التفاسير

< >
عرض

وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ
٢٠
لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَاْذبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ
٢١
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ
٢٢
إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ
٢٣
وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ
٢٤
أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ
٢٥
ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ
٢٦
قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ
٢٧
ٱذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ
٢٨
-النمل

تأويلات أهل السنة

قوله: { وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ }: عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "تدرون كيف تفقد سليمان الهدهد؟ ثم قال: إنه إذا كان في فلاة من الأرض، دعا الهدهد وسأله عن بعد الماء في الأرض وغوره، فهو يعلمه من بين غيره من الطيور؛ لذلك تفقد وسأل عن حاله".
وذكر أنه سأل ابن سلام عن ذلك، فأخبر ذلك.
لكن هذا بعيد؛ لأن سليمان - صلوات الله عليه - كانت له الريح مسخرة، ذكر أنها كانت تحمله وتسير به كل غداة مسيرة شهر وكل عشية كذلك، وهو قوله:
{ وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ } [سبأ: 12]؛ فلا يحتمل أنه إذا وقعت له الحاجة إلى الماء ألا يبلغ إلى الماء حتى يحتاج إلى أن يحفر له البئر، فيستخرج منه الماء، وما كان له من الشياطين والجن مسخرين له مذللين حتى قال واحد منهم: { أَنَاْ آتِيكَ بِهِ } يعني: عرش بلقيس { قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ }، وقال الآخر: { أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ }، فمن له سلطان وقوة على القدر الذي ذكر لا يحتمل أن يقع له الحاجة إلى الماء، وإذا وقعت لا يحتاج إلى أن يتكلف وصوله إليه بالهدهد مع تكلف الحفر في الأرض، هذا يبعد بمرة - والله أعلم - إلا أن يخرج على الامتحان، ويكون تفقده الطير لما كان عليه حفظهم جميعاً، ومنعه إياهم عن الانتشار في الأرض والتفرق، لا لما ذكروا هم - والله أعلم - لما على كل ملك وأمير حفظ رعيته وحاشيته، والتفقد عن أحوالهم وأسبابهم؛ فعلى ذلك هذا.
ثم يحتمل أن يكون من كل صنف من الطير واحد لا عدد حتى قال: { مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ }؛ إذ لو كان عددا من الهداهد لقال: مالي لا أرى هدهدا من الهداهد، إلا أن يكون الذي فقده كان رئيساً لغيره من الهداهد وسيدهم؛ فجائز أن يقال ذلك: { مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ } من بين غيرهم يغيب عن بصري ولا أدركه { أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ } عنهم؛ فكأنه سأل واحدا منهم عن ذلك، فأخبر أنه من الغائبين، فعند ذلك قال: { لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً... } الآية، فقالت الباطنية في ذلك: إن سليمان لا يحتمل أن يعذب من ليس بمخاطب في شيء، ولا يجري عليه القلم؛ فدل وعيده إياه من التعذيب والذبح أنه لم يكن هدهدا معروفاً، ولكن كان رجلا ممن يخاطب ويجري عليه القلم؛ وكذلك قالوا في النملة: إنه كان رجلا ممن يكون منه الكلام والفهم، وأما النملة المعروفة فلا يحتمل.
لكن الجواب لهم في ذلك: أن الله خلق هذه الدواب والطير وغيرها من الأشياء لمنافع البشر ولحاجاتهم، فجائز تعذيبها وذبحها للرد إلى منافعهم إذا امتنعت عن الانتفاع بها، على ما تؤدب الدواب وتعذب للرياضة والتعليم؛ لردها إلى الانتفاع بها.
أو يعذبه لما يشغله عن ذكر الله والقيام ببعض أموره، على ما ذكر في آية أخرى حيث قال:
{ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ... } الآية [ص: 31-32] لما شغله عن ذكر ربه؛ فعلى ذلك جائز أن يكون تعذيب الهدهد على الوجوه التي ذكرنا.
ومن الناس من استدل بهذا على مخاطبة الطيور والدواب وغيرها، وتكليفها بأمور كما يكلف غيرها من الخلائق، واحتج على هذا بقوله:
{ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ } [الأنعام: 38]، أخبر أن الطير وغيره أمم أمثالنا، وقد أخبر في آية أخرى أنه لم تخل أمة عن أن يكون فيها نذير بقوله: { وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ } [فاطر: 24]، الأمة التي هي أمثالنا من الإنس والجن، دليله قوله: { وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [الذاريات: 56]، وقوله: { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ... } [الأعراف: 179] ونحوه كثير، وقوله: { إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ } [الأنعام: 38] ليس في الخطاب والتكليف، ولكن في أشياء كثيرة.
وقوله: { فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ } أي: لم يمكث طويلا حتى جاءه.
وفي حرف ابن مسعود: { فمكث غير بعيد ثم جاءه }.
{ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ }: كأنه سأله: أين كنت؟ فقال عند ذلك له: { أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ }. وفي حرف أبي: { أحطت بما لم تحط به أنت ولا أحد من جنودك }، أي: بلغت ما لم تبلغ أنت، أي: علمت ما لم تعلم أنت ولا أحد من جنودك.
ثم قال: { وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ }: لا شك فيه؛ فكأنه سأله عن ذلك النبأ، فقال عند ذلك - والله أعلم -: { إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ } يؤتى الملوك على ما ذكرنا في قوله: { وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ }.
ثم العجب من أمر بلقيس أن كيف خفي خبرها وأمرها على سليمان كل ذلك الخفاء، وكانت بقرب منه، وكانت ملكة جبارة ذات سلطان وملك، وكان يذهب في كل غدو مسيرة شهر، وفي كل رواح كذلك، كيف لم يطلع على أمرها وخبرها؟! وكانت الجن والشياطين مسخرين له ومذللين، يعملون له الأعمال الصعبة الشديدة، ويطوفون في الآفاق والأفق، وكان هو بعث إلى الدعاء إلى توحيد الله، كيف خفي عليه أمرها وخبرها كل هذا الخفاء، حتى أخبره بذلك الهدهد؟! هذا - والله أعلم - أمر عجيب، ومن عادة الملوك - أيضاً - أنهم يطلع بعضهم على أمور بعض، ويعلم بأحواله.
لكن يحتمل خفاء خبرها عليه لما لا يتجاسر كل أحد أن يكلمه في ذلك، وأن يعلمه عن حالها - وإن كان لا يعلم هو ذلك - إلا بعد السؤال وطلب الخبر؛ تعظيماً له وإجلالا؛ وهكذا الملوك ليس يتجاسر كل أحد أن يخبره عن كل أمر وخبر إلا بعد السؤال إياه؛ تعظيماً لهم وتوقيرا، فعلى ذلك أمر سليمان مع بلقيس.
أو أن يكون لأمر وسبب لم يبلغنا ذلك، ولم نشعر به.
وقال بعض أهل التأويل في قوله: { وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ }: إنما طلبه وتفقده؛ لأن الطير كانت تظله على رأسه من الشمس، فلما نظر إلى الطير وجد موضع الهدهد خاليا يقع عليه الشمس، فعند ذلك قال: { مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ }.
وقالوا في قوله: { لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً } أي: لأنتفن ريشه حتى تصيبه الشمس، فذلك هو العذاب الشديد، لكن لا نفسر ما ذلك العذاب الشديد الذي أوعده سليمان مخافة الكذب والله أعلم.
وقوله: { فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ }: قال بعضهم: غير طويل.
وجائز أن يكون: فمكث وقتا يأتي في مثله مَن كان غير بعيد؛ لأنه إنما يعبر به عن المكان لا عن الوقت في الظاهر.
فقال: { أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ } كأنه يريه المناصحة له والشفقة، يقول: أتيتك من العلم والخبر ما لم تأت أنت ولا أحد من - جنودك، فكيف تعذبني؟!
وفي حرف عبد الله: { فمكث غير بعيد ثم جاءه }.
قال أبو معاذ: مكَث: بنصب الكاف ورفعها مكُث لغتان.
وقوله: { وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ }: قال بعضهم: حق لا شك فيه، أي: عند الهدهد، وأما عند سليمان فلا؛ ألا ترى أن سليمان قال له: { سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ }، وقف في خبره لينظر أصدق ما يقول أم كذب؟
وقال بعضهم: { بِنَبَإٍ يَقِينٍ } أي: عجيب.
ثم اختلف في قوله: { مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ }؛ قال بعضهم: سبأ: اسم رجل تنسب القرية إليه.
وقال بعضهم: اسم بلدة.
وقال أبو عوسجة: سبأ: أبو اليمن.
فمن جعلها اسم بلدة لم يجر، ومن جعلها اسم رجل جره، والله أعلم.
وقوله: { إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ }: كأنه على الإضمار، أي: وجدت امرأة تملكهم، أي: تملك أهل سبأ، ألا ترى أنه قال في آخره: { وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ } ذكر القوم في آخر الآية؛ دل أن (الأهل) كان مضمرا فيه.
وقوله: { وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ } أي: أوتيت من كل شيء كما يؤتى الملوك من الذكور من الأسباب والهيئة وغير ذلك.
وقال بعضهم: وأوتيت من كل شيء في بلادها.
{ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ }: قال أهل التأويل: أي: لها سرير حسن عظيم ضخم، كذا كذا ذراعاً طوله، وكذا كذا ذراعاً عرضه.
وجائز أن يكون العرش كناية عن الملك؛ كأنه قال: { وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ } أي: ملك عظيم.
وقوله: { وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ }:
{ يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ }، أي: يعبدون الشمس من دون الله.
وجائز: يطيعون للشمس ويخضعون لها من دون الله.
وقوله: { وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ } الخبيثة السيئة حتى رأوها حسنة { فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ }: وهو سبيل الله؛ لأن السبيل المطلق هو سبيل الله وهو الإسلام، والكتاب المطلق كتاب الله.
وقوله: { فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ }: فإن كان هذا القول من الهدهد؛ فتأويله: فصدّهم عن السبيل فهم غير مهتدين؛ لأنه لا يحتمل أن يعرف أنهم لا يهتدون في حادث الوقت.
وإن كان من الله فهو إخبار أنهم لا يهتدون أبدا، لما علم أنهم لا يهتدون، والله أعلم.
وقوله: { أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ }: اختلف في تلاوته بالتخفيف والتشديد:
فمن قرأه بالتشديد: { أَلاَّ يَسْجُدُواْ } فهو يخرج على وجهين:
أحدهما: على طرح (لا) كأنه يقول: فهم لا يهتدون أن يسجدوا، أي: هم لا يهتدون أن يسجدوا.
والثاني: صلة قوله: { فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ } لئلا يسجدوا.
ومن قرأ بالتخفيف فهو يخرج على الأمر، أي: ألا فاسجدوا لله.
وقال بعضهم: ألا - بالتخفيف -: هلا يسجدون لله؛ وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود أنه قرأ: { هلا يسجدوا لله }، وهو حجة من قرأه بالتخفيف.
وفي حرف أبيّ: { ألا تسجدوا لله }، بالتاء على المخاطبة إلى قوله: { وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ }.
وذكر في حرف حفصة: { ألا يسجدون } بالنون.
قال الكسائي: ومن شدد { أَلاَّ } فتأويله: زين لهم الشيطان ألا يسجدوا على ما ذكرنا.
وأما التخفيف فهو على وجه الأمر، أي: اسجدوا و{ أَلاَّ } صلة والياء صلة أيضاً.
ثم قال بعضهم: من قرأه بالتخفيف يلزمه السجود؛ لأنه أمر.
وأما من قرأه بالتشديد فلا يلزم.
لكن عندنا سواء يلزمه السجود بالتلاوتين جميعاً؛ لأنه لا يحتمل أن يلزم السجود فيما يأمر غيره بالسجود، ولا يلزم فيما يخبر عنهم أنهم لا يسجدون، بل لزوم السجود فيما يخبر أنهم لا يسجدون أولى؛ خلافاً لصنيعهم وإظهاراً للطاعة لله في ذلك، والله أعلم.
وقوله: { يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ } الخبء: ما يخبأ من الشيء ما كان.
قال بعضهم: خبأ في السماء المطر فيخرج، وفي الأرض النبات فيخرج ذلك النبت.
ويحتمل الخبء ما يخبئ بعضهم من بعض ويسر بعضهم بعضا، يخبر أنه يظهر ذلك ويعلمه؛ ألا ترى أنه قال: { وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ } على الوعيد؛ ليكونوا على حذر أبداً.
وفي حرف حفصة: { ألا يسجدون لله الذي له الغيب في السماوات والأرض }.
وقوله: { ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ } ذكر هذا - والله أعلم - جواب قوله: { وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ }، يقول: رب العرش العظيم هو الله الذي لا إله إلا هو، لا هي، أعني: بلقيس.
وقوله: { سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ } أي: ننظر أصدقت فيما أخبرت وأتيت من أمر بلقيس، أم كنت من الكاذبين في ذلك؟ وقف في خبره، ولم يصدقه ولم يكذبه إلى أن يظهر له الصدق أو الكذب؛ وهكذا الواجب على كل من أخبر بخبر أن يقف فيه إلى أن يظهر له الحق في ذلك، إذا كان الخبر ممن يحتمل الغلط والكذب.
ثم قال له: { ٱذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ }: لا يحتمل أن يكون سليمان أمر الهدهد بذهاب الكتاب إليها ويوليه تبليغ ذلك إليها، وهو أعظم من خبره الذي أخبره بذلك بعدما وقف في خبره قبل أن يتبين ويظهر له صدقه في خبره؛ فدل توليته إياه تبليغ الكتاب إليها أنه قد ظهر له صدقه فيما أخبره من أمر تلك المرأة، إما بوحي من الله تعالى إليه، أو انتهى إليه من الخبر ما قد علم بذلك علم يقين وإحاطة، فعند ذلك ولاه تبليغ الكتاب إليها حيث قال له: { ٱذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ }.
وقوله: { ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ } يحتمل وجهين:
أحدهما: ألق الكتاب إليهم ثم تول، أي: استتر واختف عنهم، فانظر ماذا يقولون، وماذا يرددون فيما بينهم من الكلام والجواب؟
والثاني: على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: ألق الكتاب إليهم، فانظر ماذا يرجعون من الجواب؟ ثم تول عنهم، أي: أعرض عنهم؛ ففعل ما قال له سليمان من إلقاء الكتاب إليها، وإن لم يذكر في الآية.