التفاسير

< >
عرض

وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ
٣٣
لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
٣٤
أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ
٣٥
وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ
٣٦
أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
٣٧
فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ
٣٨
وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ
٣٩
-الروم

تأويلات أهل السنة

قوله: {وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ}.
قال قائلون: منيبين: مخلصين؛ كقوله:
{ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ } [يونس: 22].
وقال قائلون: مطيعين.
وقال قائلون: موحدين.
وأصل الإنابة: الرجوع، أي: راجعين إليه عما كانوا فيه من الشرك؛ فالإنابة هي التوحيد، وإن كان الإنابة الإخلاص، فهو رجوع عن الإشراك في العبادة، وإن كان عن العصيان فهو الطاعة، وأصله: الرجوع عما كانوا فيه؛ ففيه وجوه من الاحتجاج على أولئك، وتنبيه وعظة للمؤمنين.
أما الاحتجاج عليهم: فإنه معلوم؛ لأنهم كانوا لا يركبون السفن والبحار مع المؤمنين، ولكن كانوا يركبون بأنفسهم، ثم أخبر عما أخلصوا له والدعاء له والتضرع، دل أنه بالله عرف ذلك؛ فذلك يدل على رسالته.
والثاني: فيه دلالة أنهم قد عرفوا وحدانية الله وألوهيته؛ حيث فزعوا عند الشدائد والبلايا إلى الله، وأخلصوا له الدين، ثبت أنهم قد عرفوا سفه أنفسهم في عبادتهم الأصنام وتركهم عبادة الله، تعالى.
والثالث: تصديقاً لقوله:
{ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } [الأنعام: 28]؛ لأنهم كانوا يسألون الرد إلى الدنيا ليؤمنوا به؛ كقولهم: { يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَٰتِ رَبِّنَا } [الأنعام: 27]، فأخبر أنهم يعودون إلى ما كانوا؛ كما عادوا إذا كشف عنهم الضر.
وأما العظة والتنبيه للمؤمنين: فهو أن يكونوا في الأحوال كلها على حال واحد في حال الرخاء والشدة، ذاكرين له شاكرين؛ لأنهم في حال الشدة والبلايا أكثر ذكراً له وإنابة من حال السعة والرخاء، فينبههم ليكونوا في كل حال ذاكرين له منيبين إليه راجعين.
وفيه دلالة: شدة سفه أولئك الكفرة؛ حيث أنابوا إليه وأخلصوا له الدين عندما يصيبهم الشدة والبلاء، ويعرضون عنه ويشركون في ألوهيته عند السعة. وفي طباع الخلق في الشاهد خلاف ذلك: أن من ضيق على آخر أمره وشدده فهو يعرض عنه ويبغضه، ومن أنعم عليه من ملوك الأرض وأحسن - أطاعه وأحبه؛ فهم لشدة سفههم عكس طباعهم، وخالفوا طباع الناس جميعاً، والله أعلم.
وقوله: {ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً}.
أي: السعة والرخاء.
{إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ}.
فإن قيل: ما فائدة ذكر هذه الآيات وأمثالها، وهم كانوا لا يؤمنون بها، ولا ينظرون فيها.
قيل: قد يحتج عليهم بما لا يقرون ولا ينظرون فيه.
أو أن ينظر في ذلك فريق منهم ويعرفونه، والله أعلم.
وقوله: {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُواْ}.
اختلف فيه:
قال بعضهم: هو على التقديم والتأخير؛ يقول: إذا أذاقهم منه رحمة؛ لئلا يكفروا، وإنما أذاقهم رحمة لئلا يكفروا، لكنهم كفروا، إلى هذا ذهب مقاتل.
وعندنا ما ذكرنا: هو أذاقهم منه رحمة؛ ليكون منهم ما قد علم أنهم يختارون، ويكون منهم، وهو الكفر، ولا جائز أن يذيقهم الرحمة؛ لئلا يكفروا، ويعلم منهم أنهم يختارون الكفر ويكون منهم ذلك؛ فدل أنه ما ذكرنا.
ثم في الآية دلالة نقض قول المعتزلة في قولهم: إن على الله الأصلح للعباد لهم في الدين، وقولهم: إذا علم من أحد منهم الإيمان في وقت من الأوقات ليس له أن يخترمه؛ ولكن عليه أن يبقيه إلى ذلك الوقت؛ لأنه لو اخترمه قبل ذلك الوقت لكان هو المانع إيمانه.
فيقال: إن أولئك الكفرة لما أخلصوا دينهم لله في حال الشدة وخوف الهلاك لم يبقهم الله على ذلك الإخلاص والحال التي كانوا يخلصون الأمر له والدين، بل وسع عليهم، وحولهم من تلك الحال، حتى عادوا إلى ما كانوا؛ دل أن ليس على الله حفظ الأصلح للخلق في الدين. وقد أمر نبيه بمقاتلة الكفرة مطلقاً، ولعلهم يسلمون في وقت لو تركوا أو بعض منهم؛ دل أن ليس ذلك عليه.
وقوله: {فَتَمَتَّعُواْ} هو في الظاهر أمر، ولكنه يخرج على الوعيد؛ كقوله:
{ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ } [فصلت: 40]، وقد ذكر في آية أخرى: { وَلِيَتَمَتَّعُواْ } [العنكبوت: 66]؛ فهو ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله: {أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ}.
قال بعضهم: {أَمْ أَنزَلْنَا}: بل أنزلنا عليهم سلطاناً وحججاً، فهو يتكلم بما كانوا به يشركون، أي: يبين، ويعلمهم أن الذي هم عليه شرك ليس بتوحيد؛ لأنهم كانوا يقولون: إنا على التوحيد، وإنما نعبد هذه الأصنام
{ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ } [الزمر: 3]، و { هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ } [يونس: 18] ونحوه؛ فيقول: بل أنزلنا عليهم ما يبين ويعلم أن ذلك شرك وليس بتوحيد.
ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن قوله: {أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً}، أي: ما أنزلنا عليهم سلطاناً فيأمرهم بما كانوا به يشركون أو يأذن لهم بذلك؛ كقوله:
{ أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ } [النجم: 24]؛ فعلى ذلك قوله: {أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً} أي: لم ننزل عليهم سلطاناً يأمرهم بما كانوا به يشركون، أو كانوا يدعون بذلك أمر الله؛ كقولهم: { وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا } [الأعراف: 28]، ففيه وجهان على أولئك الكفرة.
أحدهما: ما ذكرنا أنهم كانوا يدعون بذلك الأمر من الله، فيخبر أنهم كذبة في قولهم بأن الله أمرهم بذلك؛ بل لم يأمرهم بذلك، ولا أنزل عليهم الكتاب أو السلطان في إباحة ذلك.
والثاني: يذكر سفههم في عبادتهم الأصنام؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام، ويسمونها: آلهة، بلا سلطان ولا حجة كانوا يطلبون على ذلك، ثم كانوا يطلبون من الرسول آيات تقهرهم وتضطرهم على رسالته وما يوعدهم، بعدما آتاهم من الآية ما أعلمهم وأنبأهم أنه رسول؛ فالعبادة أعظم وأكبر للمعبود من الرسالة؛ فإذا لم تطلبوا لأنفسكم الحجة والآية القاهرة في إباحة ما تعبدون من دون الله فكيف تطلبون من الرسول الآية القاهرة في إثبات الرسالة؟!
وقال بعضهم: {أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً}: كتاباً فيه عذر لهم، فهو يشهد بما كانوا به يشركون.
وقوله: {وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ}.
إذا أريد أن يسوي بين هذه الآية والآية التي قبلها، وهو قوله: {وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ...} إلى آخره، ويجمع بينهما يكون قوله: {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ}: من الأصنام التي يعبدونها؛ لأنه يقول في هذه الآية: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ}، وفي الأولى يقول: {وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ}؛ فوجه الجمع بينهما ما ذكرنا: أن يكون القنوط من الأصنام، والله أعلم؛ كقوله:
{ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ } [الإسراء: 67].
أو أن يكون قوله: {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ}: عندما امتد بهم الضرّ والشدة؛ حينئذ ييئسون من رحمة الله، والأول في ابتداء ما أصابهم من الضر فزعوا إليه وأنابوا له.
أو أن يكون إحدى الآيتين في قوم، والأخرى في قوم آخرين؛ لأنهم كانوا فرقاً وأحزاباً في الكفر والشرك: منهم من كان يشرك في الأحوال كلها: في حال الضيق والسعة، ومنهم من كان يشرك في حال الضيق، ويؤمن في حال السعة، كقوله:
{ وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّئَاتُ عَنِّيۤ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ } [هود: 9-10]، وكقوله: { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ } [الحج: 11].
ومنهم من كان يخلص الدين حال الضر والشدة، ويعاند ويتمرد في حال السعة والرخاء؛ كقوله:
{ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } [العنكبوت: 65] ونحوه؛ فكانوا فرقا وأحزابا على ما ذكرنا؛ فجائز أن يكون إحدى الآيتين في فريق وقوم، والآية الأخرى في قوم آخرين.
أو ما ذكرنا من اختلاف الأحوال: يقنطون عندما امتد بهم الضر والشدة، وينيبون إليه عندما لم يمتد بهم ذلك ولم يتطاول.
أو ما ذكرنا من القنوط من الأصنام والإنابة إلى الله؛ كقوله:
{ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ } [الإسراء: 67].
وإلا الآيتان في الظاهر متناقضتان، ولكن الوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.
يحتمل قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} على الكافرين؛ كقوله:
{ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ } [الأنعام: 83].
ثم وجه الآيات لهم على كفار مكة من وجوه في إثبات الرسالة، وفي البعث، [و] في إظهار سفههم في عبادة الأصنام وإشراكهم إياها في عبادة الله؛ لأن أهل مكة كانوا ينكرون الرسالة والبعث، ويرون عبادة غير الله؛ فالاحتجاج عليهم بهذه الآية على الوجوه التي ذكرنا.
فأما الاحتجاج في إثبات الرسالة فهو من وجوه ثلاثة:
أحدها: أنهم كانوا ينكرون الرسالة؛ لأنه بشر، ولا يرون للبشر بعضهم على بعض فضلا؛ كقوله:
{ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ } [المؤمنون: 33]؛ فيريهم الفضل لبعضهم على بعض في الرزق: موسعا على بعض مضيقا مقترا على بعض؛ فإن ثبت عندهم، وظهر الفضل لبعض على بعض فيما ذكرنا يجوز الفضل على بعض في الرسالة.
والثاني: ذكر مقابلا لقولهم:
{ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } [الزخرف: 31]؛ يخبر أن الأمر ليس إليهم؛ إنما ذلك إلى الله تعالى، يختار من يشاء لما يشاء من الرسالة والنبوة وغيرهما، كما يختار التوسيع على من يشاء والتضييق والتقتير على من يشاء، وإن كانوا جميعاً يتمنون السعة ويحبونها، ويهربون من الضيق والتقتير، ولكن الأمر في ذلك إلى الله تعالى كله.
والثالث: وسع على بعض وضيق على بعض؛ فالجهة التي وسع على بعض غير الجهة التي ضيق على بعض؛ فلا بد من رسول يخبر عن ذلك، ويعلم ما على هذا وما على هذا، وما جهة التفريق بينهم والتفضيل في الرزق، والله أعلم.
وأما الاحتجاج عليهم في البعث بها فمن وجوه أيضاً:
أحدها: أنه جمع في هذه الدنيا بين العدو والولي، وسوى بينهما في التوسيع والتضييق؛ إذ وسع على العدو والولي جميعاً، وضيق على الولي ووسع على العدو، وفي الحكمة والعقل التفريق بينهما لا الجمع والتسوية، وقد سوى بينهما في هذه الدنيا وجمع؛ فلا بد من دار أخرى فيها يفرق بينهما؛ فيلزمهم البعث، والله الموفق.
والثاني: أنه وسع الرزق على من هو في تقديرهم وعقولهم لا يوجب التوسيع عليه، وهو السفيه الجاهل الذي في تقدير كل ذي عقل ولب أن يكون محروما مضيقا، وضيق على من هو في تقدير كل أحد وعقله أن يكون موسعا عليه مرزوقا، وهو العاقل العارف بجميع أسباب السعة والغناء، وفي التقدير على خلاف هذا؛ فلا بد من مكان فيه يظهر التفضيل للعقول والمعارف، والرغبة فيها، والرغبة عن أضدادها، ومن هو أهل التوسيع ومن هو أهل الحرمان؛ إذ قد اشتركوا في هذه.
والثالث: أن يعتبروا وينظروا بأن من قدر على توسيع الرزق وبسطه وتضييق الرزق وحرمانه، بالأسباب الخارجة عن تقديرهم وتدبيرهم وبغير أسباب لقادر على إحياء الأشياء الخارجة عن تقدير قدرتهم وتدبيرهم، والله أعلم.
وأما وجه الاحتجاج عليهم بعبادتهم غير الله، فهو أن في ذلك تناقض، وذلك أنهم قالوا:
{ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ } [الزمر: 3]، و { هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ } [يونس: 18]، وكانت لا تشفع لهم في الدنيا، ولا تقربهم الزلفى فيها في التوسيع والبسط ودفع الضيق، وفي الآخرة لا يحتمل؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون، فهو متناقض وسفه وسرف في القول.
وهذه الآية وغيرها من الآيات تنقض على المعتزلة؛ لأنهم لا يجعلون لله في مكاسب الخلق وحرفهم وتجاراتهم وجميع أسبابهم التي بها يرتزقون ويتعيشون صنعا، وإنما يجعلون ذلك في الخارج من الأرض وغيرها، فالناس في ذلك، وتضيق إذا لم يكن له في تلك الأسباب والمكاسب صنع؛ فدل أن له في ذلك صنعاً حتى يقع منه البسط والتوسيع والتضييق والتقتير، والله أعلم.
وقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} يحتمل وجهين:
أحدهما: ما ذكرنا: يكون للمؤمنين في ذلك آيات على الكفار.
والثاني: لقوم ينتفعون بإيمانهم، والمؤمنون هم المنتفعون بها، فأما من كفر بها فلا ينتفع.
وجائز أن يكون في ذلك العبرة من وجه آخر لقوم يؤمنون، وهو ألا يعلقوا قلوبهم في الرزق بالأسباب التي يكتسبون بها ولكن يرون الرزق من الله أنه يرزق بأسباب وبغير أسباب. أو يذكر هذا لهم على أن من رفع الحاجة إلى آخر، فلم يقضها: أن يرى حرمانها من الله، لا من ذلك الرجل.
وقوله: {فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ}.
يحتمل قوله: {حَقَّهُ} أي: حاجته، لا على حق كان له، كقوله:
{ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ } [هود: 79]، أي: من حاجة؛ إذ معلوم أنه لم يكن لهم في بناته حق، ولكن أرادوا بالحق الحاجة، فعلى ذلك الأول، وكذلك قوله: {وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ}:
أي: سد المسكين حاجته ومسكنته، وكذلك ابن السبيل.
ويحتمل قوله: {فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ}: الحق الذي كان لهم، لكن لم يبين ذلك الحق في هذه الآية، وبين في آية أخرى؛ كقوله:
{ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ } [البقرة: 180]، وما ذكر من المواريث قوله: { يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ... } الآية [النساء: 11]، ونحو ذلك من الحقوق. وحق المسكين وابن السبيل: ما ذكر من الصدقات والزكاة، والله أعلم.
وقوله: {ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ}.
يحتمل قوله: {ذَلِكَ خَيْرٌ}، أي: الإيتاء للأقربين والمساكين والفقراء خير من الأبعدين والأغنياء وغيرهم.
أو أن يكون قوله: {ذَلِكَ خَيْرٌ}، أي: ذلك الإيتاء إذا أريد به وجه الله - خير مما لا يراد به.
وقوله: {وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ}.
اختلف فيه: قال بعضهم: هو المنقطع عن ماله يعان حتى يصل إلى ماله.
وقيل: الضيف ينزل فيحسن إليه إلى أن يرجع ويرتحل.
وجائز أن يكون قوله: {ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ}، أي: آت من ليست له عندك نعمة؛ فيكون ذلك ليس مكافاة لتلك النعمة، ولكن على إرادة وجه الله، والله أعلم.
{وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}.
قد ذكرنا أن الفلاح هو البقاء، وقيل: النجاة.
قال أبو عوسجة: {ٱلْقِيِّمِ} المستقيم، {مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ}، أي: تائبين، {يَقْنَطُونَ}: ييئسون.
وقوله: {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ}.
قال عامة أهل التأويل: هذا في العطايا التي يعطي بعضهم بعضا ويهدون؛ ليصيبوا أكثر مما أعطوا وأهدوا مجازاة ومكافأة لذلك؛ كأنه يقول: وما آتيتم من عطية وهدية؛ ليربو في أموال الناس لتزدادوا من أموال الناس، ولتلتمسوا الفضل من أموالهم، يقولون: هذا ربا حلال لا وزر فيه ولا أجر؛ فهو مباح للناس عامة لا بأس به.
وأما قوله:
{ وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ } [المدثر: 6] فهو للنبي خاصة، يقول: لا تعطه لتعطى أكثر منه؛ ابتغاء الثواب في الدنيا، ولكن أعط ابتغاء ثواب الآخرة.
ويستدلون بإباحة ذلك بقوله: {فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ}، يقول: لا يزداد ولا يتضاعف ذلك عند الله، ولم يقل ما قال في الربا المحرم المحظور؛ حيث قال:
{ يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَٰواْ وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَٰتِ } [البقرة: 276]: ذكر المحق وهاهنا ذكر: {فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ}، أي: لا يزداد ولا يتضاعف.
لكن لو قيل: إنها في الربا المحظور كان جائزا محتملا، ويكون قوله: {فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ} كقوله:
{ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ } [البقرة: 16]: إنها إذا لم تربح خسرت؛ ألا ترى أنه قال: { وَأُوْلَئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ } [التوبة: 69]؛ دل أنها إذا لم تربح خسرت؛ فعلى ذلك قوله: {فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ}: إذا لم يرب عنده محقه وخسروا، فهو - والله أعلم - لولا صرف أهل التأويل التأويل إلى الهدايا والعطايا التي يبتغى بها الثواب في الدنيا والمكافأة فيها أكثر مما أعطوا؛ وإلا جاز صرفه إلى الربا المعروف بين الناس في العقود وكذلك روي في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الهدية يبتغى بها وجه الرسول، وقضاء الحاجة والصدقة يبتغى بها وجه الله والدار الآخرة" .
ثم بين ما الذي يربو عند الله، وهو ما قال:
{وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ}.
ثم اختلف فيه: منهم من قال: هو ما يزكون من زكاة المال؛ يريدون به وجه الله؛ فهو الذي يقبله الله ويضاعف عليه.
ومنهم من قال: كل صدقة أعطاها؛ أراد وجه الله، لم يرد بها الثواب في الدنيا - فهي التي تتضاعف وتزداد عند الله.
{فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ}.
وكان يجيء أن يقال: فأولئك هم المضعفون بنصب العين؛ لأنه هو يضاعف لهم، لكن الزجاج يقول: هو كما يقال: الموسر - هو الذي له يسار، والمقوي - هو الذي له القوة ونحوه؛ فعلى ذلك: المضعف هو الذي له الضعف.
وعندنا: هم المضعفون؛ لأنهم هم الذين جعلوا الآحاد عشرات والأضعاف المضاعفة، بتصديقهم ابتغاء وجه الله؛ فهم المضعفون لأنفسهم ذلك.
ثم يجوز أن يستدل بهذه الآية على إباحة هذه المعاملات التي تجري فيما بين الناس؛ لأنه أجاز الهدية والعطية على قصد الفضل والزيادة. وإن كان على شرط الزيادة لا يجوز؛ فعلى ذلك المعاملة تجوز على قصد الزيادة، والفضل، وإن كان على قصد أولئك طلب الفضل لا محالة، بل يكافئون مرة الأكثر، ولا يكافئون بعضاً ويحرمون بعضاً؛ فلا يكره، وأما المعاملة فلا تكون إلا على قصد ذلك الفضل؛ فلا يرضون منهم إلا حفظ المقصود فيها، وأهل العطايا والهدايا قد يرضون بالثناء الحسن والشكر لهم، وأهل المعاملة لا، روي في بعض الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"من أسدي إليه؛ فليجازه وإلا فليشكره وليثن عليه" ، أو كلام نحو هذا.
والثاني: أن أهل المعاملة يشترطون قبل المعاملة الزيادة، وإن كانوا يشترطون في عقد المعاملة، ولا كذلك أهل العطايا والهدايا؛ بل يتعرضون تعريضاً؛ لذلك افترقا، والله أعلم.