التفاسير

< >
عرض

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ
٢٧
وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ
٢٨
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ
٢٩
لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ
٣٠
-فاطر

تأويلات أهل السنة

قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا} إلى آخر ما ذكر - فيه فوائد من الحكمة:
أحدها: أنه جعل - عز وجل - طبع الماء مما يلائم ويوافق طباع هذه الثمرات على اختلاف جواهرها وألوانها؛ حتى يكون حياة كل شيء منها وقوامه بهذا الماء، وكذلك جعل طبع هذا الماء ملائماً موافقاً طباع جميع الخلائق من البشر والدواب والطير والوحش وجميع الحيوان، على اختلاف جواهرهم وأصنافهم وغذائهم، حتى صار هو غذاء وحياة لهم وقياما به؛ ليعلم أن من ملك هذا وقدر توفيق هذا - على اختلاف ما ذكرنا من الجواهر والأغذية - وتدبيرَهُ، لا يعجزه إنشاء شيء لا من شيء، ولا يخفى عليه شيء، وفي ذلك دلالة البعث: أن من بلغت قدرته وتدبيره وعلمه هذا المبلغ لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء.
والثاني: أنه أنشأ ما ذكر من مختلف الأشياء والجواهر بهذا الماء، وجعله سبباً لحياة ما ذكر من البشر والدواب وغيره، من غير أن يكون في ذلك الماء الذي أنشأ ذلك منه، وجعله سبباً لحياتهم من أثر ذلك فيه أو من جنسه؛ ليعلم أنه لم يكن أنشأ هذه الأشياء بهذا الماء، ولا جعله سبباً لها على الاستعانة به والتقوية، بل إعلاماً للخلق أسباب مطالب الغذاء والفضل لهم؛ إذ لو كان على الاستعانة وجعله سبباً له في إنشاء ذلك، لكان يكون تلك الأشياء المنشأة مشاكلة للماء مشابهة له؛ دل أنه جعل ذلك سبباً للخلق في الوصول إلى ما ذكرنا من الأغذية لهم من غير أن يروا أرزاقهم من تلك الأسباب والمكاسب ولكن من فضل الله.
والثالث: أنشأ هذه الفواكه والثمرات مختلفة ألوانها وطعمها؛ لما علم من البشر من الملالة والسآمة من نوع واحد ولون واحد؛ ليتم نعمه عليهم ليتأدّى بذلك الشكر عليها، والله أعلم.
وقوله: {وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ}.
قال بعضهم: أنشأ الجبال أيضاً مختلفة من بيض وحمر وغرابيب، كما أنشأ الثمرات والدواب والحيوان كلها مختلفة.
وقال بعضهم: ذلك وصف، وصفها بالسواد للطرق التي أنشأها في الجبال ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كاختلاف الجبال والثمار، وكذلك: {وَغَرَابِيبُ} جمع غربيب، وهو الشديد السواد، يقال: أسود غربيب؛ وهو [قول] القتبي وأبي عوسجة، ورجل غربيب الشعر، أي: أسود الشعر، ومأخذه من الغراب لأنه أسود، والجدد: الخطوط والطرائق في الجبال.
وقال أبو عوسجة: الجدة: الخطة، [و] الجدد: جميع الخطوط، يقال: جددت، أي: خططت، [و] يقال: ثوب جديد وثياب جدد، {وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ} أي: طرائق مختلفة ألوانها بعضها بيض وبعضها غرابيب وهي سود.
يذكر قدرته وتذكيره أن الجبال مع غلظها وشدتها وارتفاعها جعلها بحيث يتطرق منها في صعودها وهبوطها، فمن قدر على هذا لا يعجزه ولا يخفى عليه شيء.
أو يذكر نعمه عليهم حيث سخرها لهم؛ ليقضوا فيها حوائجهم فيما بعد عنهم وصعب عليهم، والله أعلم.
وقوله: {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ}.
هذا يحتمل وجوهاً:
أحدها: أن الذي يحقّ على العالم بالله أن يكون هو يخشاه؛ لما يعلم من سلطانه وهيبته وقدرته وجلاله.
والثاني: أن العالم بالبعث والمؤمن به هو يخشى مخالفة الله في أوامره ونواهيه؛ لما يعلم من نقمته وعذابه من خالفه وعصى أمره، فأمّا من [لم] يعلم بالبعث ولم يؤمن به فلا يخافه؛ كقوله:
{ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا } [الشورى: 18]، وقوله: { إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ } [المؤمنون: 57] ونحوه.
أو أن يكون قوله: {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ} عباده من جملة المؤمنين؛ يقول - والله أعلم -: إنما يخشى الله من عباده المؤمنون به، المصدقون عذابه ونقمته، فأمّا من لم يؤمن به فلا يخافه كما ذكرنا في قوله:
{ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } [إبراهيم: 5] إن في ذلك لآيات لكل مؤمن، ويكون الصبار والشكور كناية عن المؤمن؛ فعلى ذلك هذا محتمل.
وقال أهل التأويل: على التقديم والتأخير، أي: أشد الناس لله خشية أعلمهم بالله، والخشية:
قال الحسن: هي الخوف الدائم اللازم في القلب غير مفارق له، والله أعلم.
وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}.
قال بعضهم: العزيز: المنتقم من أعدائه، والغفور لذنوب المؤمنين.
وقال بعضهم: عزيز في ملكه ومن دونه ذليل، غفور، أي: ستور على ذنوب المؤمنين.
وقوله: {ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ}.
يحتمل ما ذكر من تلاوة الكتاب هاهنا، ما ذكر في آية أخرى قال:
{ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ } [البقرة: 121] وأقاموا فيها من الأمر بالصلاة والأمر بالزكاة.
أو أن يكون قوله: {يَتْلُونَ كِتَابَ ٱللَّهِ} أي: يتبعون كتاب الله فيما فيه مما لهم ومما عليهم، يتبعون كله من الإقدام على الحلال والاجتناب على الحرام، والمشفقون بكتاب الله هم الذين اتبعوا ما فيه من إقامة الصلاة وإنفاق ما رزقوا، فأما من تلا ولم يتبع ما فيه فكأنه لم يتل، وهو كما نفى عنهم هذه الحواس من البصر والسمع واللسان وغيره؛ لتركهم الانتفاع بها وإن كانت لهم تلك الحواس حقيقة، وأثبتها للمؤمن لما انتفع بها وإن لم تكن له تلك حقيقة؛ فعلى ذلك يحتمل الأول، والله أعلم.
وقوله: {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً}.
يحتمل قوله: {سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} في كل حال وكل وقت لا يتركون الإنفاق على كل حال؛ كقوله:
{ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ } [آل عمران: 133-134]، أي: ينفقون على كل حال. ويحتمل: فلينفقوا مما رزقناهم {سِرّاً وَعَلاَنِيَةً}، أي: يتصدقون الصدقة ظاهراً وباطناً، أي: ما ظهر للناس وعلموا به، وما خفي عنهم واستتر؛ لما قصدوا بها وجه الله لا مراءاة الخلق، فمن كان قصده بالخيرات وجه الله لا مراءاة الخلق، فعلمهم به وجهلهم سواء، لا يمتنع عن ذلك أبداً، والله أعلم.
وقوله: {يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ}.
سمى ما يبذل العبد لله: تجارة، وإن كان ذلك له في الحقيقة لطفاً منه وإحساناً، وكذلك ما ذكر من إيفاء الأجر لهم على أعمالهم حيث قال: {لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ}، وذلك ليس في الحقيقة أجراً لما يستوجبون الأجر قبله بتلك الأعمال؛ لما عليهم من الشكر فيما أنعم عليهم من أنواع النعم، ومتى يفرغون عن شكر ما أنعم عليهم حتى يكون ذلك أجراً لهم، لكنه - عز وجل - بفضله وإنعامه وعد لهم الثواب والأجر على حسناتهم وأعمالهم الصالحات؛ إفضالا منه وإنعاماً منه، وسمى ذلك: تجارة كأن ليس ذلك له في الحقيقة؛ ترغيباً منه الخلق في ذلك وتحريضاً لهم على ذلك، والله أعلم.
{وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ} على ذلك أيضاً.
وقوله: {إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ}.
يحتمل قوله: {غَفُورٌ} أي: ستور لمساويهم، {شَكُورٌ} أي: مظهر لحسناتهم بإدخاله إياهم الجنة؛ ليعلم أحد أنه كان محسناً لا مسيئاً.
أو {غَفُورٌ}: يتجاوز عن مساوئهم، {شَكُورٌ}: يقبل اليسير من العمل القليل منهم [و] يجزيهم على ذلك الجزيل من الثواب، والله أعلم.
وقوله: {لَّن تَبُورَ}.
قال أبو عوسجة والقتبي: {لَّن تَبُورَ} أي: لن تفنى أو لن تكسد، يقال: بارت التجارة تبور فهي بائرة: إذا كسدت.
{لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ}: من الإيفاء، يقال: أوفيته حقه، أي: أعطيته [حقه] كله.