التفاسير

< >
عرض

يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
٦
وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ
٧
-المائدة

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ}: لو حملت الآية على ظاهرها لكان لا سبيل لأحد [على] القيام [بأداء] ما فرض الله عليه من الصلاة؛ لأنه كلما قام إلى الصلاة يلزمه الوضوء؛ فلا يزال يبقى فيه، لكنها على الإضمار؛ كأنه قال: "إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون، فاغسلوا وجوهكم وأيديكم [إلى المرافق]"؛ وإلا فظاهر الآية يوجب ما ذكرنا، لكن الحدث مضمر فيه.
ومن الناس من يوجب الوضوء لكل صلاة بظاهر هذه الآية، وقد جاء عن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - الفعل بذلك: روي عن أبي بكر، وعمر، وعثمان - رضي الله عنهم - أنهم توضئوا لكل صلاة. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ذلك، وروي
"أن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - صلى الظهر، ثم قعد في الرحبة، فلما حضرت العصر دعا بكوز من ماء، فغسل يديه ووجهه وذراعيه ورجليه، وشرب فضله، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل، وقال: هَذَا وُضُوءُ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ" .
وروي عن عبيد بن عمير، أنه كان يتوضأ لكل صلاة، وتأول هذه الآية.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
"أنه كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم فتح مكة، صلى الصلوات كلها بوضوء واحد؛ فقال عمر - رضي الله عنه - يا رسول الله، إنك فعلت شيئاً لم تكن تفعله؟ فقال: إِنِّي عَمْداً فَعَلْتُهُ يَا عُمَرُ" . وروي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُ فِي كُلِّ صَلاَةٍ الوُضُوءَ، وَمَعَ كُلِّ وُضُوءٍ السِّوَاكَ" .
وكل ما روي من الأخبار بالوضوء لكل صلاة، هو على الفضل عندنا والاستحباب لا على الحتم؛ ألا ترى أنه روي عن [النبي - صلى الله عليه وسلم] - "أنه صلى الصلوات كلها بوضوء واحد، وقال: إِنِّي عَمْداً فعَلْتُهُ" ؛ دل ذلك [على] ما ذكرنا.
وقد يحتمل تأويل الآية معنى آخر: ما روي عن بعض الصحابة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراق ماء نكلمه فلا يكلمنا، ونسلم عليه فلا يرد علينا حتى يأتي أهله فيتوضأ وضوءه للصلاة؛ فقلنا له في ذلك؛ حتى نزلت آية الرخصة [في قوله تعالى]: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ}؛ فهذا يدل أن معنى الآية على الإضمار: إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون، فاغسلوا وجوهكم وأيديكم.
وروي في تأويل الآية: إذا قمتم من المضجع إلى الصلاة، فاغسلوا وجوهكم. وقد رويت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة بإيجاب الوضوء من النوم؛ فكان ذلك شاهداً لهذا التأويل: روي عن ابن عباس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان ينام، ثم يصلي الصبح ولا يتوضأ؛ فسُئل عن ذلك؟ فقال:
"إِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ؛ إِنَّهُ يَنَامُ عَيْنَايَ ولاَ يَنَامُ قَلْبِي، وَلَوْ أَحْدَثْتُ لَعَلِمْتُ" .
وروي عن صفوان بن عسال قال: "إذا كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر يأمرنا ألا ننزع خفافنا إذا أدخلناهما طاهرتين، ولا نخلعهما من غائط، ولا بول ولا نوم، إلا من جنابة".
فهذه الأحاديث توجب الوضوء من النوم مجملاً، وجاء حديث آخر مفسراً بإيجاب الوضوء إذا نام مضطجعاً: روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
"لَيْسَ عَلَى مَنْ نَامَ قَاعِداً وُضُوءٌ حَتَّى يَضْطَجِعَ، فَإِذَا اضْطَجَعَ اسْتَرَخَتْ مَفَاصِلُهُ" .
[فهذا يفسر] الأخبار التي جاءت مجملة.
وقد جاءت الأخبار أنه إذا نام في الصلاة قائماً أو قاعداً أو ساجداً، فلا وضوء عليه؛ فيدل ذلك على أن النوم في الصلاة ليس بحدث.
وروي عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: لا يجب الوضوء حتى يضع جنبه وينام. فهذا يؤيد ما قلنا مع ما اجتمع أهل العلم في أن الوضوء ليس بواجب على من قام إلى الصلاة وهو غير محدث؛ فكان التأويل ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ}.
[الخطاب من] الله - عز وجل - بغسل الوجه: ما يعرف أهله الوجه؛ فالتكلم فيه والتحديد أنه من كذا إلى كذا فضل تكلم.
والأمر بالغسل يرجع إلى ما ظهر وعرف أهله أنه وجه، وكذلك الأمر بمسح الرأس، يرجع إلى ما عرف أهله أنه رأس، وليس كالأذنين؛ لأن معرفة الأذنين أنهما من الرأس سمعي؛ لأنهما لا تعرفان أنهما من الرأس إلا بالسمع، وكذلك الأمر بغسل اليد، وغسل الرِّجل، يقع على ما يعرف الناس، وعرف الناس اليد إلى الإبط، والرجل إلى الركبة؛ فخرج ذكر المرافق في غسل الأيدي على إخراج ما وراء المرافق، وكذلك ذكر الكعب في الرجل؛ لإخراج ما وراء الكعب؛ لأن اسم اليد على الإطلاق يقع من أطراف الأصابع إلى الإبط.
وقوله - عز وجل -: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ}.
قرءوا بالنصب، وقرءوا بالخفض:
قال بعضهم: من قرأ بالنصب، فهو يرجع إلى الغسل؛ نسقاً على الوجه، وبالخفض يرجع إلى المسح: مسح الخفاف؛ نسقاً على مسح الرأس، لكن هذا بعيد؛ لأنه تناقض: لا يجوز أن يأمر بالغسل والمسح جميعاً. ومعنى الخفض؛ لقرب جواره بقوله - تعالى -: {وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ}، وقد يجوز ذلك؛ نحو قوله تعالى:
{ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ } [الواقعة: 21-23]، فمن قرأ بالخفض إنما قال: لقرب الجوار بالخفض؛ فعلى ذلك الأول، ثم الحكمة من الأمر بغسل هذه الأعضاء؛ ليذكرهم تطهير باطنهم.
والمعنى في غسل هذه الأعضاء الظاهرة - والله أعلم - لمعنيين:
أحدهما: [أما اليد]؛ شكراً لما بها يتناول ويقبض. وأما الرجل؛ لما بها يمشي، وبها يصل إليه. والوجه؛ لأنه مجمع الحواس التي بها يعرف عظيم نعم الله - عز وجل - من نحو: البصر، والفم، وغيرهما من الحواس التي يكون بها التلذذ والتشهي.
أو أمر بذلك؛ تكفيراً لما ارتكب بهذه الحواس من الإجرام؛ لأنه بها يُرتكب جُلُّ الآثام، وبها يوصل إليها من: المشي، والقبض، وغير ذلك.
وقوله - عز وجل -: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ}.
قيل: اغتسلوا: تأخذ الجنابة الظواهر من البدن وبواطنه، والحدث لا يأخذ إلا الظواهر من الأطراف؛ لأن السبب الذي يوجب الجنابة لا يكون إلا باستعمال جميع ما فيه من القوة؛ ألا ترى أنه به يضعف إذا أكثره وبتركه. يقوى؟! فعلى ذلك أخذ جميع البدن ظاهره وباطنه.
وأما الحدث: فإن سببه يكون بظواهر هذه الأطراف، من نحو: الأكل والشرب، والحدث ليس باستعمال كل البدن، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ...} الآية.
ذكر المرض والسفر والمجيء من الغائط، والملامسة، ثم الحكم لم يتعلق باسم المرض ولا باسم السفر؛ ولكن باسم الغائط، ولكن كان متعلقاً لمعنى فيه؛ ففيه دلالة جواز القياس؛ لأنه ذكر الغائط والمجيء منه، والغائط: هو المكان الذي تقضى فيه الحاجات، والمراد منه: المعنى وهو قضاء الحاجات؛ فهذا أصل لنا أن النص إذا ورد لمعنى، فوجد ذلك المعنى في غيره - وجب ذلك الحكم في ذلك الغير، فإذا عدم الماء في المكان الذي يعدم، وإن لم يكن سفراً - يجوز التيمم فيه؛ وكذلك إذا خاف الضرر من الماء - جاز له التيمم، [وإن لم يكن] مريضاً؛ لأنه ليس أباح ذلك للمريض باسم المرض ولا باسم السفر؛ ولكن لمعنى فيه.
وقوله - عز وجل -: {أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ}: قد ذكرنا فيما تقدم أن الملامسة: هي الجماع؛ كذلك روي عن علي وابن عباس - رضي الله عنهما - وقال ابن عباس: "الملامسة والمباشرة والإفضاء والرفث والغشيان كله جماع، ولكن الله كريم يكني".
وقوله - عز وجل -: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً}.
جعل الطهارة بالماء والتراب؛ لأنه بهما معاش الخلق، وبهما قوام الأبدان، حتى جعل جميع أغذية الخلق وجل مصالحهم منهما؛ فعلى ذلك جعل قيام هذه العبادات بهما، والله أعلم.
ثم الحكمة في وجوب الطهارة وجهان:
أحدهما: ما ذكرنا: أن يذكرهم طهارة الباطن.
والثاني: تكفيراً لما ارتكبوا بهذه الجوارح من الإجرام، أو شكراً لما أنعم عليهم من المنافع التي جعل لهم فيها من القبض والبسط، والتناول والأخذ والمشي، وغير ذلك مما يكثر.
ثم الحكمة في جعل الطهارة في أطراف البدن للتزين والتنظيف؛ لأنه يقدم على الملك الجبار، ويقوم بين يديه ويناجيه، ومن أتى ملكاً من ملوك الأرض يتكلف التنظيف والتزيين، ثم يدخل عليه؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً}: قال عبد الله بن مسعود وعمر - رضي الله عنهما -: "الملامسة: ما دون الجماع"، وقالا: "إن الجنب لا يتيمم، وإن لم يجد الماء شهراً". وإنما قالا: "إنه لا يتيمم"؛ لما قالا: "إن اللمس ما دون الجماع"؛ فلم يدخل الجنب في هذه الآية ، فأوجبوا عليه الغسل بقوله - تعالى -: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ}، وجعلا قول الله - تعالى -:
{ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ } [النساء: 43] على مرور الجنب في المسجد، ولم يجعله على أنه يصلي إذا كان مسافراً ولم يجد الماء بالتيمم، فهذا الذي منع عبد الله أن يطلق للجنب أن يصلي بالتيمم على [كل] حال.
فأمل علي وابن عباس - رضي الله عنهما - فإنهما جعلا اللمس الذي ذكره الله - تعالى - في هذه الآية الجماع، وقالا: "كنى الله - تعالى - عن الجماع بالمسيس والغشيان والمباشرة"، وجعل قول الله - تعالى -:
{ إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ } [النساء: 43] في المسافر الذي لم يجد الماء وهو جنب.
وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"أنه أذن للجنب من الجماع أن يتيمم: إذا لم يجد الماء؛ فكان ذلك حجة على من منع الجنب من التيمم" .
ثم قول الشافعي قول ثالث خارج عن قول الصحابة والسلف جميعا - رضوان الله عليهم أجمعين - لأنه يزعم أن اللمس هو الجماع وما دونه، فذلك ابتداع في الآية قولاً وتفسيراً؛ خالف فيه ما روي في تفسيرها عن الصحابة جملة والسلف؛ لذلك كان مخطئاً مبتدعاً، وأصله أن الله - تعالى - ذكر الوضوء وأمر به في الآية، وهو قوله - تعالى -: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ...} الآية: ولم يذكر الحدث، وأمر بالاغتسال من الجنابة، وهو قوله: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ} ولم يذكر من أيِّ جنابة؟ ثم ذكر الحدث في قوله: {أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ}؛ فعلى ذلك قوله - تعالى -: {أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} كان بياناً لما تقدم من الأمر بالاغتسال من الجنابة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً}، قيل: اقصدوا صعيداً طيباً، والصعيد: هو وجه الأرض.
وقوله: {طَيِّباً} قال بعضهم: الطيب: ما يُنبت من الزرع وغيره.
وقال آخرون: الطيب - هاهنا - هو الطاهر؛ روي عن رسول الله صلى الله عليه سلم قال:
"جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً، أَيْنَمَا أَدْرَكَتْنِيَ الصَّلاَةُ تَيَمَّمْتُ وَصَلَّيْتُ" : أخبر أن الأرض جعلت له مسجداً وطهوراً؛ فكان قوله: "طهوراً" تفسيراً لقوله: "طيباً"، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ}.
قد ذكرنا فيما تقدم أن التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين.
وقوله - عز وجل -: {مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ}.
يحتمل هذا وجهين: يحتمل ما يريد أن يضيق عليكم ليأمركم بحمل الماء إلى حيثما كنتم في الأسفار وغيره؛ [ولكن جعل لكم التيمم، ورخص لكم أن تؤدوا ما فرض عليكم به، ولم يكلفكم حمل الماء في الأسفار وغيره،] والله أعلم.
ووجه آخر: ما أراد الله بما تعبدكم من أنواع العبادات أن يجعل عليكم من حرج؛ ولكن أراد ما ذكر.
وقوله - عز وجل -: {وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ}.
يحتمل يريد ليطهركم به: بالتوحيد والإيمان به وبالرسل جميعاً.
ويحتمل قوله: {يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} من الذنوب والآثام التي ارتكبوها؛ كقوله - تعالى -:
{ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ } [هود: 114].
ويحتمل: التطهير من الأحداث والجنابات كما قال أهل التأويل.
وقوله - عز وجل -: {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ}.
تمام ما ذكرنا من التوحيد والإيمان والهداية لدينه، والتكفير مما ارتكبوا، ويجوز أن يكون هذا في قوم علم الله أنهم يموتون على الإيمان؛ حيث أخبر أنه يتم نعمته عليهم.
وقوله - عز وجل -: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ}.
أمر - والله أعلم - بشكر ما أنعم عليهم من أنواع النعم.
{وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ}.
يحتمل الميثاق: ميثاق الخلقة وشهادتها؛ إذ خِلْقَةُ كُلِّ أحد تشهد على وحدانيته وربوبيته. ويحتمل الميثاق الذي ذكر: ميثاق قول قالوه وقبلوا ما دعوا إليه.
وقوله: {إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} قال بعضهم: أجبنا دعوتك، وأطعنا أمرك.
وقال آخرون: سمعنا قولك، وأطعنا أمرك.
وقوله - عز وجل -: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ}.
في ترك ما أمركم ربكم، وارتكاب ما نهاكم.
{إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}.
وهو على الوعيد.