التفاسير

< >
عرض

قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ
١
بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ
٢
أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ
٣
قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ
٤
بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ
٥
أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ
٦
وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ
٧
تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ
٨
وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَٰرَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّٰتٍ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ
٩
وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ
١٠
رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ
١١

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ} يحتمل أن يكون قوله: {قۤ} اسم هذه السورة، ولله - تعالى - أن يسمي السور بما شاء: {قۤ} كناية؛ كما سمى كتابه: قرآنا، وزبوراً، وتوراة، وإنجيلا؛ أقسم بهذه السورة والقرآن جملة.
ويحتمل أن يذكر {قۤ} كتابة عن جميع الحروف المقطعة، والقرآن هو اسم الحروف المجموعة المقطعة؛ أقسم بالحروف المقطعة والمجموعة جميعاً.
ومن الناس من يقول: {قۤ} اسم للجبل المحيط بالأرض، وهو ياقوتة خضراء أو ياقوتة حمراء، فخضرة السماء من ذلك؛ أقسم الله - تعالى - به وبالقرآن.
والأول أشبه وأقرب؛ لأن العرب لم تعرف جبل قاف، ولم تعرف عظمته، والقسم في الأصل لتأكيد الخبر، فإنما يتحقق بما يعرفه من أريد القسم في حقه، فأما إذا لم يعرف ولم يعظم ذلك في عينه يخرج القسم مخرج العبث تعالى الله عن ذلك، إلا أن يقال: أن يكون هذا القسم في حق أهل الكتاب، فإنه قد كان لهم كتاب يعرفون ذلك، وكانت لهم رسل قد بلغتهم ذلك، وكذا الظاهر أن القسم في حق العرب فدل أن الأول أشبه.
ثم هذه الحروف المقطعة لم يظهر في الأخبار تفسيرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق التواتر والاشتهار، ولم يثبت عن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فسبيله الوقف فيها؛ لأنه معلوم ألا يقف أحد على المراد بالحروف المقطعة إلا من جهة السمع، فلما لم يظهر [ذلك] من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دل أنهم تركوا ذلك، وإنما تركوه لوجوه:
إما لأن هذه الحروف المقطعة كانت بيان أحكام في نوازل عرفوها وتركوا سؤالها؛ لما عرفوا تلك الأحكام والنوازل.
وإما أن تركوا ذلك لما كان ذلك من السرائر التي لم يطلع الله - تعالى - الخلق على ذلك، وهو المتشابه الذي يجب الإيمان به، ولا يطلب له تفسير، وكأن ذلك مما اختص الرسول صلى الله عليه وسلم بمعرفته؛ لقوله - تعالى -:
{ إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ } [الجن: 27] فلم يسألوا منه بيان ذلك.
وإما أن كان ذلك عندهم أسماء السور لتعريف السور، وأسماء الأعلام لا يطلب فيها المعاني؛ لذلك لم يسألوا معانيها، ولم يرد التعليم من النبي صلى الله عليه وسلم كما أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تركوا سؤال التفسير للآيات إما لأن في وسعهم الوصول إلى معرفة ما تصمنته الآيات، وعرفوا المراد مها باللسان، وعرفوا مواقع النوازل، ففهموا المراد، فلم يحتاجوا إلى السؤال.
وإما أن تركوا لما أنها تضمنت أحكاماً عرفوها، فتركوا السؤال، فعلى ذلك هذا، والله أعلم.
ثم ذكر القسم ولم يبين موضع القسم، واختلف فيه:
قال بعضهم: موضع القسم في آخر السورة:
{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ... } الآية [ق: 16].
وقال بعضهم: قوله:
{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ... } الآية [ق: 38].
وقال بعضهم: موضع القسم قوله - تعالى -: {فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ} أقسم بقوله: {قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ} بأن الكفرة في أمر مريج.
ويحتمل أن يكون موضع القسم هو ما عجبوا؛ كما قال: {بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} ذكر - هاهنا - عجبهم من شيئين.
أحدهما: ما ذكر {أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ} أي: من البشر {فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} وهو كقولهم:
{ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً } [الإسراء: 94] وقولهم: { مَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا } [الشعراء: 154] لا يزالون ينكرون الرسالة في البشر.
والثاني: من الإحياء بعد الموت؛ لقولهم {أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} وقد ذكرنا في غير آي من القرآن عجبهم وإنكارهم البعث بعد الموت، فجائز أن يكون موضع القسم ما عجبوا أو أنكروا أن يكون من البشر رسول أو يحيون بعد الموت، أقسم بما ذكر من قوله - عز وجل -: {قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ} أنه يكون ذلك ردّاً لإنكارهم وتعجبهم، والله أعلم.
ثم إنكار الكفرة وعجبهم أن كيف بُعِثَ من البشر رسول؟ أو كيف لا اختار بعث الرسل ممن عنده - وهم الملائكة - وأبداً إنما بعث الرسل من كان عند المرسل، لا ممن كان هذا مبعوثا إليهم في الشاهد إلا لمعنى، ولا ينبغي لهم أن ينكروا بعث الرسول ممن هو عند المبعوث إليهم، وإن تعجبوا منه؛ لأن بعث الرسول من جنس المرسل إليهم والمبعوث إليهم في معرفة صدقة وحقيقة دعواه أقرب من أن يكون من خلاف جنسهم؛ لأنهم إنما يعرفون رسالته بآيات ودلالات يقيمها على رسالته بحيث يخرج عن وسعهم إقامتها، ولا يعرفون صدق تلك الآيات وحقيقتها إذا كانت تلك من غير جنسهم بما لعل أن ما آتاهم به وزعم أنها آيات ليست بآيات؛ لما في وسعه إتيان مثلها، وليس في وسعهم ذلك؛ لما أن القوى تختلف عند اختلاف الجنس؛ فدل أن بعث الرسول من جنس المرسل إليهم أحق وأقرب إلى معرفة صدق الآيات والمعجزات، والله الموفق.
ولأن كل ذي نوع من نوعه، وكل ذي شكل من شكله أميل، وبه آنس من خلاف جنسه ونوعه، كفان الغرض وهو التأليف والأجتماع في هذا أقرب إلى الحصول، والله أعلم.
ثم قولهم: هلا بعث إلينا الرسل ممن هو عنده فاسد؛ لأن الخلائق جميعاً من حيث العند لله - تعالى - واحد، لا يوصف أحد من الخلائق أنه عنده إلا من حيث القرب به بالطاعة له، والائتمار بأمره، وترك الخلاف له، فأما على ما يوصف المخلوق عند مخلوق فلا، إذ ذاك وصف المتمكن في المكان، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيرا.
فإذا كان المراد من عنده من حيث القرب به بالطاعة والقيام بأمره مما يثبت أهلية الرسالة وصلاحها فذلك مما لايوجب الفضل بين البشر والملاكئة؛ بل من جهة البشر أحق؛ لما هم يفعلون عن غيب الدلائل أجمع دون العيان - والله أعلم - بحجتهم أنه لو أراد إحياءنا كيف أماتنا؟ ولا أحد في الشاهد يبني بناء فيهدمه ويبني مثله فليس بشيء؛ لأنه لو لم يكن إماتة ثم إحياء لكان الجزاء بالأعمال يكون حضرة الأفعال، وذلك يوجب أن يكون إيمانهم إيمان اضطرار، لا إيمان اختيار وإيثار؛ لأن من عاين أنه يدخل النار يعذب فيها أبد الآبدين لا يعمل ذلك العمل الذي أوعد به؛ بل يتركه، وكذا أن من عاين أن من آمن بالله - تعالى - وعمل طاعة وعبادة يدخل الجنة ويكرم أبد الآبدين لا يعمل غير ذلك العمل، فترتفع المحنة، ويكون الإيمان بحق الاضطرار، فأخر ذلك؛ ليكون الإيمان بحق الاختيار حتى يكن له قيمة.
ثم قوله: {وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ} وصف القرآن مرة بأنه كريم، ومرة بأنه حكيم، ومرة بأنه مجيد، يحتمل أنما سماه بهذه الأسماء على معنى أن من تمسك به يصير مجيداً، كريماً، حكيماً؛ أي: منزلة مجيد، كريم، حكيم.
ويحتمل أن تكون هذه صفات القرآن راجعة إلى عينه كما يقال: كلام حكمة، وكلام سفه، وإنمنا يراد به عينه؛ فعلى هذا يحتمل، والله أعلم.
قال أبو عوسجة: المجيد: الماجد، والتمجيد: التعظيم، وأمجدت الدابة من الملف: إذا أكثرت [من] ذلك، وأمجد القوم: إذا أكثروا من الطعام والشراب.
وقوله - عز وجل -: {بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} قد ذكرنا تأويله.
وقوله - عز وجل -: {أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} أي: لا يكون؛ كنوا بالبعيد عما لا يكون عندهم؛ كذلك قال القتبي.
وقال أبو عوسجة: {رَجْعٌ بَعِيدٌ} أي: رد، يقال: رجع رجعً: إذا رد، ورجع رجوعاً: إذا انصرف.
وقوله - عز وجل -: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ} ظاهر هذا أن يكون هذا قول أولئك الكفرة؛ قالوا ذلك على سبيل الاحتجاج لما أنكروا من البعث؛ أي: قد علمنا ما تنقص الأرض من لحومنا، وتأكل من أنفسنا، فأنى نحيا بعد ذلك؟!! وهو كقولهم:
{ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ } [يس: 78] ونحوه.
لكن أهل التأويل بأجمعهم صرفوا هذا القول إلى الله - تعالى - أنه قال ذلك جواباً لقولهم: {أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} فقال: قد علمنا ما تنقص الأرض منهم أي: عن علم منا بما تأكل منكم وتنقص قلنا: إنكم تبعثون وتحيون، وعلى علم منا بذلك أخبركم الرسل بالإحياء والبعث بعد الموت، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} أي: عندنا كتاب يحفظ أحوالهم وأفعالهم وجميع ما يكون منهم.
وقال بعضهم: أي: مع علمي فيهم هم عندنا في كتاب حفيظ.
وقال قتادجة: ما أكلت الأرض منهم وكانوا تراباً، ونحن عالمون، وهم مع علمنا في كتاب حفيظ، وهو مثل الأول.
وقوله - عز وجل -: {بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ} أي: بالقرآن.
ويحتمل: أي: محمد صلى الله عليه وسلم وقد كذبوا بهما جميعاً.
وقوله - عز وجل -: {مَّرِيجٍ} قال القتبي وأبو عوسجة: {فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ} أي: مختلط؛ يقال: مرج أمر الناس، ومرج الدين، وأصل المرج أن يقلق الشيء فلا يستقر، يقال: مرج الخاتم في يدي مرجاً: إذا قلب للهزل، أي: تحرك.
وقيل: مضطرب مختلف؛ وهكذا كان قولهم مختلفاً مضطرباً مختلطاً في القرآن والرسول جميعاً؛ قالوا في الرسول صلى الله عليه وسلم أقوالا مضطربة مختلفة: مرة نسبوه إلى السحر، ومرة إلى الشعر، ومرة إلى الجنون، ومرة إلى الافتراء على الله - تعالى - وأنه يتلقاه من فلان، ونحو ذلك من أقوال مختلفة مضطربة فيما يدفع كل واحد من ذلك للآخر، وكذلك قالوا في القرآن مرة: إنه سحر، ومرة إنه شعر؛ وإنه من أساطير الأولين، وإنه مفترى، وإنه اختلاق، وكل ذلك مما يدفع بعضه بعضا، وهذا هو الاضطراب والاختلاف والاختلاط، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ} أي: في ضلال.
وقوله - عز وجل -: {أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ...} الآية.
يحتمل أن تكون هذه الآيات صلة ما ذكر من عجبهم من بعث الرسل من البشر، والبعث بعد الموت بقوله: {بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ} كأنه يقول: أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها مرتفعة، ملتصقة بعضا ببعض، منضدة بلا فروج ولا عماد مع صلابتها وكثافتها وغلظها، وألم ينظروا إلى الأرض كيف بسطناها وألقينا فيها الجبال الرواسي أوتاداً؛ لئلا تميد بأهلها، حتى عرفوا أن من قدر على رفع السماء بلا عمد مع ارتفاعها وغلظها وصلابتها حتى لا ينتهي أحد إلى طرف من أطرافها، ولا علم نهايتها، وجعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض مع بعد ما بينهما - لقادر على الإحياء بعد الموت، وأنه لا يعجزه شيء، وأن من فعل هذا لا يفعله عبثاً باطلا، ولكن يفعله عن حكمة وتدبير، ولو كان على ما قالوا أن لا بعث ولا جزاء كان خلق ذلك عبثاً باطلا، ويكون فعل ذلك فعل سفه، لا فعل حكمة، فلما كان فعل ذلك لكه على التدبير الذي ذكر، وعلى الاتساق الذي جرى حكمه إن شاء ذلك من غير تفاوت - دل أنه لم ينشئ الخلق من المكلفين ليتركهم سدى، لا يأمر، ولا ينهى، ولا يمتحن، فيكون عبثاً؛ بل ليمتحنهم بالأمر والنهي؛ ليكون فعله في العقلاء على نهج الحكمة كما في غيرهم من الخلائق، وإذا كان كذلك فلا بد من رسول يخبرهم ويعلمهم ما لا يقف عليه العقل من كيفية شكر المنعم، ومقداره، ووقته، ونحو ذلك، يؤكد ذلك الأمر والنهي بالوعد والوعيد، ثم كان له وضع الرسالة فيمن شاء، وفي أي جنس شاء؛ لأنه حكيم عليم، لا يكون منه الخطأ من التدبير والجهل بالأصلح والأوفق بالحكمة؛ فدل ذلك على إثبات الرسالة والبعث بعد الموت، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: {أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ} يخرج على وجهين:
أحدهما: أي: انظروا إلى ما ذكر.
والثاني: قد نظروا بأبصارهم، لكن لم ينظروا نظر معتبر بنظر القلب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ} قيل: من صدوع وشقوق، والواحد: فرج، وهو الموضع بين الموضعين، والفرجة من الفرج، ومنه يقال: فوجت عنه الغمّ؛ أي: كشف، وهو كقوله - تعالى -:
{ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ } [الملك: 3] أخبر أنكم لم تروا في السماء شقوقاً وفطوراً، وفي الشاهد البناء وإن عظم وأحكم لا يخلو من نقصان أو شقوق ترد عليه، فإذا لم تروا ذلك فهلا دلكم ذلك على أن خالقه قادر على الكمال لا يعجزه شيء.
وقوله - عز وجل -: {وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا} قد ذكرناه فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: {وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} اسم الزوج يقع على الشكل والضد، وكل ذي شكل هو ذو ضدّ.
والبهيج ما يبهج به، فمعناه: أنبتنا من كل زوج ما يبهج به أهله ويسرون بذلك من ألوان النبات وجواهرها.
وقال القتبي: {مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} ما يبهج به أهله؛ أي: من كل جنس حسن؛ يقال: بَهُجَ يَبْهُج بهجاً فهو بهيج؛ أي: حسن، وأما من السرور، فيقال: بَهج يَبْهج بهجاً فهو بهيج؛ أي: سرور.
وقوله - عز وجل -: {تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} أي: تبصر ذل كل عبد منيب؛ أي: منفعة ذلك تكون لمن ذكر، وهو العبد المنيب إلى الله - تعالى - والمقبل على طاعته، فأمّا من اعتقد الخلاف له فلا.
وقوله - عز وجل -: {وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَٰرَكاً} سماه: مباركاً؛ لأنه يستعمل في أمر الدين والدنيا، ويطهر به كل شيء ويزين، وبه حياة كل شيء ونماؤه، والمبارك كل خير يكون على النماء والزيادة في كل وقت، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّٰتٍ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ} يقول: أنبتنا بذلك الماء المبارك المنزل من السماء {جَنَّٰتٍ} أي: بساتين، والمكان الذي جمع فيه كل انواع الشجر سمي: بستاناً وجنّة.
وقوله: {وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ} أي: أنبت ذلك الماء كل حب حصيد، فدخل تحت قوله: {وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ} أنواع الشجر والغربي والبنات.
ثم قوله - تعالى -: {وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ} الحب الحصيد هو الحب نفسه، لكن أضاف الحبّ إلى الحصيد، ويجوز مثل هذا؛ كما يقال صلاة الأولى، ومسجد الجامع.
وقال بعضهم: هما غيران؛ الحب: ما يخرج منه، والحصيد: ما يحصد من العصف الذي يصير نبتاً؛ لأن الحب لا يحصد، وإنما يحصد الساق منه؛ لذلك أضاف الحب إلى الحصيد، وهو شجرة وقوامه؛ لذلك أضيف إليه؛ كما يقال: ثمر الشجر، ونحو ذلك.
وقوله - عز وجل -: {وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ}.
قوله: {وَٱلنَّخْلَ} أي: طوال؛ يقال: بسق الشيء بسوقاً إذا طال.
وقال أبو عوسجة: {بَاسِقَاتٍ} أي: حوائل.
يخبر الله - عز وجل - عن بركة الماء أنه بلطفه جعل الماء بحيث تظهر بركته ونماؤه وأثره على رأس النخل، وإن طال يسقى الأصل؛ لما جعل في سيرته من البركة، والمعنى ما يظهر ذلك، ولا يعلم حقيقة ذلك المعنى.
وقوله: {لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ} أي: منضود، والطلع: أول ما يخرج من النخل فيحمل، والتنضيد: هو التأليف والتركيب؛ أي: يؤلف بعضه إلى بعض ويركب، ويسمى ذلك: كُفُرَّى، وإذا نضج استوجب الطلع ويعرف وصار رطباً.
وقال أبو عوسجة {نَّضِيدٌ} أي: متراكم بعضه من على بعض، والميل المتراكم يقال له: منضود، والتنضيد: هو جعل [الشيء] بعضه فوق بعض، ونضد الشيء بنفسه فهو نضيد.
وقيل: {نَّضِيدٌ} أي: كثير.
وقوله - عز وجل -: {رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ} أخبر أن ذلك كله إنما أنبته وأخرجه رزقاً للعباد.
وقوله - عز وجل -: {وَأَحْيَيْنَا بِهِ} أي: بالماء {بَلْدَةً مَّيْتاً} أي: أحيا بالماء كل بلدة ميت، وكل بقعة ميتة، وكل غرس، فصار به كل حي ونماء كل شيء.
ثم قال: {كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ}، أي: كما قدر على إحياء ما ذكر من الأرض بعد موتها، وإحياء النبات والغرس، وكل شيء بعد موته بذلك الماء، فعلى ذلك قادر على إحيائكم بعد موتكم، وبعدما صرتم تراباً.
والأعجوبة في إحياء ما ذكر كله من الأرض والنبات والغرس إن لم تكن أكثر لم تكن دن ما في إحياء الناس من بعد موتهم، فإذ قد عرفوا قدرته في إحياء ما ذكر وأقروا به، كذلك لزمهم أن يقروا به في إحياء كل شيء، والله الموفق.