التفاسير

< >
عرض

وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَللَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
١٨٠
لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ
١٨١
ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ
١٨٢
-آل عمران

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: [{وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ}
أوتوا العلم بالكتاب أن ما يؤتون من المال، وينالون من النيل بكتمان بعث محمد صلى الله عليه وسلم وصفته وتحريفهما - أن ذلك] خير لهم.
{بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ}
في الدنيا والآخرة، ولو لم يكتموا كان خيراً لهم في الدنيا ذكراً وشرفاً، وفي الآخرة ثواباً وجزاء.
وقيل: نزلت في مانعي الزكاة؛ بخلاً منهم وشحاً؛ فذلك وعيد لهم. والأوّل أشبه، والله أعلم. وإن كان في الزكاة - قيل: الجحود بها؛ كقوله - تعالى -:
{ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ } [فصلت: 7].
وقوله - عز وجل -: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}:
فإن كان على التأويل الأول من كتمان نعته وصفته؛ فهو - والله أعلم - يطوق ذلك في عنقه يوم القيامة؛ ليعرفه كل أحد؛ كقوله - عز وجل:
{ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ } [الإسراء: 13].
وإن كان على التأويل الثاني - قيل: إن الزكاة التي منعها تصير حية ذكراً شجاعاً أقرع ذو ذنبتين، يعني: نابين؛ فيطوق بها في عنقه، فتنهشه بنابيها؛ فيتقيها بذراعيه، حتى يقضي بين الناس، فلا يزال معه حتى يساق إلى النار، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَللَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}:
في الآية دلالة أن أهل السماوات يموتون، ليس على ما يقوله القرامطة: إنهم لا يموتون؛ لأنه أخبر أن له ميراث السماوات والأرض، والوارث هو الذي يخلف المورِّث؛ دلّ أنه مما ذكرنا، وإن كانوا هم وجميع ما في أيديهم لله - عز وجل - ملكاً له وعبيداً؛ ألا ترى أنه روي في الخبر:
"لاَ يَرِثُ الكَافِرُ المُسْلِمَ، وَلاَ المُسْلِمُ الكَافِرَ، إِلاَّ المَوْلَى مِنْ عَبْدِهِ" سمى ما يكون للمولى من عبده ميراثاً، وإن كان العبد وما في يده ملكاً للمولى: فعلى ذلك الأوّل: سمى الله - عز وجل - ذلك ميراثاً له، وإن كان عبيده وما في أيديهم ملكاً له، والله أعلم.
قال الشيخ -رحمه الله -: [وقوله - تعالى] -: {وَللَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}: وكانت له لا بحق الميراث؛ لوجهين:
أحدهما: على الإخبار عن ذهاب أهلها، وبقائه - عز وجل - دائماً؛ إذ ذلك وصف المواريث أن تكون لمن له البقاء بعد فناء من تقدم، والله - عز وجل - هو الباقي بعد فناء الكل، مما يجوز القول بما هو له في الحقيقة من قبله بالميراث؛ من حيث مَلَّكَ غيره الانتفاع بذلك؛ وعلى ذلك المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"لاَ يَرِثُ الكَافِرُ المُسْلِمَ، وَلاَ المُسْلِمُ الكَافِرَ، إِلاَّ المَوْلَى مِنْ عَبْدِهِ" ، وليس ذلك في الحقيقة ميراثاً، إذ كان له في حال حياته؛ ولكن كان ولاية الانتفاع به فزال؛ وعلى مثل هذا وراثة المسلمين الجنة، لا على انتقال من غيرهم إليهم، ولكن على بقائهم فيها، وحصول أمرها لهم، أو على وراثة ما لو كان من لم يؤمن آمن، وما ادعوا أنها لهم بقولهم: { لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ } [البقرة: 111]، فاصرت ميراثاً لغيرهم ما ادعوا أنها لهم، والله أعلم.
والثاني: أن يعلم كل بالموت حقيقتها أنها له فأضيفت إليه بالميراث عنهم؛ كما قال - تعالى -:
{ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً } [إبراهيم: 21]، { وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } [المائدة: 18]، والمرجع ونحو ذلك من غير غيبة عنه، ولكن ما يعلم كل إذ ذاك ذلك؛ وكذلك قوله - عز وجل -: { وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } [الانفطار: 19]، وهو في الحقيقة كل يوم له، ولا قوة إلا بالله.
وفي الذكر والإخبار أنها له ميراث - تحريض على الإنفاق والتزود؛ إذ هي في الحقيقة لغير أهلها؛ وإنما لهم ما ينفقون ويتزودون دون ما يمسكون، وفيه منع الإمساك؛ وذلك كقوله - تعالى -:
{ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ... } الآية [الحديد: 10].
{وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}: وعيد منه - عزَّ وجلَّ - إياهم.
وقوله - عز وجل -: {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ}: قيل: لما نزلت:
{ مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً... } الآية [البقرة: 245]، قالت اليهود: ربكم يستقرض منكم ونحن أغنياء. وليس في الآية بيان أن ذلك القول إنما قاله اليهود أو غيرهم من الكفرة، ولكن فيه أنهم قالوا ذلك؛ فلا ندري من قال ذلك، ولا يجوز أن يشار إلى أحد بعينه إلا ببيان، ثم يحتمل ذلك القول منهم وجوهاً:
يحتمل أن يكون قال ذلك أوائلهم؛ على ما قال في قتل الأنبياء - عليهم السلام - وهؤلاء لم يَقْتُلُوا؛ ولكن إنما قتلهم أوائلهم، أضيف ذلك إليهم؛ رضاء منهم بصنيعهم؛ فعلى ذلك القول الذي قالوا يحتمل ما ذكرنا.
ويحتمل أن يكون هؤلاء قالوا ذلك بحضرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبمشهدهم، أو قالوا ذلك في سر.
فإن قال ذلك أوائلهم؛ فإنه يحتمل وجهين:
يحتمل أن يكون الله - تعالى - أعلم ذلك رسولَهُ صلى الله عليه وسلم؛ تصبيراً منه إياه وتسكيناً؛ ليصبر على أذى الكفار؛ حيث قالوا في الله ما قالوا فكيف فيه؟! [والله أعلم
ويحتمل أن يكون ذلك ليكون [ذلك] آية من أيات رسالته.
وإن كانوا قالوا ذلك بحضرة أصحابه صلى الله عليه وسلم؛ ففيه - أيضاً - وجهان:
أحدهما: ما ذكرنا من التسكين والتصبير على أذاهم.
والثاني: ليعلموا أن جميع ما يقولون محفوظ عليهم؛ ليس بغائب عنه، ولا غافل عنه؛ كقوله - تعالى -:
{ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ... } الآية [إبراهيم: 42]، لكنه يؤخر ذلك إلى وقت.
وإن كانوا قالوا ذلك سرّاً؛ ففيه - أيضاً - وجهان:
أحدهما: ما ذكرنا أن يكون آية من آيات النبوة؛ ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالله، على علم منهم أنه لم يكن فيما بينهم من يُنْهِي الخبرَ إليه.
والثاني: خرج على التعزية له والتصبير على أذاهم.
ثم معنى قوله - تعالى -
{ وَأَقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } [المزمل: 20]، و { مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } [البقرة: 245] - يحتمل وجهين:
أحدهما: لئلا يمنوا على الفقراء بما يتصدقون عليهم؛ إذ يعلمون أنه ليس بفقير ولا محتاج ليستقرض لفقره ولحاجته، وكل من أقرض آخر لا لحاجة له في ذلك القرض ولا فقر؛ ولكن ليكون ماله عنده محفوظاً في الشاهد - فإنه لا يَمُنّ المُقْرِضُ عليه؛ بل تكون المنة للذي عنده القرض على المُقْرِض؛ حيث يحفظ ماله في السفاتج؛ فعلى ذلك المال الذي يقرضون ويتصدقون على الفقراء، يكون محفوظاً عند الله ليوم حاجتهم إليه؛ فلا منة تكون على الفقير، والله أعلم.
والثاني: إنباء عن جوده وكرمه؛ لأن العبد وما في ديه له، فلو أراد أن يأخذ جميع ما في يده لكان له ذلك، ثم يطلب منه ببدل يضاعف على ذلك.
والثالث: أن المولى في الشاهد إذا طلب [من عبده] القرض؛ يكون في ذلك شرف للعبد وعظم؛ فعلى ذلك الله - تعالى - إذا طلب من عبده القرض، على علم منه في أنه غني بذاته، لا يجب أن يبخل عليه، وفي ذلك شرفه وعظمه، والله أعلم.
وقوله: {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ}، قال أهل التفسير: قالت اليهود، وذلك تنبيه بصنيعهم وشدة سفههم؛ حتى زعموا أن يد الله مغلولة، لكن ليس في الآية بيان القائلين، ولا في النسبة إلى أحد تقع سوى خوف الكذب؛ لو لم يكن ذلك منه، لكنهم قالوه، والأغلب على مثله أن يكونوا قالوه سرّاً، يكون في إظهاره آية الرسالة، أو كانت الأوائل يقولون فيكون في ذلك ذلك؛ إذ لا يحتمل أن يُصْبَرَ لمثله: يقال بحضرة الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - إلا أن يكون في وقت أمروا بالكف؛ فيكون في ذلك بيان قدر طاعتهم لله، مع عظيم ما سمعوا من القول، وجملة ذلك أن في ذكر ذلك دعاء إلى الصبر على أذاهم وسوء قولهم؛ إذ هم مع تقلبهم في نعم الله - تعالى - وعلمهم بأنهم لم ينالوا خيراً إلا بالله - تعالى - أجترءوا عليه بمثل هذا القول، وبلغ عُتُوُّهُم هذا، والله - جل ثناؤه - مع قدرته وسلطانه يَحْلُمُ عنهم ليومٍ وعدهم فيه الجزاء؛ فمن ليس منه إليهم نعمة ولا تقدم عليهم منه كثير منة - أحق بالصبر لأذاهم، وإعراض عن مكافأتهم؛ وعلى ذلك قوله - تعالى -:
{ قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ... } الآية [الجاثية: 14]، وقال [الله تعالى لرسوله] صلى الله عليه وسلم: { فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } [المائدة: 13].
وقوله - عز وجل: {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ}:
قيل: سنجزيهم جزاء ما قالوا، وقيل: سنحفظ ما قالوا، وسنثبت، وسألزم، كقوله - عز وجل -:
{ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ } [الإسراء: 13]، والله أعلم.
وقوله: {وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ}:
قد ذكرنا هذا فيما تقدم أنه يحتمل: إذ قتل أوائِلُهم؛ فأضيف إليهم لرضائهم بفعلهم؛ كقوله - تعالى -
{ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً } [المائدة: 32]؛ لرضاه بقتله.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله: {وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ}، والأنبياء - عليهم السلام - لا يرتكبون ما يجب به قتلُهم؛ كقوله - تعالى -:
{ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ... } الآية [الأحزاب: 57]، أطلق القول فيه من غير ذكر اكتساب شيء يستوجب به ذلك، وشرط في المؤمنين اكتساب ما يستوجبون به؛ كقوله: { وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ... } الآية [الأحزاب: 58]، فكيف ذكر ههنا - القتل بغير حق، وهم لا يكتسبون [ما] يستوجبون به القتل؟! قيل: يحتمل قوله: بغير حق، أي: بغير حاجة؛ لأنهم كانوا يقتلون بلا منفعة تكون لهم في قتلهم؛ على ما قيل: إنهم كانوا يقتلون كذا كذا نبيّاً، ثم يهيج لهم سوق؛ فإذا كان كذلك يحتمل قوله: {بِغَيْرِ حَقٍّ}، أي: بغير حاجة؛ كقول لوط - عليه السلام -: { هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } فقالوا: { مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ } [هود: 78-79]، أي: من حاجة، والله أعلم.
ويحتمل قوله - عز وجل -: {وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَاءَ}، أي: قصدوا قصد قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فكأنْ قد قتلوه، أو قتلوا أصحابه - رضي الله عنهم - فأضيف إليهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ}:
أي: المُحْرِق، وقد ذكرنا هذا.
وقوله: {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ}:
ذكر الأيدي؛ لما بالأيدي يقدم، وإن لم يكن هذا مقدماً باليد في الحقيقة؛ وكذلك
{ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } [الشورى: 30] لما باليد يكتسب، والله أعلم.