التفاسير

< >
عرض

فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ
١١
بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ
١٢
وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ
١٣
وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ
١٤
وَقَالُوۤاْ إِن هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ
١٥
أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ
١٦
أَوَ آبَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ
١٧
قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ
١٨
فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ
١٩
وَقَالُواْ يٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ
٢٠
هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ
٢١
ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ
٢٢
مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ
٢٣
وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ
٢٤
مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ
٢٥
بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ
٢٦
-الصافات

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ}.
قيل: هي السماوات والأرض والجبال، وقيل: الملائكة، وأكثرهم قالوا: قوله - عز وجل -: {أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ}، أي: السماوات والأرض؛ كقوله - عز وجل -:
{ لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ... } الآية [غافر: 57]، يقول - والله أعلم -: سلهم أن خلقهم وإعادتهم أشدّ وأكبر وأعظم من خلق السماوات والأرض؟ وإذا أقررتم أنتم بقدرته على خلق السماوات والأرض كيف أنكرتم قدرته على إعادتكم بعد ما متم، وكنتم تراباً ورفاتاً؟! والله أعلم.
وقوله: {فَٱسْتَفْتِهِمْ} و
{ سَلْهُمْ } [القلم: 40] ونحو ذلك مما أمر الله - عز وجل - رسوله أن يسألهم ويستفتيهم يخرج من الله - عز وجل - على وجوه:
أحدها: على التقرير عندهم والتنبيه لهم.
أو على التعيير لهم والتوبيخ.
أو على التعليم حجة الحجاج والمناظرة فيما بينهم وبين خصومهم، وهكذا كل سؤال واستفتاء كان من خبير عليم لمن دونه يخرج على هذه الوجوه، وكل سؤال واستفتاء كان من الجهّال لخبير عليم يخرج على استرشاد وطلب الصواب.
وقوله: {فَٱسْتَفْتِهِمْ} و
{ سَلْهُمْ } [القلم: 40] { وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ... } الآية [الزخرف: 45]، و { سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ } [البقرة: 211]، و { قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } [الإخلاص: 1]، و{قُلْ...} كذا - هذا كله يخرج على التقرير والتنبيه، وعلى تعليم الكل حجة الحجاج والمناظرة لا على الأمر؛ لأنه لو كان [على] الأمر، لكان لا يقول ذلك المأمور بالتبليغ: سل، ولا قل، ولا شيء من ذلك، ولكن يبلغ إليه رسالته وأمره أنه يقول لكم: أن افعلوا كذا ولا تفعلوا؛ فدل أن ذلك الأمر للكل في أمر أنفسهم: أن قولوا لهم، وأن افعلوا بهم كذا، والله أعلم.
وقوله: {فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً...} الآية.
أمره أن يستفتيهم، ولم يذكر أنهم ما أفتوه؟ ولا أجابوه أو لا؟ ولا قال لهم: إنهم لو أجابوك وأفتوك بكذا فقل لهم كذا أو أجبهم بكذا؛ فجائز أن يكون الجواب ما ذكرنا: أنكم لو لم تشاهدوا خلق ما ذكر من السماوات والأرض وغيرها سوى خلق أنفسكم ثم شاهدتم خلقنا أعني ما ذكرنا من السماوات والأرض والجبال وغيرها - هل تنكرون قدرته على خلق ما شهدتم وعاينتم: أنه لم يخلقها إلا هو، كيف أنكرتم قدرته على إعادتكم وبعثكم؟!
وقوله - عز وجل -: {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ}.
فذكر - والله أعلم - ضعفهم وشدة ما خلق من سواهم أنكم تعلمون ضعف أنفسكم وعجزها، وشدة من سواكم وقوتها وصلابتها، ثم إنها مع شدتها وقوتها وصلابتها أخضع لله وأطوع منكم نحو ما ذكر من طاعتها له وخضوعها؛ حيث قال: - عز وجل -:
{ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ } [فصلت: 11]، وقوله - عز وجل -: { لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ } [الحشر: 21] ونحو ذلك مما يكثر، والله أعلم.
أو أن يذكر لقوله - عز وجل -: {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} بدء خلقهم وأصله الذي خلقوا هم منه، إنكم إنما عرفتم ابتداء خلقكم وأصلكم الذي منه خلقتم أنه تراب أو طين بإخبار الرسل، ويقول لهم: وأنتم يا أهل مكة ممن لا يؤمنون بالرسل، فكيف صدقتم الرسل بما أخبروا من أصلهم وبدء خلقكم، ولم تصدقوهم بما يخبرونكم من إعادتكم وبعثكم بعد موتكم؟! فإذا صدقتموهم في ذلك لزمكم التصديق لهم في كل ما يخبرون ويقولون، والله أعلم.
أو يقول: إنه أنشأ من تلك النفس الواحدة التي خلقها من تراب من الخلق ما لو تركهم جميعاً لم يفنهم ولم يمتهم، لامتلأت الدنيا منها، فمن قدر على إنشاء ما تمتلئ الدنيا منه من نفس واحدة لا يحتمل أن يعجزه شيء من البعث والإعادة وغير ذلك، والله أعلم.
أو أن يقول في قوله - عز وجل -: {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ}، أي: قد أنشأ من تلك النفس ومن ذلك الأصل قرناً وقرنا بعد قرن بعد إفناء كل قرن أنشأ قرناً آخر؛ فلا يحتمل أن يكون المقصود من إنشائهم الإنشاء ثم الإفناء والنقض، خاصة لا عاقبة تقصد بالإنشاء والإفناء؛ إذ في الشاهد من كان مقصوده في البناء الفناء والنقض خاصة كان غير حكيم، فإذا عرفتم الله - عز وجل - أنه حكيم؛ فلا يحتمل أن يكون مراده من إنشائكم وإفنائكم ذلك خاصة لا غير وذلك مزيل الحكمة، ويوجب السفه، تعالى الله عن ذلك وجميع ما يصفه الملاحدة علوّاً كبيراً.
أو أن يقول: إنكم عرفتم أنه إنما أنشأكم من تلك النفس التي أنشأها من تراب أو طين على اتفاق منكم، فإذا متم وفنيتم صرتم تراباً أو طيناً، فكيف أنكرتم إعادته إياكم من تراب أو طين، وقد أقررتم أن أصلكم تراب أو طين - والله أعلم - على الوجوه التي ذكرنا يجوز أن يخرج.
وقوله - عز وجل -: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ}.
بالنصب يحتمل وجوهاً:
أحدها: عجبت منهم إنكارهم ما أنكروا بعد كثرة قيام الآيات والحجج عليهم في ذلك وهم ينكرون ويسخرون.
أو يقول: عجبت ويسخرون؛ لما أنك بزعمهم لعظيم ما ينزل بهم من العذاب والشدائد وما يستقبلهم من الأمور المهمة وهم يسخرون، والله أعلم.
أو يقول: بل عجبت لما تدعوهم أنت إلى ما به نجاتهم وفلاحهم وهم يسخرون، ونحو ذلك يحتمل، والله أعلم بما كان يعجِّبه.
وفي بعض الحروف: {بل عجبتُ} بالرفع، وكذلك ذكر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه كان يقرؤه بالرفع: {بل عجبتُ} فإن ثبت ذلك وصح إضافة العجب إلى الله فهو في الشاهد وإن كان لظهور عظيم مما قالوا خفيّاً عليهم مستتراً، عند ذلك يقع لهم العجبُ فهو في الله عز وجل، وإن كان لا يحتمل أن يخفى عليه شيء، فذلك لعظيم ما كان منهم من الإنكار من قدرته على الإنشاء والجحود في ذلك؛ فيكون ما ذكر من حرف العجب منه كناية عن الإنكار والدفع لقولهم، وذلك كما أضاف الامتحان إلى نفسه وإن كان في الشاهد لا يستعمل إلا في استظهار ما خفي عليهم واستتر منهم، فهو من الله يخرج على الأمر والنهي - أعني الامتحان - وإن كان في الشاهد بين الخلق لا يكون إلا لما ذكرنا، فعلى ذلك جائز إضافة العجب إلى الله على إرادة الإنكار منه عليهم والدفع لقولهم، والله أعلم.
ومن الناس من أنكر هذه القراءة وقال: لا يجوز إضافة التعجب إلى الله - عز وجل - لما هو لم يزل عالماً بما كان ويكون، وهو في الشاهد إنما يكون لظهور عظيم من الأمر قد جهلوه، لكن هذا وإن كان في الخلق ما ذكر فهو من الله على غير ذلك، على ما ذكرنا من إضافة الامتحان إليه والابتلاء وإن كان بين الخلق لما ذكرنا، وقد ظهرت إضافته إليه بقوله:
{ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ } [الرعد: 5] وهو يخرج على الإنكار عليهم والرد على تعظيم إنكار ما قالوا وأنكروا، والله أعلم.
ومن الناس من قال في قوله عز وجل: {بَلْ عَجِبْتَ} فيما أضافه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي عجبت من هذا القرآن حين أعطاك إياه ويسخر منه أولئك الكفرة.
ويحتمل معنى [آخر]، وهو أن يقال: إن قوله عز وجل: {بَلْ عَجِبْتَ} أي: جعلت ما أنزلت عليك من القرآن والوحي أمراً عجباً، أو أن يقال: كان إنكارهم رسالتك وتكذيبهم الآيات أمراً عجباً وهم يسخرون، ونحوه، والله أعلم.
وقوله عز وجل: {وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ}.
ابن عباس يقول: وإذا وُعِظوا لا يتعظون، والموعظة والتذكير واحد.
وقتادة يقول: {وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ} أي: [لا] ينتفعون بالموعظة على ما ذكرنا في قوله:
{ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ } [البقرة: 18] أي: لا ينتفعون بتلك الحواس، وإن كانت لهم تلك، كمن لا حاسة له. فعلى ذلك قول قتادة.
وجائز أن يكون على مرادفة التذكير ما نسوا من الآيات والحجج، يقول: إنهم وإن ذكروا ما نسوا وتركوا وغفلوا عنه لا يتذكرون، والله أعلم.
وقوله عز وجل: {وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ} هذه الآيات وأمثالها ذكرها - والله أعلم - لقوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبداً [ ] {وَيَسْخَرُونَ * وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ * وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ * وَقَالُوۤاْ إِن هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ * أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ...} إلى آخر ما ذكر؛ يخبر عن عنادهم ومكابرتهم ... الآيات، ويذكر سفههم.
ثم في ذكر ما ذكر من عنادهم وسفههم، وجعله آيات من القرآن تتلى أبداً وجهان من الحكمة:
أحدهما: صيَّر ذلك آية لرسالته صلى الله عليه وسلم لأنه معلوم أنهم كانوا على ما أخبر عنهم من العناد والسفه وعلى أن ختموا وقبضوا، دل أنه بالله عرف ذلك وبوحيه علم، والله أعلم.
والثاني: يخبر - والله أعلم - على ما رأى سلفنا من سفه أولئك وعنادهم وما قاسوا منهم وما لحق بهم من الأذى والضرر والسوء؛ لئلا يضيق صدرنا في سفه من تسفه علينا من أهل الفساد والفسق، وألا نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لسفه السفيه، ولا لأذى المؤذي ولا سوء يقال، بل يجب علينا أن نتأسى بسلفنا ونقتدي بهم، وإذا أصابنا منهم ما أصاب أولئك من الأذى والسفه، وإن عاندوا أو كابروا وظهر منهم كل فسق وسوء على ما فعل أولئك، واحتملوا منهم ما كرهوا، فنحمل عن سفهائنا مثله - والله أعلم - وإلا لو لم يكن في ذكر سفههم وعنادهم ما ذكرنا من الحكمة كان لا معنى لذكر سفه أولئك وعنادهم.
وجائز أن يكون الشيء سفهاً باطلاً في نفسه ويكون حكمة ودليلاً لغيره - والله أعلم - على ما قال بعض الناس: إن الكذب نفسه يجوز أن يكون دليل الصدق، وكلام السفه والباطل دليل الصدق والحكمة، والله أعلم.
وقوله: {وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ} أي: وإذا أنزل عليهم آية على سؤال منهم يستسخرون ويستهزئون، يخبر عن سفههم أنهم وإن سألوا الآيات فإنهم لا يسألون سؤال استرشاد ولكن سؤال عناد وهزء؛ كقوله عز وجل :
{ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا } [الحجر: 14-15]، وكقوله: { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ } [الأنعام. 111].
وقالوا: {إِن هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} كان هذا تلقيناً لأولئك الكفرة الرؤساء من الشيطان اللعين حتى يموِّهوا على أتباعهم عندما ظهر، وكثير من الآيات؛ لما كانوا يعلمون أن لا كل أحد يعرف السحر ويتهيأ إتيانه وفعله؛ يلبسون بذلك على أتباعهم ليقع عندهم أنها السحر لا الآية، والله أعلم. ولو كان ذلك سحراً حقيقة لكان من آيات الرسالة، فكيف إذا كان آية لما كانوا يعلمون أنه لم يختلف إلى أحد ممن له معرفة بالسحر قط؟! فدل أنه بالله عرف ذلك، على ما ذكرنا: أن ما أنبأ وأخبر عن أنباء الأمم الخالية وأخبارهم يدل على رسالته؛ لما علموا أنه لم يختلف إلى أحد ممن له المعرفة بتلك الأنباء والأخبار ولا ينظر في كتبهم ليعرف ذلك، ثم أخبر على ما كان في كتبهم، دل أنه بالله عرف ذلك وبوحى منه إليه علم، فعلى ذلك لو كان سحراً فكيف إذا كانت آية عظيمة معجزة؟!
وقال الزجاج: حرف العجب إنما يكون عند ظهور العجب من الأمر وعبرة عظيمة، فأما ما أضيف إلى الله فهو على الإنكار منه والرد على من أنكر عظيماً من الأمر ظاهراً، أو كلام نحوه، والله أعلم.
وقوله عز وجل: {وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ} قيل: دائم؛ كقوله عز وجل:
{ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً } [النحل: 52] أي دائماً، وقيل: {عَذابٌ وَاصِبٌ} أي: شديد.
وقوله عز وجل: {مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} قيل: ملتزق، وقيل ملتصق الذي يلتصق باليد إذا لمس.
وقوله: {دُحُوراً} قيل: طرداً، وهو مطرود.
وقوله: {شِهَابٌ ثَاقِبٌ} قيل: مضيء، وقيل: هوى بضوئه.
ثم قوله: {وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ} قال بعضهم: يسخرون، وقال بعضهم: {يَسْتَسْخِرُونَ}: يطلبون من أتباعهم السخرية - يعني: القادة - على الآية. والله أعلم.
وقوله عز وجل: {أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ * قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ}: قد ذكرنا: أنهم يقولون ذلك وما تقدم على العناد والتعنت وعلم منهم أنهم لا يؤمنون أبداً وإن بين لهم جهة الإحياء والقدرة عليهم؛ لذلك اكتفى بقوله: {قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ}، قد ذكرنا أنهم كانوا يقولون ذلك، ولم يذكر شيئاً من الحجاج سوى قوله: {نَعَمْ}.
أي: صاغرون ذليلون؛ كقوله - عز وجل -:
{ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } [القلم: 43]، والله أعلم.
وقوله: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ}.
يحتمل قدر زجرة واحدة، يخبر عن سرعة قيامها ومرورها.
ويحتمل على حقيقة الزجرة، لكن يخبر عن خفة ذلك وهوانه عليه؛ كقوله:
{ كُنْ فَيَكُونُ } [البقرة: 117] من غير أن كان منه كاف ونون أو شيء من ذلك، لكنه أخفّ كلام على الألسن يؤدى به المعنى، ويفهم به المراد من ذلك؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: {زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} إخباراً عن خفة ذلك عليه وهوانه، من غير أن جعل الزجرة سبب الإحياء أو سبباً من ذلك، والله أعلم.
وقوله: {فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ}.
يحتمل قوله: {يَنظُرُونَ} إلى ماذا يؤمرون؟ وعن ماذا ينهون؟ لأن الذي أصابهم في الآخرة إنما كان لتركهم الأمر في الدنيا، فإذا عاينوا ما كانوا يوعدون في الدنيا بتركهم الأمر عنه ينظرون إلى ماذا يؤمرون وينهون عنه؟ والله أعلم.
أو ينظرون كالمتحيرين؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث ويكذبونه، فإذا عاينوا تحيروا وتاهوا وضجروا، وهكذا الأمر المتعارف في الخلق أن من أنكر شيئاً أو كذبه، ثم أخبر به وأعلم حتى تيقن عنده ما أنكر تحير وضجر؛ فعلى ذلك هؤلاء لما أنكروا في الدنيا وكذبوه ثم عاينوا ذلك وتيقنوا به - تحيروا وضجروا به، ينظرون نظر المتحير الضجر، والله أعلم.
وقوله: {وَقَالُواْ يٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ}.
هذا كلام يقال عند الوقوع في الهلاك.
وقوله: {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ} أي: يوم الحساب ويوم الجزاء، وكذلك قوله:
{ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ } [الفاتحة: 4].
ويحتمل: هذا يوم الذي ينفع كل من معه الدين دينه، والدين المطلق هو دين الله، وكذلك السبيل المطلق هو سبيل الله، أي: هذا يوم الدين الذي ينفع من كان معه دين الله، وكذا السبيل المطلق هو سبيل الله.
وقوله: {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ}.
قوله: {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ} أي: يوم القضاء والحكم؛ كقوله - عز وجل -:
{ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقَيَامَةِ } [السجدة: 25] أي: يقضي بينهم { فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } [السجدة: 25]، والله أعلم.
ويحتمل قوله: {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ} أي: يفصل ويفرق بينهم، أي: بين الكفار وأهل الإيمان، وبين الخبيث والطيب؛ كقوله - تعالى -:
{ لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً... } الآية [الأنفال: 38]، وقوله: { وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ } [يس: 59]، وقوله: { فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ } [الشورى: 7]، والله أعلم.
وقوله: {ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ}.
فالزوج: هو اسم لشكله واسم لضده اسم لهما جميعاً. يحتمل قوله: {وَأَزْوَاجَهُمْ} أي: أشكالهم وقرناؤهم من الجن والإنس والشياطين، يأمر الملائكة أن تجمع بين من كانوا يجتمعون في هذه الدنيا ويستحبون الاجتماع معهم أن يجمعوا في عذاب الآخرة، على ما كانوا يستحبون الاجتماع في الملاهي والطرب في هذه الدنيا ويجتمعون على ذلك؛ فعلى ذلك يجمع بين أولئك وبين قرنائهم جهنم، ويقرن بعضهم إلى بعض في العذاب؛ كقوله:
{ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } [الزخرف: 36]؛ وكقوله: { وٱلسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ } [غافر: 71-72] ونحوه.
وقوله - عز وجل -: {فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ}، كقوله:
{ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً } [الزمر: 71] ونحوه، والله أعلم.
وقال قتادة وغيره: {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ}، أي: يدان لبعض الناس من بعض في المظالم والحقوق.
وقوله - عز وجل -: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ}.
يحتمل الوقف للحساب.
ويحتمل {مَّسْئُولُونَ} أي: محاسبون.
وعن ابن عباس قال: "إن دون الحساب يوم القيامة كذا كذا موقفاً، في كل موقف يوقفون مقدار كذا عاماً، ثم تلا هذه الآية".
ويحتمل [ليس] السؤال عما فعلوا، ولكن يسألون لماذا فعلوا؟
ويحتمل الوقوف فتنوا إلى بعضهم بعضاً، والمخاصمة فيما بينهم والمراجعة؛ كقوله:
{ وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ... } [الأعراف: 39] كذا، و { قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ... } [الأعراف: 38] كذا؛ على ما أخبر أنه يجري فيما بينهم من الخصومة ومراجعة القول واللائمة.
وقوله: {مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ}.
أي: ما لكم لا تنصرون؟ أي: ما لكم لا ينصركم الأصنام التي عبدتموها في الدنيا رجاء النصر والشفاعة؛ كقوله:
{ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ } [يونس: 18]، وقوله: { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ } [الزمر: 3].
فيخبر عن إياسهم من نصر ما عبدوا على رجاء النصر لهم والشفاعة؛ كقوله: {بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُون} [الصافات: 26]، أي: خاضعون ذليلون لله، لما علموا ألا يكون النصر والعون إلا منه، فعند ذلك يستسلمون له.
وقال بعضهم: يستسلمون في عذابه.