التفاسير

< >
عرض

قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ
٩
وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ
١٠
ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ
١١
فَقَضَٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ
١٢
فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ
١٣
إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ
١٤
فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ
١٥
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِيۤ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَخْزَىٰ وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ
١٦
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
١٧
وَنَجَّيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يتَّقُونَ
١٨
-فصلت

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ}.
تأويل هذه الآية كما ذكرنا في قوله تعالى:
{ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ... } الآية [البقرة: 28]، وهو يخرج على وجوه:
أحدها: كيف تنكرون وحدانيته وتكفرونه، وهو الذي أحياكم لا الأصنام التي تعبدونها؟!
والثاني: تنكرون قدرة الله في البعث، وقد رأيتم قدرته في ابتدائه إنشاءكم وتقليبكم من حال إلى حال؟!
والثالث: كيف تكفرون رسوله وقد خلقكم الله تعالى وامتحنكم بأنواع المحن، وكلفكم وأمركم بأوامر ونواهٍ ما لو لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمكنكم القيام بأكثرها وكان خلقه إياكم عبثاً؟! فعلى هذه الوجوه يخرج قوله: {قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} الآية، أي: أئنكم لتكفرون وحدانية الله تعالى وقد خلق الأرض في يومين وما ذكر.
والثاني: إنكم لتكفرون وتنكرون قدرته على البعث وقد خلق الأرض في يومين على بعد أطرافها وسعتها، فكيف تنكرون قدرته على البعث وقد رأيتم قدرته على خلق ما ذكر؟!
والثالث: أئنكم لتكفرون نعمة الله التي أنعمها عليكم من خلق ما ذكر من الأرض وغيرها وما أنعم عليكم من بعث الرسول، فكيف تصرفون شكرها إلى الذي لم يفعل ذلك بكم وتنكرون رسالة رسوله، ولا بد من رسول يرسل إليكم، وذلك من أعظم النعم وأجلها؟! فيخرج تأويل الآية على هذه الوجوه التي ذكرنا:
أحدها: في إنكار وحدانية الله وألوهيته.
والثاني: إنكار قدرته على البعث.
والثالث: في إنكارهم رسالة الرسول، وصرفهم شكر نعمه إلى غيره بعبادتهم غير الله.
ثم الحكمة في خلق الأرض وجعله الحد الذي ذكر يومين، وإن كان قادراً على خلق كل شيء بلا تحديد ولا توقيت - فقال بعضهم: فيه تعريفه الخلق والتعليم لهم الأناة - أي: التأني في الأمور وترك الاستعجال فيها.
والأصل في ذلك عندنا: أن الله - جل وعلا - جعل أمر الدنيا وأمر هذا العالم على التحديد والتقليب من حال إلى حال نحو ما ذكر من تقليبه وتغييره من حال النطفة إلى حال العلقة، ومن حال العلقة إلى حال المضغة، ومن حال المضغة إلى حال تركيب الجوارح ثم إلى حال الإنسان، ثم من تلك الحال إلى أن يكبر يقلبه من حال إلى حال أخرى؛ وكذلك أمر الدنيا وما فيها من الفواكه والنبات وغير ذلك ينشئها ويحدثها في كل عام، وإن كان لو شاء أحدثها في عام واحد وأبقاها إلى آخر الأبد، لكن لم يفعل ذلك؛ لما بنى أمر هذ العالم على الفناء والفساد؛ فيستدل بطريان هذه الأحوال عليها على أصل الوضع؛ ولذلك ركب فيهم المرض والسقم والسلامة والصحة، وبنى أمر الآخرة على البقاء والدوام؛ فعلى ذلك من التحديد والتوقيت في خلق الأرض.
ويحتمل أن يقال: جعل ذلك على التحديد والتقدير؛ لأنها دار محنة وابتلاء، والابتلاء إنما يقع على التوقيت والتقدير في أوقات متباينة وأسباب مختلفة، فأما الآخرة فلا محنة فيها ولا بلية، فهي على الدوام والبقاء؛ لذلك كان ما ذكر.
وقوله: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا}.
أي: جعل في الأرض جبالا أرسى بها الأرض وأثبتها؛ لأنه ذكر أن الأرض كانت على الماء وكانت تميد بأهلها، لكنه أرساها بالجبال وأقرها بها.
وفيه نوع [لطف منه]؛ لأنه معلوم أن الجبال التي أثبت بها الأرض، وأقر بها كانت تزيد في ثقل الأرض، فالسبيل في التسرب في الماء والانحدار فيه لا الإثبات بها والإقرار، لكنه جعل الجبال سبب إثبات الأرض وإقرارها؛ تعليما منه الخلق تعليق الأشياء بعضها ببعض، وتعليقها بالأسباب من غير أن يكون الأسباب معونة له على ذلك، ولو شاء أثبتها وأرساها بلا سبب ولا شيء علقه به، لكنه علق الأشياء بالأشياء والأسباب، لما ذكرنا من تعليم الخلق تعليق الأشياء بالأسباب.
وقوله: {وَبَارَكَ فِيهَا}.
يحتمل {وَبَارَكَ فِيهَا} أي: في الجبال، فقد جعل الله فيها البركات الكثيرة: منها المياه التي أخرجت منها والعيون، ومنها الذهب والفضة وغيرهما، ومنها الثمار والأشجار التي ينتفع بها وأنواع النبات التي تصلح للأدوية، وغير ذلك من المنافع التي يكثر عدها وإحصاؤها.
ويحتمل قوله: {وَبَارَكَ فِيهَا} أي: في الأرض، فقد جعل الله تعالى في الأرض البركات والخيرات من المياه التي تخرج منها وأنواع النبات والثمار وغير ذلك مما به قوام الخلق جميعاً وغذاؤهم من البشر والدواب، والله أعلم.
والبركة: هي اسم كل خير يكون أبداً على الزيادة والنماء.
وقوله: {وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ}.
أي: قدر في الأرض أقوات أهلها وأرزاقهم في أربعة أيام سواء للسائلين.
قال الزجاج في قوله: {سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ} ثلاث لغات: النصب والرفع والخفض.
فمن خفضه: {سَوَآءً} صيره صفة ونعتاً للأيام، كأنه قال: في أربعة أيام سواء، أي: مستويات ليس بعضها أطول من بعض.
ومن قرأ بالنصب: {سَوَآءً} صيره مصدرا، أي: سواء وتسوية.
ومن قرأ بالرفع صيره على الابتداء، يقول - والله أعلم -: أي ذلك الأقوات التي قدرها سواء للمحتاجين، أي: كفاية لهم على قدر حاجتهم.
ثم اختلف في قوله: {سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ}:
عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: "من سأل عن ذلك وحده كما قال الله تعالى، ويقول ابن عباس - رضي الله عنه -: وأنا من السائلين" فكأن قول ابن عباس - رضي الله عنهما - ما ذكرنا، أي: كفاية للسائلين المحتاجين على السواء.
وقال بعضهم: عدلا للسائلين، والعدل يخرج على وجهين:
أحدهما: العدل الذي يناقض الجور، أي: عدل للسائلين ليس بجور.
والثاني: عدلا للسائلين، أي: سواء، يقول لمن يشاء الرزق من السائلين.
وقال الحسن: في أربعة أيام سواء لمن يسأل عن خلقه في أربعة للسائلين أو كلام نحوه.
وقال بعضهم: هو من تقاديم الكلام يقول: قدر فيها أقواتها سواء في أربعة أيام للسائلين تلك الأقوات والأرزاق سواء، والله أعلم.
ثم في هذا مسألتان:
إحداهما: في تكوين الخلق وإحداثه وما ذكر من تقدير الأقوات في الأوقات، فعندنا أن الله - تعالى - لم يزل مكوناً محدثاً، وأن ما كان ويكون إلى آخر الأبد إنما يكون بتكوين كان منه في الأول، لا بتكوين يحدث منه في كل وقت يحدث المكون والخلق، والأصل في ذلك ما ذكرنا فيما تقدم: أنه إذا أضيف الأوقات إلى فعله فتكوين التوقيت للخلق أعني: المفعول لا لفعله؛ لما ذكرنا أنه لا حاجة تقع له في المعونة بشيء مما ذكر من التوقيت، وإنما ذكر ذلك لئلا يتوهم قدم المفعول والخلق، وليعلم أنه محدث.
ومسألة أخرى في ذكر التحديد والتوقيت في خلق ما ذكر؛ لحكمة جعل في ذلك من غير أن يصعب عليه خلق ذلك في ساعة أو طرفة عين؛ إذ المعنى في خلق ما ذكر في أيام وأوقات ذلك غيرُ موجود على السواء، وهو أن الله تعالى عالم بذاته قادر بذاته له قدرة ذاتية وعلم ذاتي لا مستفاد، فالأوقات إنما يحتاج إليها من كان يعمل بقدرة مستفادة وعلم مستفاد استعانة له بذلك، فأما الله - سبحانه وتعالى - ما يكون منه إنما يكون بقدرة ذاتية وعلم ذاتي لا حاجة تقع إلى الاستعانة بشيء من ذلك؛ لذلك كان ما ذكرنا.
ثم قوله: {وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ}.
الأربعة الأيام التي ذكر هي مع خلق الأرض: يومين لخلق الأرض، ويومين لتقدير الأقوات لأهلها والأرزاق فيكون أربعة، ثم ذكر لخلق السماوات يومين، فإذا جمع يكون ستة أيام، وهو ما ذكر في آية أخرى:
{ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } [الفرقان: 59]، فكان تمام ذلك في ستة أيام، وقد ذكرنا معنى ستة أيام في غير موضع.
وقوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ}، يخرج على وجهين:
أي ثم استوت المنافع والأقوات التي قدرها في الأرض وجعلها معايش أهلها بالسماء؛ لأنه جعل منافع الأرض متصلة بمنافع السماء، ما لولا السماء لم يستو منافع الأرض وما قدر لهم فيها، فبالسماء استوى ذلك لهم، أي: تم بذلك، والله أعلم.
والثاني: قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ}، أي: ثم استوى الهواء والجو الذي بين الأرض والسماء إلى السماء ما لولا ذلك الهواء لم تستو؛ لأن السماء لو كانت ملتزقة بالأرض لا هواء بينهما لكانت لا تخرج ما جعل في الأرض من الأقوات والمعايش، فبالهواء استوى ذلك، والله أعلم.
ومنهم من يصرف الاستواء إلى الله - عز وجل - ومعنى ذلك: استوى أمره وملكه بخلق السماء، أو استوى المقصود بخلق الأرض وأهلها وما فيها بخلق السماء.
وأما التأويلان اللذان ذكرناهما يتوجهان إلى غير ذلك: أحدهما: رجع إلى استواء الهواء، والثاني: إلى استواء ما جعل في الأرض، وعلى هذا يخرج ما سئل ابن عباس - رضي الله عنه - عندما روي أن رجلا سأل ابن عباس - رضي الله عنه - فقال: "قرأت آيتين إحداهما تخالف الأخرى، فقال له: من قبل رأيك أتيت، ما هما؟ فقال ذلك السائل: قوله - تعالى -: {أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} إلى قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ}، وقوله تعالى:
{ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا } [النازعات: 27] إلى قوله: { وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا } [النازعات: 30]"، فمراد السائل أن ظاهر الآية الأولى أنه خلق الأرض في يومين قبل خلق السماء، وفي ظاهر الآية الثانية: أنه خلق السماء ثم خلق الأرض، فقال ابن عباس - رضي الله عنه -: "خلق الله تعالى الأرض قبل أن يخلق السماء، فدحى الأرض بعدما خلق السماء، والله أعلم"، أراد به: بسط الأرض بعد خلق السماء، فأما خلق أصل الأرض قبل خلق السماء.
وعندنا أن ليس [بين] ظاهر هاتين الآيتين مخالفة، ولا فيه بيان أنه خلق الأرض قبل السماء ولا هذا بعد هذا؛ لأنه ذكر هاهنا أنه خلق الأرض في يومين ثم قال: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} ذكر الاستواء إلى السماء ليس فيه أنه خلقها بعد خلق الأرض، بل فيه أنما استوى إليها بعد خلقها وليس فيه إثبات خلقها قبل ذلك، والله أعلم.
وقوله: {وَهِيَ دُخَانٌ}.
قال بعضهم: دل قوله: {وَهِيَ دُخَانٌ} على أنه كان هناك نار حتى خلق السماء بدخانها، لكن لا نعلم ذلك إلا بالسمع.
ويحتمل أن يكون قوله: {وَهِيَ دُخَانٌ}، أي: شبه الدخان، لا حقيقة الدخان، ومنه خلق السماء والأرض.
وقوله: {فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ}.
قال بعضهم في قوله: {ٱئْتِيَا}: أعطيا ما جعل فيكما من المنافع والأقوات طوعاً أو كرهاً. ثم اختلف فيه أنه على التكوين والتسخير ما ذكر من الطوع والكره، أو على حقيقة القول والأمر في ذلك؟!
قال بعضهم: ذلك على التكوين والتسخير خلقه، أي: إنشاؤهما وخلقهما على إخراج ما فيهما من المنافع والأقوات والأرزاق التي جعل فيهما، وكذلك ما ذكر من الطوع والكره لا قولا منه لهما وأمرا، لكنه طبعهما وأنشأهما كذلك على حقيقة القول والأمر منه لهما؛ نحو ما ذكر لكل شيء من الجبال وغيرها: أنه يسبح لله - تعالى - على الوجهين، لكن شرط خلق الحياة التي لا بد منها للنطق والسماع؛ فعلى ذلك هاهنا.
وقال بعضهم في قوله: {ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً}: أي ائتيا عبادتي ومعرفتي، وذلك أن الله تعالى حين خلقهما عرض عليهما الطاعة والشهوة واللذات على الثواب والعقاب
{ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا... } الآية [الأحزاب: 72]، فهذا الإباء والإعطاء هو إعطاء الخلقة والتكوين على ما ذكرنا.
وقوله: {فَقَضَٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ فِي يَوْمَيْنِ}.
أي: خلقهن في يومين، هو موصول بقوله: {قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ}، وكذلك قوله - تعالى -: {وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ}، وقد ذكرنا الوجوه في ذلك.
ثم الأعجوبة في خلق السماوات ورفعها أعظم وأكبر من خلق الأرض، وقد ذكر في خلق السماوات من الوقت مثل الوقت الذي ذكر في الأرض، وهو يومان؛ ليعلم أن الوقت الذي ذكر في ذلك، ليس لما يتعذر عليه، ويصعب بدون ذلك الوقت، ولكن لحكمة جعل في ذلك لم يطلع الخلق على ذلك أو كانت الحكمة فيه ما ذكرنا.
وقوله: {وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا}.
وهم الملائكة الذين جعلهم أهلا لها.
وقال قائلون: أي: أمر كل أهل سماء أمرها وامتحنهم بمحنة.
وقال بعضهم: هو مما أمر به وأراد؛ وهما واحد.
وقوله: {وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ}.
أي: بالكواكب، وقوله: {وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا} التي دنت منكم هي مقابل القصوى من الدنو، ليس أن هذه السماء التي نراها ونشاهدها مزينة بالكواكب هي سماء الدنيا فانية وغيرها من السماء الآخرة لا يفنى، بل كلها تفنى يعني: هذه وغيرها بقوله:
{ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ } [إبراهيم: 48]، وقوله: { وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ } [الزمر: 67]، فهن كلهن دنيويات فانيات، دل أن قوله: {وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا} أي: التي دنت منكم وهي مقابل القصوى، لا مقابل الآخرة، والله أعلم.
وقوله: {وَحِفْظاً}، يحتمل وجهين:
أحدهما: أي: حفظناها وجعلناها محفوظة بما ذكر من أن يسترق الشياطين والجن أسماعهم إلى خبر السماء، وما يتحدث به الملائكة فيما بينهم فيلقون ذلك على أسماع أهل الأرض، على ما كانوا يفعلون من قبل، أي: حفظناها بالكواكب التي جعل فيها؛ لترميهم الكواكب وتقذفهم؛ ليكون سماع ذلك من جهة الوحي عن لسان الرسول صلى الله عليه وسلم دون إلقاء من ذكر، وهو كما ذكر في آية أخرى حيث قال:
{ إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ * وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ * لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ... } الآية [الصافات: 6-8]. ويحتمل وجها آخر: {وَحِفْظاً} أي: حفظناها على ما هي حتى لا تسقط على الخلق؛ كقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ } [فاطر: 41]، وقوله تعالى: { وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ } [الحج: 65] ونحوه.
وقوله: {ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ}.
يقول: ذلك الذي ذكر كله وصنع هو تقدير العزيز العليم، أي: تقدير من لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء.
ويحتمل قوله: {ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} أي: تقدير من له العز الذاتي والعلم الأزلي، لا أنه قدر وصنع ليستفيد بذلك العز أو العلم؛ إذ هو عزيز بذاته وعليم بذاته، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ}.
كانت معروفة عندهم ظاهرة أنها نزلت بهم؛ دل قوله تعالى: {أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} أن صاعقة عاد كانت معروفة عندهم ظاهرة أنها نزلت بهم؛ لتكذيبهم الرسل وتركهم إجابتهم إلى ما دعوا إليه، حيث خوف هولاء بذلك كأنه يقول: أنذرتكم بتكذيبكم إياه وترككم إجابتي إلى ما دعوتكم إليه بالذي نزل بعاد وثمود، وتكذيبهم الرسول الذي أرسل إليهم وتركهم الإجابة إلى ما دعوا إليه، والله أعلم.
وقوله: {صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} لم يرد به عين عذاب أولئك ومثله في رأي العين، ولكن مثله في الهلاك والاستئصال؛ ألا ترى أن عذاب عاد وثمود كان مختلفا في رأي العين: عذاب عاد خلاف عذاب ثمود [و]هما في المعنى واحد؟! فعلى ذلك ما أوعد هؤلاء بمثل عذاب عاد وثمود، لم يرد مثله في رأي العين، ولكن في المعنى، وهو كما ذكر في قوله:
{ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ } [البقرة: 118]، وقوله: { يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ } [التوبة: 30] لم يرد به التشابه والمضاهاة على أن نفس القول منهم وعين الكلام كان واحداً، بل كان سبب كفرهم مختلفاً، وقول هؤلاء خلاف قول أولئك، وما كان من هذا الفريق خلاف ما كان من الفريق الآخر، لكن لما كان التكذيب من هؤلاء له كالتكذيب من أولئك والرد له من هؤلاء كهو من أولئك في أن كان كفرا واحدا سواء، فمن هذه الجهة وصف قلوبهم بالتشابه وأقوالهم بالمضاهاة، وهذا يدل على أن الاستواء من جهة واحدة يوجب التشابه والتماثل.
وقوله: {إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ}، هذا يحتمل وجوهاً:
أحدها: {إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ} بنبأ من كان [قبلهم] ونبأ من كان بعدهم أنهم جميعاً قالوا لقومهم {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ}.
والثاني: {إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ} بالوعيد والتخويف بعذاب ينزل بهم {مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ}، أي: من حيث يرونه ويعلمونه {وَمِنْ خَلْفِهِمْ}، أي: من حيث لا يرونه ولا يعلمون؛ وهو كقوله - عز وجل -:
{ أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَٰتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ } [الأعراف: 97-98] ونحوه.
وقيل: يبعث الله الرسل قبلهم وبعدهم بالذي ذكر، وهو الدعاء إلى توحيد الله وجعل العبادة له، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}.
هذا القول منهم يناقض قولهم وتكذيبهم الرسل وإنكارهم رسالة البشر وطمعهم رسالة الملائكة؛ لأنهم ما عرفوا الملائكة ولا عاينوا، فإنما عرفوا الملائكة وعلموا بمكانهم برسل البشر، فكيف أنكروا رسالتهم مع ما لو كان الرسل إليهم الملائكة، لم يعرفوا أنهم ملائكة إلا بقولهم؛ لما لم يتقدم لهم المعرفة بالملائكة، فهذا يناقض إنكارهم الرسل من البشر؟!
والثاني: ما قالوا: {إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} قد أقروا رسالتهم حيث قالوا: {إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}؛ لأنهم لم يقولوا: إنما بما [أرسلتم] إلينا كافرون، ولكن قالوا: {إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ} فذلك مما يناقض قولهم ويرد تكذيبهم، وإنما قالوا ذلك - أعني: قولهم: {لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً} - تعنتاً منهم وعنادا، وإلا قد علموا أنهم رسل الله فيناقضون بما قالوا على التعنت منهم، والله أعلم.
وقوله: {فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً}.
جائز أن يكون استكبارهم في الأرض بغير الحق على أهل الأرض بما ذكروا من فضل القوة لهم وشدتها من بين غيرهم؛ كقوله تعالى:
{ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ } [الشعراء: 130] فهم ذكروا ذلك، فجائز أن يكون استكبارهم على أهل الأرض بغير الحق؛ لشدة بطشهم وقوتهم على غيرهم.
ويشبه أن يكون استكبارهم [رفض] اتباع الرسل، فلم يروا أنفسهم أن يجعلوها تحت تدبير الرسل وأمرهم، وأن يخضعوا لهم ويستسلموا لما دعوهم إليه، وقالوا: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً}.
ثم قال الله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً}.
هذا استفهام على طريق التقرير، معناه: قد رأوا وعلموا أن الله الذي خلقهم هو أشد قوة، والرسل - عليهم السلام - لم يكونوا يوعدونهم بقوى أنفسهم ولا بعذاب يكون منهم حتى قالوا: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً}، ولكن إنما كانوا يوعدونهم ويخوفونهم بعذاب ينزل من عند الله، وبقوته وسلطانه يوعدونهم وقد عرفوا قوته وسلطانه؛ لذلك قال: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ}.
وقوله: {وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ}.
دل هذا على أنهم قد كذبوا هوداً، وأنكروا آياته، وذلك قولهم:
{ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ } [هود: 53] وإنه قد أتاهم بآيات رسالته.
وقوله: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً}.
ذكر ما أهلكهم من العذاب، وهو الريح الصرصر الباردة؛ كذا قال أبو عوسجة.
وقوله: {فِيۤ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ}.
وهو ما ذكر في سورة الحاقة حيث قال:
{ وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً } [الحاقة: 6-7]، وقال في موضع: { فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ } [القمر: 19]. ثم اختلف في تأويلها:
قال بعضهم: {نَّحِسَاتٍ} مشومات نكدات؛ وهذا قول القتبي.
وقال بعضهم: {نَّحِسَاتٍ} أي: شداد.
وقيل: {نَّحِسَاتٍ} من النحس، يقال نحس يوْمُنا، والنحس: الغبار في الأصل.
وقوله: {لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}.
أي: عذاباً يذلهم ويفضحهم عند الخلق جميعاً.
وقوله: {وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ}.
عليهم أذل وأفضح وأشد من عذاب الدنيا.
وقوله: {وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ}.
يحتمل: لا ينصرون بقوتهم التي كانت لهم، واعتمدوا عليها بقولهم: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً}.
ويحتمل: لا ينصرون بالأصنام التي عبدوها على رجاء النصر لهم والشفاعة.
وقوله: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ}.
يحتمل ما ذكر من الهداية لهم حقيقة الهدى، وهو التوفيق، وحقيقة خلق الاهتداء فيهم، فصاروا مهتدين، وهو ما سألوا من الآية، وهي الناقة، فلما أتاهم على ما سألوا، آمنوا به وصدقوه، ثم كفروا به بعد ذلك وكذبوه وعقروا الناقة على ما ذكر.
ويحتمل قوله: {فَهَدَيْنَاهُمْ}.
أي: بينا لهم غاية ما يبين الحق من الباطل بما يعرفه كل ذي لب وعقل أنها آية، وأنها من الله تعالى؛ حيث جاءتهم الآية التي سألوها على الإشارة والتعيين وهي الناقة.
وقوله: {فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ}.
أي: اختاروا الكفر على الهدى، واختاروا ما به يعمون على ما يبين لهم.
ثم أخبر عما نزل بهم من العذاب باختيارهم العمى على الهوى، وهو [ما] قال: {فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ}.
أي: عذاب يهانون فيه، وهو من الهوان والإذلال، وكل عذاب الله صاعقة.
وقوله - عز وجل -: {وَنَجَّيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يتَّقُونَ}.
أي: أنجينا الذين اختاروا الهدى على العمى، وكانوا يتقون اختيار العمى على الهدى.