكن لطفُ الله وامتنانُه، ولا قوة إلا بالله.
وقال قوم: كان منهم من استحق العتاب من طريق الخطر بالقلوب، لا من طريق الزَّلة - التي هي العصيان - ولكنهم يعاتبون على أَمثال ذلك - وإن لم تبلغ بهم المعصية - لعلوّ شأْنهم، ولعظم قدرهم.
كما قد عاتب الله نبيه صلى الله عليه وسلم في أَشياءَ وإن لم يكن ذلك منه معصية؛ كقوله تعالى:
{ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ... } الآية [التوبة: 43].
وقوله:
{ وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ } [النساء: 107].
وقوله:
{ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ... } الآية [الأحزاب: 37]. ولم يكن إثْمٌ في ذلك، وقال {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ...} الآية [أول سورة التحريم]؛ [لأنه] من غير أَن كان منه عصان؛ فمثل ذلك أمر الملائِكة.
ثم تكلموا في معنى ذلك:
فمنهم من يقول: ظنوا أنهم أكرم الخلق على الله، وأَنه لا يُفَضِّل أَحداً عليهم.
ومنهم من يقول: ظنوا أَنهم أعلم من جميع من يخلق من جوهر النار أَو التراب؛ من حيث ذكرت من جوهرهم، أَو لعظم عبادتهم لله، وعلمهم بأَن في الجن والإِنس عصاة؛ فلهذا امتحنهم بالعلم، ثم بالسجود؛ لإظهار علو البشر وشرفه، وعظم ما أكرموا به من العلم.
ومنهم من [يقول: ظنوا أنهم فضلوا بفعلهم:] {نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}. وقوله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}.
قال قوم: يريد به آدم عليه السلام، يخلف الملائكة في الأرض ومن تقدمه من الجان.
وذلك بعيد؛ كأنهم قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} ولم يكن آدم - عليه السلام - بالذي كان يفسد في الأرض، ويسفك الدماء، بل كان يسبح بحمده ويقدس له.
ولكن يحتمل: أَن يريد آدم وولده - إلى يوم القيامة - أَن يجعل بعضهم خلفاء لبعض؛ كقوله:
{ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ } [النمل: 62]، أو يجعلهم خلفاء من ذكروا، إن صح الذي قالوا.
وجائِز أَن يكونوا على وجه الأَرض، إذ هي مخلوقة لهم قراراً ومِهاداً ومعاداً، وهم جُعِلوا سكانهَا وعُمَّارها - أَن يكونوا خلفاء، في إظهار أَحكام الله تعالى ودينه، كقوله لداود عليه السلام:
{ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ } [ص: 26] فجعله كذلك ليحكم بين أَهلها بحكم الله ولا يتبع الهوى، وبذلك أُمر بنو آدم.
وقولُه: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}.
قيل: بأَمرك.
وقيل: بمعرفتك.
وقيل: بالثناءِ عليك؛ إذ كانوا أَضافوا ذلك إلى أَنفسهم دون أن يذكروا عظيم مِنَّة الله عليهم بذلك، واختصاصَه إياهم بالتوفيق له؛ إذ كيف ذكروا من نُعُوت البشر شرَّ ما فيهم، دون أَن يحمَدوا الله - بما وفقوا له - أَو يدعوا للبشر بالعصمة والمغفرة مما ابتلوا.
ولذلك - والله أعلم - صَرفوا شغلهم من بعد إلى الاستغفار لمن في الأَرض، ونصر أَولياءِ الله، ولا قوة إلا بالله.
ومن الناس من أَخبر في ذلك: أَن إبليس سأَلهم: لو فُضِّل آدمُ عليهم، وأُمِروا بالطاعة له ما يصنعون؟
فأَظهر الله عز وجل أَنه علم ما كتم إِبليس من العصيان، وما أَظهروا هم من الطاعة.
وهذا شيء لا يعلم حقيقته؛ لأَن المعاتبة كانت في جملة الملائكة، والمخاطبة باالإِنباءِ، وما أُلحق به وأَمر بالسجود وكان في غيره.
ولم يحتمل أَن يكونوا يؤاخذون بسؤال إبليس اللعين.
ولكن يحتمل وجوه العتاب الإِخبار فيما لم يبلغوا العصيان، والله الموفق.
وقوله: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰئِكَةِ}.
يحتمل: أن يكون علم لهم.
ويحتمل: أن يكون علَّم بإِرسال ملك من غير الذين امتحنوا به. وفي ذلك تثبيت أحد وجهين:
إما أَن يكون العلم بالأَشياءِ حقيقة ضرورة، يقع عند النظر في الأسباب التي هي أَدلة وقوعه عند التأَمل فيها؛ نحو وقوع الدَّرك بالبصر عند النَّظر وفتح العين.
وإما أن يكون الله تعالى خلق فعل التعلم الذي يعلم المرء فيما يضاف فيه إلى الله تعالى أَنه علم.
وكذا قوله:
{ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ } [الرحمن: 4].
وكذا قوله:
{ وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ } [يس: 69]، ولا يحتمل هذه الأَسباب لما كانت له كلها، ولم يكن تعلَّم حقيقة ليؤذنه.
وكذلك قول الملائكة: {لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ} [البقرة: 32]، والله الموفق.
وقوله: {فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ}.
ظاهره أَمر، ولكنه يحتمل التوعد والمعاتبة على ما بينا، وذلك فى القرآن كثير.
وإن كان في الحقيقة أَمراً، ففيه دلالة جواز الأَمر فيما لا يعلمه المأْمور إذا كان بحيث يحتمل العلم به إلى ذي العلم تبين له إذا طلب واستوجب رتبة التعلم والبحث.
ويحتمل: أَن يكونوا نُبِّهوا حتى لا يسبق إليهم - عند إعلام آدم - أَن ذلك من حيث يدركونه لو تكلفوا.
أَو أَراد أن يريَهم آية عجيبة تدل على نبوته، ذكّرهم عجزهم عن ذلك، وألزمهم الخضوع لآدم عليه السلام في إفادة ذلك العلم له، كما قال عز وجل:
{ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ } [طه: 17] ذكره أَولاً حالَه وحالَ عَصاه، ليعلم ما أَراه ما في يده من آية نبوته على نبينا وعليه السلام.
وقوله: {إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ * قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ}.
قوله: {إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ} في المعاني التي ذكروا؛ إذ كنتم مذ خُلِقتم موصوفين بالصدق.
أو على تحذير القول بلا علم وكأَنه قال: واصدقوا، واحذروا القول بالجهل. وفي ذلك أَنهم لم يتكلفوا بالقول في شيء لم يعلمهم الله تعالى.
قال أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان: هذا يبطل قول المنجمة والعَافة بدعواهم على الغيب بلا تعليم ادَّعوه من الله تعالى.
وفي قصة آدم عليه السلام دلالة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذْ أَخبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بما علم بما في غير القرآن من الكتب السماوية من غير أَن عُرِف بالاختلاف إليهم، أَو معرفة الأَلسن التي بها ذكرت في كتبهم. ذكرَها على ما لم يَدِّع أَحدٌ - له العلمُ بها - النكيرَ عليه؛ ليُعلم أَنه بالله علم ذلك.
وفيها دلالة فضل آدم عليه السلام أَبِى البشر؛ إذ أَحوجَ ملائكتَه إليه لاقتباس أَصل الأَشياءِ، وهو العلم الذي كل خير له كالتابع، وبه يصلح وينفع، ولا قوة إلا بالله.
وفيها دلالة محنة الملائكة بوجهين:
أَحدهما: تعلُّمُهم العلم الذي هو أحق شيء يحتمل الخير؛ إذ قد يُلْهَم المرءُ ربما من غير تكلف، وهم قد أُمروا به مع ما قدم ما يخرج مخرج التهدُّد في القول من قوله: {أَنْبِئُونِي} وذلك - فيما لا محنة - فاسد مع ما سبق من دليل المحنة.
والثاني: فيما أمرهم بالسجود لآدم عليه السلام حتى صيّر مَنْ أَبَى كافراً إبليساً.
وفي ذلك أيضاً دليل فضل آدم عليه السلام؛ إذ جُعِل موضعَ عبادةِ خيار خلقِ الله معه، وبالله التوفيق
وفي ذلك أن السجود ليس بنفسه عبادةً؛ إذ قد يجوز السجود لأَحد من الخلق كما أمر به لآدم عليه السلام: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ} [البقرة: 34] ولم يجز الأمر بالعبادة لآدم، ولله اسم المعبود، ولو جاز لأحد ذلك لكان غيرُ الله إله.
دليل ذلك تسمية العرب كلَّ شيء يعبدونه إلهاً، ولا قوة إلا بالله.
ثم السجود يحتمل وجهين:
[الوجه الأول]: الخضوع كما قال الله تعالى:
{ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ... } الآية [الحج: 18].
وقوله:
{ وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ } [الرحمن: 6]، فإن كان المراد منه الخضوع له والتعظيم، [فكلذلك يحتمل وجهين:
أحدهما: أن الله تعالى إذ فضله عليهم بما أطلعه على علوم خصه بها أمره بالخضوع والتعظيم]، فذلك الحق على كل محتاج إلى آخر ما به رجاءُ النجاة، أو دَرْك العلو والكرامة أَن يعظمهُ ويبجلَّهُ، ويخضعَ له.
والثاني: امتحنهم بوجه يُظهر قدرَ الطاعةِ؛ لأَن الخضوعَ لمن يعلو أَمرُه ويجِلُّ قدره، أَمر سهلٌ، عليه طُبع الخلق، فإذا كان في تقدير المأمور بالخضوع أَنه دونه في الرتبة، أو شكله، أَو لم يكن بينهم كثيرُ تفاوت اشتدَّت المحنة في مثله بالطاعة له والخضوع.
فامتحنهم الله به حتى ظهر الخاضع لله، والمستسلم لحقه، والمتكبر فى نفسه، وهو إبليس.
وعلى ذلك الغالبُ من أَتباع الأَنبياء عليهم السلام والذين يأْبون ذلك، أَن الذي يحملهم على الإباءِ عظمُهم في أنفسهم، وظنُّهم أَنهم أَحقُّ بأَن يكونوا متبوعين، والله أَعلم.
والوجه الثاني: أَن يكون المراد من ذكر السجود حقيقة السجود فهو يُخَرَّج على وجهين:
أَحدهما: أن يُجعل السجود تحية؛ أَلزم الملائِكة تحيةَ آدم به، وهو ابتداء ما أَكرم به أَصل الإنس، وإليه مرجع جملة المؤمنين في الجنة أَن يأْتيهم الملائكةُ بالتحياتِ والتحف، وإن اختلفت أَنفس التحيات.
وفي ذلك دليل بيِّن: أَنَّ السجودَ ليس بعبادة في نفسه؛ إذ قد يؤمر به للبشر، ولا يجوز الأَمر بعبادةِ غيرِ الله؛ فيكون السجود لغيره من حيث الفعل، والعبادةُ به لله كغيره من المعروف، يصنع إلى الخلق.
ومثله أَمر سجودِ يعقوب وأَولاده ليوسف عليه السلام، والله أعلم.
والثاني: أَن يكون السجود له بمعنى التوجه إليه، وهي الحقيقة لله تعالى، نحو السجود إلى الكعبة لله تعالى تعظيماً له، وتبجيلاً لكعبته، وتخصيصاً من بين البقاع.
كذلك أَمْرُ السجودِ لآدمَ عليه السلام، تعظيماً له وتبجيلاً من بين سَائِر البشر، كلاهما سِيَّان.
ثم قد ثبت نسخ السجود للخلق بما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنه قال:
"لو كان يحل لأَحد أَن يَسجد لأَحد لأَمرت المرأَة أَن تسجد لزوجها" .
ولم جُعِل السجودُ في العبادة عبادةً للمسجود له، واعترافاً بعرف الأشرار بعبادة عظمائهم، ومن يعبدونه من دون الله؛ فيصير ذلك المعنى هو السابق في القلوب، وذلك مما لا يُحتمَل لأَحدٍ دون الله؛ فنهى عنه لذلك - وإن لم يكن بنفسه عبادة للمسجود له في الحقيقة - كما نُهي عن أَشياء بما يتصل بها من الوحشة، وإن لم يكن ذلك في الحقيقة مُحْتَملاً له، فكذلك الأَمر الأَول، كما نُهي عن سَبِّ من يُعْبَد من دون الله خَوْفاً لسبِّ الله، ويؤمر بأُمور ليست - بنفسها - بقُربةٍ ليتوصل بها إلى القُرْبة، كالسعي إلى الحج والجمعة، ونحو ذلك.
وفيه أَن السُّنَّة تنسخ الكتابَ؛ لأَن السجود لآدم عليه السلام في الكتاب، ومثله السجود ليوسف، ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فحرم؛ فدل أن السنة تنسخ الكتاب.
وقولُ الملائِكة: {سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ}.
يُشْبه أَن يكون السابقُ إلى وهمهم مُنىً، أَو خَطَرَ فِعلِ ما كان بالله خرج من أَن يعقلوا حكمته؛ إمَّا بما لم يبلغهم العلم بها، أَو يخطر ببالهم أَنه تعالى كيف يأمرهم، وهو يعلم أنهم لا يعلمون بها، أو خطرَ ببالهم من غير تحقيق ذلك، ولكن على ما يُبْلَى به الأَخيارُ؛ كقوله:
{ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ... } الآية [الحج: 52].
أو كما لا يخلو به الممتَحَنُ عن الخواطر التي تبلغ المحنةُ بهم المجاهدةَ بها في دفعها، وإن لم يكن لهم بما يخطر ببالهم صُنع.
فقالوا: {سُبْحَٰنَكَ}؛ نزّهوا عَمَّا خطر ببالهم، وسبق إلى وهمهم.
ووصَفوا بأَنه {عَلِيمٌ}: لا يخفى عليه شيء.
{حَكِيمٌ}: لا يخطىء في شيء، ولا يخرجُ فعلهُ عن الحكمة، وبالله التوفيق والعصمة.
وفي الآية منعُ التكلم في الشيء إلا بعد العلم به، والفزع به إلى الله عن القول به إلا بعلم، وهذا هو الحق الذي يلزم كلَّ من عرف الله.
وبه أَمر الله تعالى نبيَّهُ عليه الصلاة والسلام فقال:
{ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ... } الآية: [الإسراء: 36].
وسُئل أَبو حَنيفة - رضي الله عنه - عن الإِرجاءِ ما بدؤُه؟ فقال: فعل الملائكة إذا سئلوا عن أَمرٍ لم يعلموا فوضوا ذلك إلى الله تعالى.
ومَعنى الإرجارِ نوعان:
أحدهما: محمود؛ وهو إِرجَاء صاحب الكبائر، ليحكم الله تعالى فيهم بما يشاء، ولا يُنْزلهم ناراً ولا جنة؛ لقوله تعالى:
{ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ } [النساء: 48].
والإِرجاء المذموم هو الجبْر، أَن تُرجَأَ الأَفعالُ إلى الله تعالى، لا يجعلُ للعبد فيه فعلاً، ولا تدبيرَ شيءٍ من ذلك.
وعلى ذلك المروِيُّ، حيث قال:
"صنفان من أُمتي لا ينالهم شفاعتي؛ القدريةُ والمرجئةُ" .
والقدرية: هي التي لم تر لله - في فعل الخلق - تدبيراً، ولا له عليه قدرةَ التقدير.
والمرجئةُ: هي التي لم تر للعبد فيما ينسب إليه من الطاعة والمعصية فعلاً ألبتة؛ فأبطلت الشفاعة لهما، وجُعِلت للمذهب الأَوسط بينهما، وهو الذي يُحَققُ للعبد فعلاً، ولله تقديراً، ومن العبد تحركاً بخير أَوْ شر، ومن الله خلقه.
وذلك على المعقول مما عليه طريقُ العدل والحق بين التفريط والتقصير.
وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"خير الأُمور أَوساطها" .
وكذلك قال الله تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً... } الآية [البقرة: 143]، ولا قوة إلا بالله.
وعن ابن جريج قال: سجودُ الملائِكة لآدم إيماءٌ، ولم يكن يحل وضع الوجه بالأَرض لأَحد.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان الملائكة سجودَ تحيةٍ، ولم يكن سجود عبادة.
وعن قتادة قال: كانت الطاعة لله، والسجدة لآدم عليه السلام إكراماً له، والله أعلم.
ثم اختلف في إِبليس:
قال بعضهم: هو من الملائِكة.
وقال آخرون: لم يكن من الملائِكة، وهو قول الحسن؛ والأَصم: ذهبوا في ذلك إلى وجوه:
أَحدها: ما ذكر عز وجل عن طاعة الملائِكة له بقوله:
{ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ... } الآية [التحريم: 6].
وقال:
{ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ... } الآية [الأنبياء: 27].
وقال:
{ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ... } الآية [الأنبياء: 19].
وصف الله تعالى طاعتهم له، وائْتِمارَهم إياه؛ فلو كان اللعين الرجيم منهم لأطاعَه كما أَطاعوه.
والثاني: قوله:
{ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } [الأعراف: 12] والملائِكة إنما خلقوا من النور.
والثالث: قوله تعالى:
{ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ } [الكهف: 50] ولم يقل من الملائِكة فَدَلَّ هذه الآياتُ أنه لم يكن من الملائكة.
ثم قال في قوله: {فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ}: إنه قد يجوز الاستثناء من غير نوع المستثنى منه؛ نحو ما يقال: دخل أَهل الكوفة هذه الدارَ إلا رجلاً من أَهل المدينة. وذلك جائِز في اللغة.
ويستدل بالاستنثاء أَن الأَمر كان عليهم جميعاً في الأَصل، وكان الأَمرُ بالسجود له وللملائِكة جميعاً؛ كقوله:
{ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ } [البقرة: 199] دل أَنْ كان هنالك أَمرٌ للناس بالإفاضة، فكذلك الأَول، والله أعلم.
وذهب من قال: إنه من الملائِكة، أنه لما لم يذكر في قصةٍ من القصصَ - مع كثرة التكرار لها في القرآن، وغيره من الكتب السالفة - أَنه ليس منهم، وليس فيما ذكر من الآيات ما يدل على أَنه لم يكن منهم؛ لأَن قوله:
{ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [التحريم: 6] لو لم يُتَوهم منهم العصيانُ والخلافُ لله تعالى لم يكن للمدح بالطاعة والخضوع له معنى.
ألا ترى إلى قوله:
{ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ... } الآية [ الأنبياء: 29] مع ما ذكرنا: أنهم يُمتحنون بأَنواع المحن، وكل مُمْتَحَن في شيء يجوز كون المعصية منه والخلاف لديه.
وأَما قوله:
{ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ } [الكهف: 50] أي صار من الجن.
وقيل: الجنُّ أَراد به الملائكة؛ سُمُّوا جنّاً لاستتارهم عن الأَبصار؛ كقوله:
{ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ } [النجم: 32].
وأما قوله خلق الملائِكة من النُّور، وإبليسَ من النار - فهو واحد؛ لأَنه أخبر - عز وجل - أنه خلقه من مارج من نار.
وقيل: المارجُ هو لهبُها مع ما ليس في القرآن، ولا في الخبر أَنهم إنما خلقوا من النور، ولم يخلقوا من غيره.
ثم اختلف في إبليس: إنه لم كفر بالله؟ قيل: إنَّه كفر لما لم ير الأَمرَ بسجود من فوقه لمن هو دونه حكمةً.
وقيل: كفر لما رأَى أَن الله تعالى وضع الأَمر في غير موضع الأَمر، ورآه جوراً؛ فكفر به.
وقيل: كفر لما أَبى الائتمار بالسجود واستكبر فكفر.
وقيل: كفر لما أَضمر إضلال الخلق.
وقيل: أَبى الطاعة فيما أُمر به، واستكبر على آدم؛ لما رأَى لنفسه فضلاً عليه بقوله:
{ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } [الأعراف: 12].
وقوله: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ}.
أي صار كقوله:
{ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً } [النساء: 22].
وكقوله:
{ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ } [الأعراف: 175] أي: صار.
وقيل: كان في علم الله تعالى أَنَّه سيكفر.
وقوله: {وَقُلْنَا يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ}.
قد ذكرنا فيما تقدم أَن الجَنة هي اسم البقعة التي حُفت بالأَشجار والغُروس وأنواع النبات.
دليله: قوله: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ}.
وذلك أيضاً ظاهرٌ معروفٌ عند الناس؛ ألا تُسمى كل بقعة من الأرض بستاناً، ولا جنة حتى يجتمع فيها ما ذكرنا.
ثم لا يُدْرَى ما تلك الجنة التي أمر آدمُ وحوّاء بالكَون، والمُقام فيها: أهي التي وُعد المتقون، أَو جنةٌ من جنات الدنيا؟ إذ ليس في الآية بيان ذلك.
وفي الآية دلالة أن الشرط في الذكر قد يُضْمر، ويكون شرطاً بلا ذكر؛ لأنه قال:
{ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ } [طه: 118] ثم قد جاع وعَرِيَ حين عصى، فدل أَن ترك المعصية كان شرطاً فيه.
ثم مضى الأَمر من الله تعالى لآدم وزوجته بالسُّكنى في الجنة، والمُقام فيها، وأَمْرهما بالتناول من جميع ما فيها إلا شجرةً نُهِيا عن التناول منها، وأُمِرَا بالاجتناب عنها بقوله: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} وذي صورةُ الممتحن أَن يُؤمر بشيء ويُنْهَى عن شيء.
وقوله: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ}.
قوله: {رَغَداً} أَي: سعَةً؛ يقال: أَرْغَد فلانٌ إذَا وسِّع عليه، وكثر مالهُ.
وقوله: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ}.
أَي: لا تأْكلا.
دليله قوله: {وَكُلاَ مِنْهَا}؛ ولأَنه بالقُربان ما يوصل إلى التناول. واللغةُ لا تَأْبى تسمية الشيء باسم سببه.
ثم اختُلف في تلك الشجرة:
فقال بعضهم: هي شجرة العنب، ولذلك جعل للشيطان فيها حظاً لما عصيا ربهما بها.
وقيل: إنها كانت شجرة الحنطة؛ ولذلك جعل غذاءُ آدم وحواءَ - عليهما السلام - وغذاءُ أَولادهما منها إلى يوم القيامة ليُقاسوا جزاءَ العصيان والخلاف له.
وقيل: إنها شجرة العلم؛ لما علما من ظهور عورتهما، ولم يكونا يعلمان قبل ذلك، وهو قوله:
{ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا } [الأعراف: 22] والله أعلم.
والقولُ في ماهيتها لا يجوز إلا من طريق الوحي. ولا وحي في تلاوتها. ولا يجوز الْقطعُ على شيء من ذلك.
ثم احتَمَل معنى النهي عن التناول منها وجوهاً:
أَحدها: إيثار الآخر عليه.
وقد يكون هذا أَن ينهى الرجل عن التناول من شيء إيثاراً لآخر عليه.
ويحتمل: النهي عن التناول من الشيء لداءٍ يكون فيه لما يخاف الضرر به، لا على جهة الإيثار، ولكن إشفاقاً عليه ورحمة.
ويحتمل أيضاً النهي عن التناول من الشيء على جهة الحرمة، فإذا كان ممكناً هذا محتملاً حمل آدم وحواء على التناول منها لما اشتبه عليهما، ولم يعرفا معنى النهي بأَنه نهيُ حرمة، أَو نهي إيثار غيره عليهما، أَو نهي داءٍ؛ لأَنهما لو كانا يعلمان أَن ذلك النهي نهي حرمة لكانا لا يأتيان ولا يتناولان، وبالله التوفيق.
ثم في الآية دلالة على أن الحال التي يكون فيه الإنسان في سعة ورغد يشتد على الشيطان اللعين؛ لأَنه إنما تعرض لآدم وحواءَ بالوسوسة التي وسوس إليهما ليزيل تلك الحال عنهما.
وإنما يبلى بالسعة، والرخاء ثم لما لحقته من الشدائد والبلايا مما كسبت أيدينا؛ لقوله:
{ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } [الشورى: 30].
ثم الآية ترد على بعض المتقشفة قولهم بتحريم الطيبات والزينة.
وقوله: {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ}.
أي: الضّارِّين؛ لأَن كل ظالم ضارٌّ نفسَه في الدارين جميعاً.
وقوله: {فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا}.
أي: دعاهما، وزين لهما إلى سبب الزلة والإخراج عنها، لا أَن تولى إخراجهما وإزلالهما.
وقد ذكرنا أَن الأَشياءَ تسمى باسم أسبابها، أَو الأَسباب باسم الأشياء. وذلك ظاهر معروف في اللغة، غير ممتنع تسمية الشيء باسم سببه.
ثم تكلموا فيما أصاب آدم من الشجرة، وفي جهة النهي عنها:
فقال قوم: أكل منها وهو ناسٍ لعهد الله نسيان ترك الذكر.
وأَبى ذلك قوم.
واحتج الحسن بأَن نسيانه نسيان تضييع واتباع الهوى، لا نسيان الذكر بأَوجهٍ:
أحدها: ما جرى في حكم الله - تعالى - من العفو عن النسيان الذي هو ترك الذكر، وألا يلحق صاحبَه اسمُ العصيان، وقد عوقب هو به، ونسب إلى العصيان بقوله:
{ وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ } [طه: 121] مع ما تقدم القول فيه أن يكونا من الظالمين.
والثاني: أَنَّ عَدُوَّه قد ذكَّره لو كان ناسياً؛ حيث قال:
{ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ... } الآية [الأعراف: 20].
وقوله:
{ وَقَاسَمَهُمَآ } [الأعراف: 21].
وقوله:
{ فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ } [الأعراف: 22].
ولو كان نسيان الذكر لم يكونا ليغترا بالقسم والإغواء عن ذلك، ولا وُصِفا بأَن استزلهما الشيطان ونحو ذلك.
فثبت أَنه كان نسيان تضييع، وذلك كقوله:
{ وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ } [طه: 126]، وقوله: { فَٱلْيَوْمَ نَنسَـٰهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا } [الأعراف: 51]، وغير ذلك مما ذكر فيه النسيان ومعناه التضييع، سُمي به لما كان كل منسيٍّ متروكاً، وترك اللازم تضييع، أو بما ينسى به ويغفل عما يحل به من نعمة الله، فسمي به كما وصف ذنب المؤمن بجهالة الجهلة بما يحل به لا بجهله بحقيقة فعله.
أو سمي به من حيث لا يُقصد بذلك عصيانُ الرب أَو طاعة الشيطان.
وإلى ذلك يصرف بعض وجوه النسيان، لا حقيقته.
ومن يقول: بأَنه كان على النسيان فهو يُخرِّج النسيان على وجوه:
أَحدها: أنه لكثرة ما كان بينه، وبين عدوه التراجع اشتغل قلبه بوجوه الدفاع له، والفكر في الأَسباب التي بها نجاته، ويتخلص من مكائِده، حتى أَنساه ذلك ذكر العهد.
والسبب الذي يدفع الأَشياءَ عن الأَوهام في الشاهد كثرة الاشتغال، وإنما كان النسيان عدوّاً في الأُمور وسبباً للعفو؛ لأَنه لا يَخْرج الآخذ به عن الحكمة، وذلك معلوم في الشاهد، أن من أَقبل على أَمر، وأَخذ في تحفظه وتذكره عمل عليه ذلك، وإذا أحب ذلك مع الاشتغال بغيره من الأُمور صعب عليه، بل الغالب في مثله الخفاء.
وجائز معاتبة آدم مع ذلك وتسميته عصياناً بأَوجه:
أَحدها: أَنه لم يكن امتُحن بأَنواع مختلفة يتعذر عليه وجه الحفظ في ذلك.
وإنما امتحن بالانتهاءِ عن شجرة واحدة بالإشارة إليها؛ فجائز ألا يُعذر في مثله.
وكذلك النسيان فما يُعذر في الشاهد، إنما يُعذر في النوع الذي يُبْلى به، وتكثر به النوازل.
ألا ترى أنه يُعذر بالسلام في الصلاة، وترك التسمية في الذبيحة ونحو ذلك، ولا يُعذر في الأَكل في الصلاة، وفي الجماع في الحج، ونحو ذلك، فمثله الأَمر الذي نحن فيه.
والثاني: أنه جائِز أخذ الأَخيار ومعاتبة الرسول بالأَمر الخفيف اليسير الذي لا يؤخذ بمثل ذلك غيْره؛ لكثرة نعم الله عليهم، وعظم مِنَّته عندهم، كما أُوعدوا التضاعف في العذاب على ما كان من غَيْره.
وعلى ما ذكر في أَمر يونس عليه السلام من العقوبة بماء لعل ذلك من عظيم خيرات غيره؛ إذ فارق قومه عما عاين من المناكير فيهم، وفعل مثله من حد ما يوصف به غيره.
وكذلك ما عوتب محمد صلى الله عليه وسلم فيما خطر بباله تقريب أَجِلة الكفرة؛ إشفاقاً عليهم، وحرصاً على إسلامهم ومن يتبعهم على ذلك مما لعل من دونه لا يعدل شيء من خيرَاته بالذي عوتب به، وبالله التوفيق.
والثالث: أَنه لما عوتب بالذي يجوز ابتداء المحنة به، ولمثله خلقه حيث قال لملائكته: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} لكنه بِكرمه، وبالذي عَوّد خلقه من تقديم إحسانه وإنعامه في الابتلاءِ على الشدائد والشرور، وإن كان له التقديم بالثاني، وذلك في جملة قوله:
{ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ } [الأعراف: 168]، وقوله: { وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ } [الأنبياء: 35]، وبالله التوفيق.
وعلى ما في ذلك من مبالغة غيره، والزجر عن المعاصي، وتعظيم خطره في القلوب؛ إذ جوزي أَبو البشر وأَول الرسل منهم - على ما فضله بما امتحن ملائكته بالتعلم منه، والسجود - بذلك القدر من الزلة؛ ليعلم الخلقُ أَنه ليس في أمره هوادةٌ، ولا في حكمه محاباة؛ فيكونون أَبداً على حذرٍ من عقوبته، والفزع إليه بالعصمة عما يوجب مقته، وألاَّ يكلهم إلى أَنفسهم؛ إذ علموا بابتلاءِ من الذي ذكرت محله في قلوبهم بذلك القدر من الزلة، ولا قوة إلا بالله.
والثاني: أَن يكون حَفظ النهي عنه لكنه خطر ببَاله النهي عن وجه لا يلحقه فيه وصف العصيان، أو نسي قوله: {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ}، وقد ذكرنا النهي في وقت الفعل، ولكن يسمى الوصف بالفعل من الظلم والنهي؛ لعله سبق إلى وهمه غير جهة التحريم، إذ يكون النهي على أَوجه:
أَحدها: للحرمة.
والثاني: نهي لما فيه من الداء وعليه في أكله ضرر، وهذا معروف في الشاهد بما عليه الطباع، نهي قوم عن أشياءَ محللة هي لهم ما يؤذي ويضر، فيحتمل أَن يسبق إلى وهمه ذلك، لما وعد له في ذلك من عظيم النفع.
يحتمل ما خوف به ليصل إلى ما وعد على ما سبق وُجِّه النهي إلى ما وجه من حيث الضرر والمشقة، ونسي قوله: {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ} أَو ذكرا وعرفَا أَن الظلم قد يقع على الضَّرر؛ كقوله:
{ كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً } [الكهف: 33] أي: لم ينقص منه، والنقصان في النفس ضرر.
وعلى ذلك فسر عامة أهل التفسير الظلم في القرآن أَنه الضرر. واسم الضرر يأْخذ ضررَ الداءَ، وضرر المأْثم وإن كانت حقيقته وضع الشيء في غير موضعه، ولا قوة إلا بالله.
وقد يحتمل النهي أَن يخرج مخرج المنع؛ ليكون غيره هو الذي يبدأ به، ويُخص ذلك لغيره، لا على التحريم، نحو الأَمر بالمعروف، فيما يمنع الرجل ولده عن التناول مما يريد به غيره، لا على التحريم.
وإذا احتمل ذا، ثم بُيِّن له عظيمُ ما في ذلك من البركة من غير أَنْ عاين عدُوه ليعلم أَن ذلك صنيعه.
وجائز أَن يسبق إليه أَن ذلك إِشارةُ مَلَكٍ أَو إِلهامٌ في النفس - على ما يكون لكثير من الأخيَار - إلا أَنه من وحي عدُوه، فدعته نفسه إلى الأكل، فيكون كالناسي والجاهل بحقيقة وجه النهي، وإن كان تعمد أَكله، ولا قوة إلا بالله.
والأَصل في هذا أَن فعله صلى الله عليه وسلم إن كان على نسيان العهد، أو على الذكر له، فإن الذي أَصابه عقوبة.
وإن كان بالذي يكون به المحنة، فلولا أَنَّ الله إِنْ يعاقبه على ما فعله لم يكن ليُغيِّر عليه نعمة أَنعم عليه بعذاب، وقد قال: إنه لا يُغَيِّر نعمَهُ التي أَنعمها على قوم حتى يغَيروا ما بأَنفسهم.
وما لا يحتمل العقوبة بالتغيير لم يكن ليفعل بعد وعده ذلك، مع ما قد اعترفا بالظلم؛ إذ قالا:
{ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا... } الآية [الأعراف: 23].
وقد قال الله تعالى:
{ وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ } [طه: 121]. وقد كان قال لهما: { فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّالِمِينَ } [الأعراف: 19]. فكان فيما بُليَ به وجهان:
أَحدهما: أَن ذلك لم يُزِل عنهما اسمَ الإِيمان، ولا دعيا إليه بعدُ لفعلهما ذلك.
ثبت أَنه لا كلُّ ذنبٍ يزيل اسمَ الإِيمان، وأَن الذنُوب لا يُحقَّق فيها الكذب فيما اعتقد ألا يعصى الله في شيء.
وفي ذلك فساد أهل الخوارج والمعتزلة، وبيان أن قوله:
{ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً } [النساء: 14] ليس على كل عصيانٍ، ولا الوعيد بالظلم المطلق بوجه كل ظالم وكل عصيانٍ وغواية، بل يلزم به تقسيم هذه الحروف على ما يليق به، ومن يريد بها الجمع في كل الأَنامِ خارج عن المعروف من أحكام الله في أَهل المآثم.
والثاني: قد عوقب بوجه لا يجب جزءٌ منها بما يسميه المعتزلة كبيرة، بل يُزيل به اسمَ الإِيمان؛ من نحو شُرب قطرة من الخمر، أو قذف محصنة، أَو أَخذ عشرة دراهم من مال آخر.
وكذلك فعل أَولاد يعقوب. ثم لم يجترىء أَحد على دعوى خروج من ذكرت من دين الله؛ لزم بطلان قولهم، مع ما كان من قولهم: إن الصغيرة لا يَجوزُ في الحكمة التعذيبُ عليها، ولا الكبيرة العفو عنها.
وقد كان عذب آدم عليه السلام - بأنواع العذاب، لما لو لم يكن سوى ما أَظهر فعلَهما على رءوس الخلائق لكان عظيماً.
ثم اختلف في الوجه الذي بلى:
منهم من يقول: لما كان من صلبه من الكفرة وهم ليسوا بأَهل الجنة.
وقيل: رحمة للخلق لئلا ييأَسوا، ولا يزيل الولاية بكل ذنبٍ.
وقيل: بليا لتنبئة الخلق - بهما - ألا يقوم أحد بتعاهد نفسه عما يذم إليه إذا وكل نفسه إليه، فيكون ذلك سبباً لزجر الخلق عن النظر إلى أنفسهم في شيء من الخير، والفزع إليه، بالعصمة عن كل شيء.
وقيل: بلى بحق المحنة؛ إذ هي ترد صاحبها بين اللذات والآلام، وبين أَحوال مختلفة لا يحتمل أن يصير بحيث يأْمن الزلل، وإنما ذلك بحفظ الله ومَنِّه؛ لا بتدبير أَحد وجهده، وإن كان الله تعالى يوفق على قدر الجهد، ويعصم على قدر الرغبة إليه والاعتصام به، ولا قوة إلا بالله.
وليس بنا حاجة إلى ذكر حكمة الزَّلة، إذا كانت نفسُه مجبولةً على حبه، باعثةً إلى مثله لولا نعمة الرب.
كما قال يوسف - عليه السلام -:
{ وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ... } الآية [يوسف: 53].
وقال:
{ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا } [الأنعام: 164].
ثم اختلف في ماهية الشجرة:
قيل: بأَنها شجرة العنب، وجعل للشيطان فيها نصيباً بما بلى به أبو البشر وأُمهم.
وقيل: الحنطة فيها جعل غذاء ولده؛ ليبدل بالراحة الكد، وبالنعمة البؤس.
وقيل: شجرة العلم، إذ بدت لهما سوآتهما فعلما بذلك ما لم يسبق لهما في ذلك، وفزعا إلى ما يُستران به من الورق.
فالأَصل أَن هذا النوع ما يعلم بالخبر من عند عالم الغيب، وليس بنا إلى تعرف حقيقته حاجة، وإنما علينا معرفة قدر المعصية؛ فنعتصم بالله عنها، والطاعةِ؛ فنرغب فيها، وبالله العصمة.
والأَصل فيه أَن الله تعالى فرق بين دار المحنة ودار الجزاءِ؛ إذ الجمع بينما يزيل البلوى، ويكشف الغطاءَ؛ فجعل اللذيذَ الذي لا راحة فيه، والمؤلمَ الذي لا تنغيص فيه - جزاءً، والترد بينهما محنة، ولا قوة إلا بالله.
وقوله تعالى: {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ}.
أي: تصيران منهم.
وكذلك القول في إبليس: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ} أي: صار منهم.
ويحتمل: ممن يكونون كذلك؛ إذ في علم الله أَنهم يصيرون ممن في علم الله كذلك، مع جواز القول بلا تحقيق آخر؛ كقوله:
{ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ } [المؤمنون: 14]، لا أَنَّ ثَمَّ خالقاً غيره.
ثم اختلف في الوجه الذي أوصل إبليسُ إليه الوسوسة:
فقال الحسن: كان آدم - عليه السلام - في السماء وإبليس في الأَرض، ولكنه أوصل إليه بالسبب الذي جعل الله لذلك.
وقال قوم: كان خاطبهُ في رأْس الحية.
وقيل: تصور بغير الصورة التي كان عليها عند قوله:
{ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ... } الآية [طه: 117] فاغتر به، ولو عرفه لما اغتر به بعد أَن حذره الله عنه، والله أَعلم كيف كان ذلك.
وعلى ذلك اختلف في الوجوه التي يوسوس إلى بني آدم:
منهم من يقول: يجري بين الجلد واللحم كما يجري الدم، فيقابل وجه بصره بقلبه؛ فيقذف فيه.
ومنهم من يقول: هو بحيث جُعلَتْ له قوةُ إيصال الخطر ببَاله، والقذف في قلبه من الوجه الذي جعل له، وذلك لا يعلمه البشر.
ومنهم من يقول: إن النفس كأَنها سيالة في الجسد، دائرة في جميع الآفاق، لولا الجسد الذي يَحبسه لكان له الانتشار، على ما يظهر في حال النوم عند سكون جسده، ومن ذلك سلطان فكرة الرجل على مَنْ في أَقصى بقاع الأَرض حتى يصير له كالمعاين؛ ففي ذلك يكون قدحه وقذفه.
ونحن نقول - وبالله التوفيق -: إنا لا نعلم حقيقة كيفية ذلك، لكن الله تعالى جعل للحق أَعلاماً، وكذلك الباطل.
وكل معنى يدعو إلى الباطل، ويحجب عن الحق، فهو عمل الشيطان، يجب التعوذ منه والفزع إليه وإن لم يعلم حقيقة كيفية ذلك؛ قال الله تعالى:
{ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ } [الأعراف: 200، فصلت: 36].
وقال الله عز وجل:
{ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ } [الأعراف: 201].
وقال الحسن في قوله:
{ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ } [الأعراف: 20]: وقد علم آدم أن الملائكة أفضل، وقد علم ألا خلود يكون معه، وقد أُخبر أَنه يموت، وقد علم أَنه لا يكون ملكاً، وقد خلق من طين والملائكة من نور، ولكن يكون على فضل الملائكة.
{ وَقَاسَمَهُمَآ } [الأعراف: 21].
حلف لهما في وسوسته أَنه يقول ذلك عن نصيحة، فتابعاه في الأكل لا على القبول عنه ما ذكر؛ إذ لو كان عن قبول كان أعظم من الأَكل، ولكن أَكلا على الشهوة، واتباع الهوى.
ولو صدَّقاه في ذلك لكفرا، وكان هذا أَعظم من الأَكل، ولم يقل لهما ذلك فيهما لأَجل ذلك الشيء.
وذلك كما يقول الرجل لآخر - في شيء يقتل عليه أَو يقطع له -: لو فعلتَ لا يُفعلُ بك ذلك، فيقدُم عليه، أنه يقدم لشهوته، لا على التصديق له في ذلك.
وكذا من يُذكِّر أَحداً بمثل امرأَةٍ بحبها وإيثارها إياه؛ فيأْتيها بشهوة لا بتصديق الآخر؛ فمثْلُه أمر آدم فيما وسوس إليه الشيطان.
وهذا الذي يذكر الحسنُ يوجب أن يكون آدم كان يعلم أَن ذلك كان من الشيطان عدُوِّه.
وذلك إقدامٌ على أَثر ما ذكر على ما يصف أَنه كان يعلم أَنه أَمرٌ فظيع يوجب فِعله - على العلم بالنهي - أَنه لا ينال به خيراً، ولا يصل بذلك إلى فضل، بل اتبع الشيطان بما هوى واشتهى.
وهذا لو كان شهده كان فظيعاً أَن يدَّعيَه على أَبي البشر، ومن قد فضَّله الله بالذي سبق ذكره.
بل لو قيل له: إنه لم يكن علم أَنه من عدوه، أَو إلهام - على ما يكون للأخْيار - أَو كان أَسمع على غير الصورة التي أَدَّاها من قبل، كان أَقرب وأَحق أَن ينطق به من أَن يذكر الذي ذكر.
ومتى يكون الإقدام لجهة بخير لا على طمع في ذلك؟! بل لا يُنكَر أَن يكون له، ولكن على ما بينا.
وليس من ذلك الوجه، الوحشة في الدين.
ثم قدم ذكر ملكين، والكلام في الفضلِ وغَير الفضل - على قوله - لا معنى له؛ لأَنَّه يجعل فعلهم جبراً - ومن فِعْله جبرٌ لا ترتفع درجته ولا يعلو قدره، ثم يجعل الفضل لهم بالخِلقة، فيكف كان يطمع في ذلك ولم يكن هو بخلقتهم.
ولهذا أنكر أن يكون منهم عصيانٌ؛ إذ خلقوا من نور، ومن لا يعصي بالخلقة، فإنه لا يحمد. ولو كان يجب الحمد به لوجب في كل موات، وكل حيوان لا يعصي بالخلقة، وذلك بعيد.
وجائز أَن يكون آدم - عليه السلام - طمع أن يكونا ملكين؛ بأَن يُجعل على ما عليه صنيعهم من العصمة، أَو الاكتفاء بذكر الله وطاعته عن جميع الشهوات.
والله قادر على أَن يجعل البشر على ذلك، وذلك على ما يوجَد فيهم من معصوم ومخذول، ليعلم أَن الخلقة لا توجب شيئاً مما ذكر، ولا قوة إلا بالله.
ثم الأَصل أَن معرفة موت البشر وما عنه خلق كل شيء إنما هو سمعي، ليس هو حسي، ولا في الجوهر دليلُ الفناء، ولله أن يميت من شاءَ ويُبقىَ من شاءَ.
فقولُ الحسنَ - إِنّه علم ذلك ثبت بثبات الخبر عن الله - ينتهي إليه أَنه كان بلغه في ذلك [الوقت].
وكذلك أَمرُ الملائكة، وحالُ الإغذاء، ومحبةُ الذِّكر، وظهورُ العصمة تعرف بالمحبة والمشاهدة بمنها، ولا قوة إلا بالله.
ثم ذكر الحسن في خلال ذلك: أن آدم - عليه السلام - قد علم أَن الملائكة لا يموتون.
لا أَدري ما هذا؟
أَهو عقدٌ اعتقد، أوْ جَرَى على لسانه؟ لأَن مثلَه لا يُعلَم إلا بما لا يرتاب في ذلك أَنه جاءَ عن الله، ولا قوة إلا بالله.
وقوله: {فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا}.
أي: دعاهما وزيَّن لهما، أَي: سبب الزَّلة والإخراج منها، لا أن تولى هو إخراجهما وإزلالهما.
وقد ذكرنا أَنه قد تُسمَّى الأَشياءُ باسم أَسبابها، والأسباب باسم الأَشياء. وذلك ظاهر معروف في اللغة، غير ممتنع تسمية الشيء باسم سببه، والله أعلم.
وقوله: {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} [البقرة: 36].
من الخصب، والسَّعة، والنعم التي أَنزلهما الله - تعالى - فيها، وأَباح لهما التناول مما فيه.
ثم اختلف في وسوسة الشيطان لآدم وحواءَ - عليهما السلام - فيم كان؟ ومن أَين كان؟ ولماذا كان؟.
قيل: إنه كان في السماء، فوسوس إليهما من رأْس الحيَّة؛ حسداً منه لما رآهما يتقَلّبان في نعم الله، ويتنعمان فيه، فاشتد ذلك عليه.
وقيل: إنه كان في الدنيا فوسوس لهما من بُعدٍ، والله أعلم.
ثم اختلف في الشيطان: أَله سلطان على القلوب؟ أَو يوسوس في صدورهم من بُعد؟
فقال بعضهم: له سلطان على القلب؛ على ما جاءَ أَنه يجري في الإنسان بين الجلد واللحم مجرى الدم.
وقيل: إنه لا سلطان له على القلوب، ولكنه يَقْذف فيهم من البعد، ويدعوهم إلى الشر بآثار ترى في الإنسان من الأحوال؛ من حال الخير والشر، وكأن تلك الأحوال ظاهرة من أَثر الخير والشر.
فإذا رأَى ذلك فعند ذلك يوسوس، ويدعوه إلى الشر. وعلى ذلك قوله عز وجل:
{ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ } [إبراهيم: 22] أخبر أنه لا سلطان له علينا سوى الدعاء لنا وهو لا يشبه، والله أَعلم.
ثم قيل فيمن عصى ربه: أَليس قد أَطاع الشيطان؟
قيل: بلى.
فإن قيل: فإذا أَطاع أَلاَ يكفر؟
قيل: لا؛ لأَنه ليس يقصد قصد طاعة الشيطان، وإنما يكفر بقصد طاعة الشيطان، وإن كان في عصيان الرب طاعته.
وكذلك روي عن أبى حنيفة - رضي الله عنه - أنه سئل عن ذلك فأَجاب بمثل هذا الجواب.
والأَصل: أَن الفعل الذى يُبْلى له ليس هو لنفسه فعل الطاعة للشيطان ليصير به مطيعاً، إنما يجعله طاعة القصد بأَن يجعلَه طاعة له، وقد زال، وإن سُرَّ هو به وفرح كما سُرَّ بزوال السرور عنهما واللذة، وإن كان ذلك بفعل من لا يجوز وصف من فعل ذلك بطاعة الشيطان، ولا قوة إلا بالله.
وقوله: {وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ}.
قيل: الهبوط النزول في موضع، كقوله:
{ ٱهْبِطُواْ مِصْراً } [البقرة: 61] أي: انزلوا فيه.
ويحتمل الهبوط منها هو النزول من المكان المرتفع إلى المنحدر، والدون من المكان.
وقوله: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}.
قيل: يعني إبليسَ وأَوْلاده، وآدمَ وأَولادَه، بعضهم لبعض عدو. والعداوة فيما بيننا وبينهم ظاهره.
وقيل: بيننا وبين الحيَّة التي حملت إبليس حتى وسوس لهما من ذُؤابتها.
فهذا لا يعلم إلا بالسمع، إذْ ليس في الكتاب ذلك.
غير أن العداوة بيننا وبين الحيَّات عداوةُ طبع، والعداوَة التي بيننا وبين إبليس عداوةُ اختبار وأَمر؛ إذ الطبعُ ينفر عن كل مؤذٍ ومضر، وبالله التوفيق.
وقوله: {وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ}.
يقرون فيها، كقوله:
{ جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً } [غافر: 64].
وقوله: {وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ}.
أي: متاعاً لكم إلى انقضاء آجالكم.
ويحتمل: متاعاً لكم لانقضاء الدنيا وانقطاعها.
وقوله: {فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ}.
أي: أخذ.
وقوله: {مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ}.
قيل: إن فيه وجوهاً:
قيل: فتاب عليه، أي: وفق له التوبة، وهداه إليها فتاب، كقوله:
{ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ } [التوبة: 118]، أي: وفق لهم التوبة فتابوا.
وقيل: خلق فعل التوبة منه، كما قلنا في قوله:
{ وَهَدَاهُ } [النحل: 121]، أي: خلق فعل الاهتداء منه فاهتدى.
وقيل: تاب عليه، أَي: تجاوز.
وقيل: إن التوبة هي الرجوع. رجع آدم عن عصيانه؛ فرجع هو إلى الغفران والتجاوز، وبعضه قريب من بعض.
وفي الآية: أنه إنما تاب عليه لكلمات تلقاها من ربه.
والآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأَنهم يقولون: إن من ارتكب صغيرة فهو مغفور له لا يحتاج إلى الدعاء، ولا إلى التوبة.
فآدم - عليه السلام - دعا بكلمات، تلقاها منه؛ فتاب ليه. ولو كان مغفوراً له ما ارتكب لكان الدعاء فضلاً وتكلفاً، وبالله التوفيق.
والكلمات هي ما ذكرت في سورة أُخرى:
{ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا... } الآية [الأعراف: 23].
وقوله: {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ}.
أي: قابل التوبة.
وقيل: أي موفق التوبة، وهادي لها؛ كقوله:
{ غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ } [غافر: 3] وقد ذكرنا في قوله: {فَتَابَ عَلَيْهِ} [البقرة: 37] ما احتمل فيه.
{ٱلرَّحِيمُ} بالمؤمنين، ورحيم بالتائبين.
وقوله: {قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً}.
ذكر هبوطهم جميعاً؛ فإذا هبطوا فُرادى لم يخرجوا من الأمر، بل كانوا في الأمر، فدل أَن الجمع في الأَمر، والذكر، لا يُصَيَّر الجمعَ في الفعل شرطاً.
وقوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى}.
أي: ليأْتينكم. وهذا جائز في اللغة.
وقوله: {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.
أي: من تبع هداي، ودام عليه حتى مات، فلا خوف عليهم، ولا هم يحزنون وكذلك قوله:
{ فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ } : فى الدنيا، { وَلاَ يَشْقَىٰ } [طه: 123] في الآخرة، إذا مات عليه.
وهذه الآية والتي تليها وهو قوله: {وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ أُولَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ}.
تنقض على الجهمية؛ لأَنهم يقولون بفناء الجنة والنار، وانقطاع ما فيهما.
فلو كانت الجنة تفنى ويَنقطع ما فيها، لكان فيها خوف وحزن؛ لأَن من خاف في الدنيا زوال النعمة عنه وفوتها يحزن عليه، وينغصه ذلك، ولهذا وصف الدنيا بالخوف والحزن لما يزول نعيمها ولا تبقى، فأَخبر عز وجل أَلا خوف عليهم فيها؛ أي: خوف النقمة، ولا حزن، أَي: حزن فوات النعمة.
{وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} دل أنها باقية، وأن نعيمها دائم، لا يزول.
وكذلك أخبر عز وجل أن الكفار في النار خالدون وأَن عذابها أليم شديد، فلو كان لهم رجاء النجاة منها لخف ذلك العذاب عليهم وهان؛ لأَن من عوقب في الدنيا بعقوبة، وله رجاء النجاة منها هان ذلك عليه وخف، وبالله التوفيق.