التفاسير

< >
عرض

وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ
٦٨
ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
٦٩
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِنَّ ذٰلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ
٧٠
-الحج

تأويلات أهل السنة

قوله: {لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً}.
اختلف في المنسك:
قال بعضهم: {مَنسَكاً}، أي: جعلنا لكل أمّة دينا يدعون إليه، أي: كل أمة تُدْعْى إلى دين واحد وهو دين الإسلام، وهو قول الحسن.
وقال بعضهم: {لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً}، أي: شريعة، فهذا على الاختلاف، أي: جعلنا لكل أمّة شريعة على حدة.
{هُمْ نَاسِكُوهُ} ذلك كقوله:
{ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً } [المائدة: 48].
وقال عامة أهل التأويل: {مَنسَكاً}: أي ذبائح وعيداً، قالوا: ذكر هذا - والله أعلم - لأن من الناس من ينكر أن يكون الذبح شريعة الله، فأخبر أن الذبح سنة الله وشريعته في الأمم كلها، ليس على ما قالت الثنوية.
وقوله: {فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي ٱلأَمْرِ} على تأويل من يقول: إن المنسك هو الدين، أي: لا يخالجنك في نفسك أن الذي أنت عليه هو دين الله وادعُ الناس إليه.
وعلى تأويل من يقول: هو الذبح، يقول: {فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ}، أي: لا يصدّنك عن الذبح من ينكر ذلك، كقوله:
{ وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ ٱللَّهِ } [القصص: 87].
{وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ} أي: ادع إلى توحيد ربك.
أو أن يكون قوله: {وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ}: إلى عبادة ربك، وانههم عن عبادة من دونه.
وقوله: {إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ} هذا يدل أن التأويل الذي ذكرنا في المنسك - وهو الدّين - أشبه وأقرب؛ لأنه ذكر {إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ} فلا يتخالجن في نفسك شك في ذلك، والله أعلم.
وقوله: {وَإِن جَادَلُوكَ} في أمر الذبيحة، أو في الدين، وقد جادلوه في الدّين كثيرا، لكن قال ذلك - والله أعلم - عند إياسه عن توحيدهم وإسلامهم، يقول - والله أعلم -: {وَإِن جَادَلُوكَ} في الدّين والتوحيد فقل: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ}، وهو كقوله:
{ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } [الشورى: 15] فعلى ذلك قوله: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ} من الدّين.
قال بعض أهل التأويل: هذه الآية منسوخة، نسختها آية القتال؛ لأن فيها حظراً عن القتال، والترك على ما هم عليه، وتسليم الأمر إلى الله يحكم بينهم يوم القيامة.
لكن جائز ما ذكرنا أنه إنما قال ذلك عند الإياس منهم عن توحيدهم.
وقوله: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} قد ذكرنا في غير موضع أن حرف {أَلَمْ} حرف يتوجه إلى وجوه: إلى التعجب مرة، وإلى التنبيه والإيقاظ ثانياً، وإلى إيضاح الحجج والبراهين ثالثاً.
وقوله: {إِنَّ ذٰلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ}.
وقوله: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً}: حججا وبراهين، {وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ} يخبر عن سفههم أنهم يعبدون غير الله ولا سلطان ولا حجة لهم، ولا لهم بذلك علم؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون برسول يخبرهم، ولا كان لهم كتاب فيعلمون به، فيقول: إنهم يقولون: الله أمرهم بذلك، ولا حجة لهم في ذلك ولا علم.
وفيه أنّه إنما بعث الرسل إليهم على علم منهم أنهم يكذبون الرسل؛ لأن من الناس من ينكر بعث الرسل إلى من يعلم أنه يكذبهم ويترك إجابتهم كمن لا يبعث في الشاهد رسولا إلى من يعلم أنه يكذبه ولا يجيبه، فعلى ذلك يقولون: لا يجوز أن يكون الله يبعث الرسول إلى من يعلم أنه يكذبه ولا يجيبه، لكن الله أخبر أنه على علم منهم بالتكذيب وترك الإجابة بعثهم، حيث قال: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ}.
وأما قولهم: إن من علم في الشاهد تكذيب المرسل إليه رسوله فإنه لا يبعثه إليه؛ لأن المرسل إنما يبعثه لحاجة نفسه ومنافعه، فإذا علم منه تكذيبه وترك الإجابة لم يبعثه، فأمّا الله - سبحانه وتعالى - إنّما يرسل الرسول لحاجة المرسل إليه ومنافعه، لا لحاجة نفسه ومنفعته، فلا ضرر يلحقه في تكذيبه وجحوده، فجائز أرسله على علم منه بالتكذيب.
وقوله: {إِنَّ ذٰلِكَ فِي كِتَابٍ} قال بعضهم: إن ذلك العلم في الكتاب الذي عنده.
{إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} يقول: حفظه يسير على الله بغير كتاب، لا يصعب عليه حفظ شيء؛ لأنه عالم بذاته، لا بسبب ولا تعليم، وإنما يصعب حفظه على من كان علمه بالشيء بسبب وتعليم.
وقوله: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِنَّ ذٰلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} فيه دلالة رد قول القدرية، حيث قالوا: يكذب من كذب الرسل لا بإرادة الله، فذكر أنه على علم منه ذلك منهم، وكذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"سيكُون في آخر الزمَانِ ناسٌ من أمتي يُكذبون بالقدَرِ سَيكفيكم من الردّ عليهم أن تقولوا: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ}" .
وتأويل هذا - والله أعلم -: أن يُسألوا، فيقال لهم: أراد الله أن يصدق خبره الذي أخبر أو يكذب؟
فإن قالوا: أراد أن يصدق في خبره، لزمهم أن يقولوا: أراد جميع ما كان منهم.
وإن قالوا: أراد أن يكذب خبره، فيكون كفراً محضاً.