التفاسير

< >
عرض

وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ
١٩
وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ
٢٠
وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ
٢١
لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ
٢٢
وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ
٢٣
أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ
٢٤
مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ
٢٥
ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ
٢٦
قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ
٢٧
قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ
٢٨
مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ
٢٩
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ
٣٠
وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ
٣١
هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ
٣٢
مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ
٣٣
ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ
٣٤
لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ
٣٥

تأويلات أهل السنة

قوله - عز جل -: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} قال أبو عو سجة: {سَكْرَةُ الْمَوْتِ} أي: شدته.
يخبر أن لا بد أن ينزل بالنفس عند الموت شدة ومشقة.
ثم الآية ترخج على وجهين:
أحدهما: أن تُجْرِى على ظاهرها في الماضي؛ أعني: لفظة {جَاءَتْ} أي: جاءت سكرة الموت على الذين كانوا من قبلكم، فوجدتهم غير متأهبين و لامستعدين له، والله أعلم.
والثاني: أن يكون قوله: {وَجَاءَتْ} بمعنى تجيء، وكذلك {وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ} وذلك جائز في اللغة.
وقوله - عز وجل -: {بِالْحَقِّ} أي: من أهل الشقاوة أو من أهل السعادة؛ يقول: عند ذلك يبين له ويظهر أنه من أهل السعادة أو من أهل الشقاوة؟ أو من أهل الجنة أو من أهل النار؟
وأصله عندنا: أن الحق هو ما وعد كل نفس من خير، وما أوعد كل نفس من الشر، إن كان مؤمناً وقد وعد له الجنة فيتحقق له ذلك، وإن كان كافراً وقد أوعد له النار فيتحقق له ذلك.
ويحتمل ما ذكر من الحق - هاهنا - هو الموت نفسه؛ أخبر أنه لا بد من الموت، وأنه كائن لا محالة، وهو كقوله - تعالى -:
{ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ } [الأنبياء: 34] يقل: لم يخلق الخلق للخلود وفي الدنيا، ولكن للآخرة، فلا بد م نالمت، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} يحتمل وجهين:
أي: أتاك ما كنت تكره مجيئه وتنكره، ولم تؤمن به، وهو البعث ويوم القيامة الذي ينكرونه ويكرهونه.
والثاني: يحتمل الموت نفسه؛ أي: أتاك ما كنت تكره وتفر منه؛ إذ هم كانوا يكرهون الموت ويفرون منه؛ كقوله - تعالى -:
{ قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ } [الجمعة: 8] أي: يأتيكم من حيث لا مفر لكم عنده.
ثم الحيد: الميل والكراهة.
وقال أبو عوسجة: الحيد: الفرار، يقال: حاد يحيد حيداً فهو حائد.
وقوله - عز وجل -: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ}.
يحتمل أن يكون أراد النفخة الأولى، وهي النفخة التي يفزع عندها أهل السماوات والأرض فيموتون.
ويحتمل أن يريد النفخة الثانية التي عندها البعث وإدخال الأرواح في الأجساد.
ويحتمل أن يريد عندما يوضع كل واحد في القبر وهو أن يسأل، على ما جاءت الأخبار من سؤال منكر ونكير، وذلك أيضاً هو يوم الوعيد في حق ذلك الرجل، وهذا للكافر خاصة.
وقوله - عز وجل -: {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ} أي: ذلك يوم وقوع الوعيد؛ إذ يوم الوعيد الدنيا، فأما القيامة فهو يوم وقوع الوعيد وتحققه، والله أعلم.
وقوله - عز و جل -: {وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ}.
قال بعضهم: السائق: الذي يقبض روحه، والشهيد: الذي يحفظ عمله.
وقال بعضهم: السائق: هو الملك الذي يكتب عليه سيئاته، والشهيد هو الذي يكتب حسناته.
وقيل: السائق: هو النار التي تأتي تسوق الكفرة إلى المحشر، والشيهد هو عمله الذي عمل في الدنيا.
وقيل: السائق: الكاتب، والشهيد: جوارحه بقوله تعالى:
{ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ... } الآية [النور: 24].
واصله ما ذكر في قوله:
{ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ } [الزمر: 71]، و { وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ } [الزمر: 73]، ذكر السوق في الفريقين، وذكر في الكفرة: { ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ } [الصافات: 22]، وقال - عز وجل -: { وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ } [فصلت: 19]، فالسائق: هو ملك يسوق إلى ما أمر من الجنة أو النار، والشهيد هم الملائكة الذين يكتبون علينا الأعمال، فيشهدون في الآخرة: إن كان شرّاً فشرّ، وإن كان خيراً فخير، والله أعلم بحقيقة ما أراد، وإن كان ما قالوا فمحتمل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ}.
يقول: لقد كنت في الدنيا في غفلة من هذا تعاين وتشاهد.
أو في غفلة عما أوعدت من المواعد والشدائد التي عاينتها {فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ} أي: كشفنا عنك الشبه التي تمنع وقوع العلم به والتجلي له {فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ} أي: ثاقب نيّر، يبصر الحق؛ كقوله - تعالى -:
{ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا } [مريم: 38].
وقيل: حديد من الحدة؛ أي: نافذ لا يخفى عليه شيء، فكأنه أراد - والله أعلم -: إنك كنت في الدنيا جاهلا عن هذا اليوم، وعن هذه الحال، والآن قد عاينت ما كنت عنه في غفلة وأيقنت به، وهو كقوله - عز وجل -:
{ لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ } [التكاثر: 6-7].
وقوله - عز وجل -: {وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} أي: يقول الملك الذي كان عليه رقيبا: إن كل ماعمل فه وعندي حاضر من تكذيب وعمل السوء، فيشبه أن تكون شهادة الحفظة على هذا القول.
ويحتمل أن يكون ذلك على السؤال للملائكة عما كتبوا وحفظوا، يقول كل ملك: {هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} أي: هذا الذي عمل هذا عندي حاضر محفوظ؛ إذ الكتاب الذي كتبت فيه أعمالهم حاضر.
ثم جائز أن الذي يكتب الأعمال ملك واحد على هذا؛ حيث قال: {وَقَالَ قَرِينُهُ} ولم يقل: قريناه، وإن كان قال:
{ إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ } [ق: 17] على ما ذكرنا أنهما ملكان، لكن يجوز أن يتولى الكتابة واحد، والآخر شاهد.
وجائز أن يكونا يكتبان جميعاً بقوله:
{ كِرَاماً كَاتِبِينَ } الانفطار: 11] لكنه ذكر - هاهنا - بحرف التوحيد فقال: {وَقَالَ قَرِينُهُ} لما يقول كل واحد منهما ذلك على حدة، وهو كما ذكرنا، وفي قوله: { عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ } [ق: 17] أي: كل واحد منهما قعيد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ}.
يحتمل أن يكون الخطاب بقوله - تعالى -: {أَلْقِيَا} لاثنين؛ على ما هو ظاهر الصيغة، الذي يسوقه والذي يشهد عليه، حيث قال: {وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ} كأن الأمر بذلك لهما.
ويحتمل أن يكون المراد بالخطاب هو القرين الذي سبق ذكره: {وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} لكن قال: {أَلْقِيَا} لوجهين:
أحدهما: ما قيل: إن العرب قد تذكر حرف التثنية على إرادة الواحد والجماعة.
والثاني: ما قال بعضهم: إن المراد من قوله {أَلْقِيَا} أي: ألق ألق، على التأكيد؛ كقوله - تعالى -:
{ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ } [المؤمنون: 36] على الوعيد في الذم، ويقال في المدح: بخ بخ، ونحو ذلك، على التأكيد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ} كل كفار لنعم الله - تعالى - حيث صرف شكرها إلى غيره.
أو كل كفار لتوحيد الله، وتسمية غيرٍ: إلها.
والعنيد، قال بعضهم: هو الذي بلغ في الخلاف غايته، والمخالف أشد الخلاف، من عند يعند عنوداً، فهو عاند، وعنيد بمعنى: عاند.
وقيل: هو الذي لا ينصف من نفسه.
وقيل: هو الذي يكابر ويعاند بعد ظهور الحق له، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ} يحتمل وجهين:
أحدهما: مناع عن الخير، وهو منع غيره عن التوحيد وقبول الحق.
والثان]: {مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ} أي: منع ماعنده من الحقوق التي وجبت في أمواله ونفسه.
وقال بعض أهل التأويل: أراد به الوليد بن المغيرة المخزومي؛ لكن هذا عادة كل كافر؛ كقوله - عز وجل - :
{ إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً } [المعارج: 19-21] فلا معنى لتخصيص واحد به.
وقوله - عز وجل -: {مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ} المعتدي من الاعتداء، وهو المجاوز عن حدود الله - تعالى - والمريب من الريبة، وهو الشك والفساد، فكأن المريب هو الذي فيه الشك والفساد جميعاً.
ثم نعت ذلك الإنسان فقال: {ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ}، أي: وصف وذكر مع الله إلهاً آخر، وهو كقوله - تعالى -:
{ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ } [النحل: 57] وقوله - تعالى -: { وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً } [الزخرف: 19] أي: قالوا ووصفوا أنهم إناث، وإلا لا يملكون جعل ذلك حقيقة.
وقوله - عز وجل -: {فَأَلْقِيَاهُ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ} وصف نار جهنم بالشدة؛ لما أنه لا انقطاع لها، وكل عذاب يرجى انقطاعه في بعض الأزمان ففيه بعض الراحة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ}، أي: قال شيطانه الذي أضله ودعاه إلى ما دعاه؛ فصار قرينه في الآخرة؛ لقوله - تعالى -:
{ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } [الزخرف: 36].
ويحتمل: {قرِينُهُ} أي: رفيقه الذي كان معه يتبعه ويصدر عن رأيه.
ثم هذا القول من قرينه إنما بعد أن كان منه إنكار لما كان منه من الكفر والشرك عن اختيار، وقال: هذا الذي أضلني وأطغاني، وهو الذي حملني عليه، كقولهم:
{ هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ } [الاعراف: 38]، فيقول رفيقه: {رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ}، وكان الكفرة لحيرتهم وقلة حيلتهم أحياناً ينكرون الشرك؛ كقوله: { وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } [الأنعام: 23] وقوله: { يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ } [المجادلة: 18]، ثم قال: { أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ } [المجادلة: 18]، وأحياناً يقولون: هؤلاء أضلونا، وأحياناً يلعن بعضهم بعضا.
وقوله - عز وجل -: {رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ} أي: ما قهرته على الضلال، ولا لي قوة ذلك، ولكن اتبعني على ما كنت أنا فيه، وأطاعني من غير أن يكون مني إكراه وإجبار على ذلك، وهو ما ذكر: {وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} أي: كان في ضلال لا يرجى الرجوع ولا الانقطاع.
وقال بعض اهل التأويل: إن ذلك الكافر يكذب الحفظة بأنهم كتبوا ما لم أعمل، وهم كانوا يكذبون في ذلك اليوم؛ لحيرتهم؛ كقولهم:
{ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } [الأنعام: 23]، فقال قرينه وهو الذي يكتب أعماله: {رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ}.
لكن هذا فاسد، وهذا القول من الشيطان، لا من الملائكة الإطغاء والإغواء؛ إذ هم لا يدعون على الملائكة الإطغاء والإغواء؛ ألا ترى انه قال: {لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ} واختصامهم مع الشيطان كما أخبر - عز وجل - في غير آي من القرآن؛ قال الله - تعالى -
{ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ * قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ * قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } [الصافات: 27-29] وقوله - عز جل -: { وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ... } إلى قوله - تعالى -: { وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي... } الآية [إبراهيم: 22].
فهذه الخصومة بينهم وبين قرنائهم، وهم الشياطين
{ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً } [النساء: 38]، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ}: خصومتهم ما ذكرنا، قالت الأتباع:
{ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا } [الأعراف: 38] وما ذكر من لعن بعضهم بعضاً ومن تبري بعض عن بعض، فقال - تعالى عز وجل -: {لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ} أي: قدمت إليكم من الوعيد في الدنيا، فانقطعت خصوماتكم هذه؛ أي: بينت في الدنيا ما يلحق بمن ضل بنفسه، ومن ضل بغيره.
كأن هؤلاء الكفرة يطلبون وجه الاعتذار بما لا عذر لهم؛ فلذلك يقال لهم: {لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ} أي: أرسلت إليكم الرسل معهم الكتب وفيها الوعيد، فلم تقبلوا ذلك كله.
فإن قيل: قال هاهنا: {لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ}، وقا ل في موض آخر:
{ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ } [الزمر: 31] قيل: هو يخرج على جوه: أحدها: أن قوله: { ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ } [الزمر: 31] في أهل القبلة، وهو في المظالم التي كانت بينهم في الدنيا.
والثاني: ما قال بعضهم بأن إحدى الآيتين في موضع، والآخرى في موضع، فيؤذن لهم بالكلام فيه حتى يكون جمعاً بين الآيتين، وهو كقوله - تعالى -:
{ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ } [الرحمن: 39]، وقال في آية أخرى: { وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ } [المؤمنون: 101]، وقال في آية أخرى: { فِي جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ } [المدثر: 40-42]؛ فعلى ذلك هذا.
والثالث: جائز أن يكون قوله - تعالى -: {لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ} في الدين فيما بينهم وبين ربهم في دفع عذاب الله عن أنفسهم، وذلك لا يملكونه ولا ينتفعون به، وأما قوله - تعالى -:
{ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ } [الزمر: 31] فيما بين أنفسهم في المظالم والمغرامات، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ} هذا يحتمل وجوهاً:
أحدها: ما يبدل ما استحق كل واحد منكم من العذاب والثواب ما سبق مني من الوعد والوعيد في الدنيا بأن أجعل جزاء الكافر الجنة، وجزاء المؤمن النار؛ إذ قد سبق في وعدي ووعيدي بأن أجعل الجنة مثوى المؤمنين، والنار مثوى الكافرين؛ فلا يبدل ذلك الوعد والوعيد.
والثاني: {مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ} يتمل أنه أراد به قوله:
{ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } [السجدة: 13].
والثالث: أي: لا يبدل اليوم ما يستوجب به الجنة والخلود فيها، وهو الإيمان عن غيب، كما أخبر - عز وجل -: {مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ...} الآية، فأما الأيمان بعد العيان لا ينفع، كما أخبر - عز وجل -:
{ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا... } الآية [غافر: 85].
وقوله - عز وجل -: {وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} أي: في العقل والحكمة تعذيب من أتى بالكفر والشرك، فيكون ترك تعذيبه سفهاً.
وقوله - عز وجل -: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ}.
هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: على تحقيق القول من الله - تعالى - لجهنم: {هَلِ ٱمْتَلأَتِ}، وعلى تحقيق القول من جهنم والإجابة له: {هَلْ مِن مَّزِيدٍ}، وذلك جائز أن ينطلق الله - تعالى - جهنم حتى تجيب له بما ذكر {هَلْ مِن مَّزِيدٍ} على ما ذكرنا من شهادة الجوارح عليهم، والنطق منها للكل، حتى أجابت الجوارح لهم لما قالوا:
{ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ } [فصلت: 21] وعلى ذلك ما ذكرنا في قوله - تعالى -: { يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ } [سبأ: 10] ونحو ذلك، ومثل هذا غير مستنكر في العقول على تدقير إحداث الحياة فيها التي هي شرط النطق عن علم، والله أعلم.
والثاني: على التمثيل، لا على تحقيق القول لها: {هَلِ ٱمْتَلأَتِ} وعلى تحقيق الإجابة منها {هَلْ مِن مَّزِيدٍ} ولكن على التمثيل؛ لوجهين:
أحدهما: أي: إن جهنم لو كانت بحيث تنطق وتسمع وتعلم لو قلت ل ها: {هَلِ ٱمْتَلأَتِ}، فتقول: {هَلْ مِن مَّزِيدٍ}؟ يخبر عن انقياد المخلوقات له والطاعة والإجابة، وهو ما ذكرنا في قوله - عز وجل -:
{ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا } [الأنعام: 70] لا يكون من الدنيا حقيقة التغرير قولا ولا فعلا، ولكن معناه: إنها بحال من التزين وما فيها من الشهوات لو كان لها تمييز وعقل لغرتهم، والله أعلم.
والثاني: وصف لها بالعظم والسعة وإخبار عن أنها تحتمل المزيد، وإن جمع من الكفرة ما لا يحصى، على التمثيل، وهو كقوله:
{ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ } [الحشر: 21]، وكذلك قوله - عز وجل -: { وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا } [الأنعام: 70] وصف لها بالتزين والحسن الظاهر ما [لو] لم يتأمل الناظر فيها العاقبة لاغتر بها من حسنها وزينتها؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: {هَلْ مِن مَّزِيدٍ} يخرج على وجهين:
أحدهما: هل يبقى من أحد يزاد فيَّ فإني قد امتلأت، وليس فىَّ سعة تحتمل غيرهم.
والثاني: {هَلْ مِن مَّزِيدٍ} أي: فيَّ سعة عظيمة، فهل من زيادة خلق امتلئ بها؟ لأن الله - تعالى - وعد أن يملأ جهنم، كما قال:
{ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } [هود: 119] فتسأل المزيد من ربها لتمتلئ، والله أعلم بذلك.
وقال بعض أهل التأويل بأنها تسأل الزيادة حتى يضع الرحمن قدمه فيها فتضيق بأهلها حتى لا يبقى فيها مدخل رجل واحد، وروي خبر عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، وأنه فاسد، وقول بالتشبيه، وقد قامت الدلائل العقلية على إبطال التشبيه، فكل خبر ورد مخالفاً للدلائل العقلية يجب رده، ومخالف لنص التنزيل، وهو قوله:
{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [الشورى: 11] ثم هذا القول على قول المشبهة - على ما توهموا - مخالف للكتاب؛ لأنه الله - عز وجل - قال: { لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } [هود: 119] وعندهم لا تمتلئ بهم ما لم يضع الرحمن قدمه فيها.
ثم ذكر البلحي أن مدار ما ذكروا من الحديث على حماد بن سلمة، وكان خوفاً مفنداً في ذلك الوقت لم يجز أن يؤخذ منه، مع ما روي في خبر أنس - رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"يأتي الله - تعالى - يبشر فيضع في النار حتى تمتلئ" فهذا يحتمل نلا ما رووا، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: {وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} أي: قربت، وذكر في آية آخرى:
{ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً } [الزمر: 73] ذكر - هاهنا - تقريب الجنة إلى أهلها، وذكر ثَمَّ سوق أهل الجنة إليها، فبين الآيتين مخالفة من حيث الظاهر، ولكن يحتمل وجهين:
أحدهما: أن أهل الجنة إذا قربوا منها بالسوق إليها قربت هي إليهم؛ لأن أحد الشيئين إذا قرب إلى الآخرة قرب الآخر منه، ويزول البعد بزوال المسافة، وذلك معروف.
ويتحمل أن يكون إخباراً عن وصف الجنة أنها بحال تقرب إلى أهلها وتزلف، ذكر في الجنة التقريب؛ وفي النار البروز الظهور بقوله - تعالى -:
{ وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ } [الشعراء: 91] فهو - والله أعلم - أن أهل النار كانوا يجحدون النار وينكرونها وبرزت الجحيم ليرونها ويطلعون عليها، وهو كقوله - عز وجل -: { لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ } [التكاثر: 6] فأما أهل التوحيد فإنهم كانوا يقرون بالجنة، ولكن لا يرون أنفسهم من أهلها لما بدا منهم من الخطايا والزلات، ويرونها بعيدة من أنفسهم، فذكر الله - تعالى - التقريب لهم، ووعدهم بذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {غَيْرَ بَعِيدٍ} أي: غير بعيد منهم، بل بحيث يرونها وقت وقوفهم في القيامة، والله أعلم.
والثاني: أي: على بعد منهم في الدنيا؛ أي: يأتونها ويكونون من أهلها عن قريب؛ لأن كل آت فكأن قد أتى، والله أعلم.
ويحتمل: أي: غير بعيد منهم في الجنة إذا دخلوها من الثمار والفواكه؛ بل قريب منهم، يتناولون كيف شاءوا والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ} الأواب الرجاع، من الآوبة، وهي الرجوع؛ فمعناه: لكل رجاع إلى الله - تعالى - في كل وقت، أو رجاع إلى أمره وطاعته.
وقوله - عز وجل -: {حَفِيظٍ} أي: يحفظ نفسه عن المعاصي والزلات سرّاً وعلانية والحافظ لحدوده في أوامره ونواهيه، وهو كقوله - تعالى -:
{ لِّلْمُتَّقِينَ } [البقرة: 2] و { لِّلْمُحْسِنِينَ } [لقمان: 3] إذ التقوى هي الائتمار بما أمر والامتناع عما نهى وحظر، والإحسان هو العمل بجميع ما يحسن في العقول.
وقوله - عز وجل -: {مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ} أي: خاف وحذر بما أوعد.
ثم يخرج على وجهين:
أحدهما: {مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ} أي: قبل أن يرد على ظاهر ما ذكر.
والثاني: أي: من خشي الرحمن في الدنيا التي هي حال غيب الدلائل بالمواعيد التي أوعدها وحذر منها قبل أن يعاينها؛ إذ هو لم يرد ذلك العذاب فيصدقه فيما أوعد، وخافه وهو كقوله - تعالى -:
{ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ } [آل عمران: 28، 30] أي: عقوبته ونقمته، والله أعلم.
وقوله -0 عزو جل -: {وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ} والمنيب: هو المقبل على الله تعالى بجميع أوامره ونواهيه، المطيع له في ذلك كله.
وقوله - عز وجل -: {ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ} كأنه على الإضمار، أي: يقال لهم: ادخلوها بسلام الملائكة: أي: تسلم الملائكة عليهم وقت دخولهم الجنة؛ كقوله:
{ سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ } [الزمر: 73].
والثاني: السلام: هو اسم من أسماء الله تعالى فيقال لهم: ادخلوها باسم الله تعالى عل ما هو الأصل، وفي كل خير أنه يبتدأ باسم الله تعالى؛ امتثالا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"كل أمر ذي بال لم يبدأ باسم الله فهو أبتر" .
وقال بعضهم: {ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ}، أي: سالمين عن الخوف والحزن، لا آفة تصيبكم فيها، وهو كقوله: { ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ } [الحجر: 46] عن الخوف والحزن.
ويحتمل ادخلوها ولا كلفة عليكم، ولا أمر، ولا محنة، سوى الثناء على الله تعالى والحمد له، وتسليم بعضكم على بعض؛ بل تسقط عنكم جميع المحن والأوامر التي عليكم في الدنيا، وذلك كقوله تعالى:
{ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } [يونس: 10]، وكأنه لا شيء ألذ في الدنيا على أهل الإيمان من الثناء على الله تعالى وتسليم بعضهم على بعض؛ فلذلك أبقى ذلك في الجنة، وأسقط ما رواء ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ}:
يحتمل: أي: ذلك يوم الخلود لأهل الجنة بالسرور والراحة، ولأهل النار بالعقوبة العذاب.
ويحتملم: أي: يوم لا انقطاع لذلك الذي وعدوا، وهي الجنة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا}، أي: لهم ما يختارون فيه، لا يبجرون، ولا يكرهون فيها على شيء؛ إذ المشيئة هي صفة كل فاعل مختار.
وإن كانت المشيئة مشيئة التمني والتشهي، فكأنه قال: لهم ما يتمنون، ويتخيرون كقوله:
{ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ } [فصلت: 31] وقوله - عز وجل -: { وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ } [النحل: 57]، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} قال بعض أهل التأويل: بأنه تأتيهم سحابة فتمطرهم كل ما يشاءون، وذلك هو المزيد لهم في الجنة.
وقال بعضهم بأنه تنبت لهم شجرة فتنفطر لهم كل ما يشاءون، فذلك هو المزيد.
لكن يحتمل وجهين:
أحدهما: النظر إلى رؤية الرب - جل وعلا - وهو كقوله تعالى -:
{ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ } [يونس: 26] قيل: الزيادة هي رؤية الله تعالى في الجنة.
ويشبه: ولدينا مزيد من نعيمها ما لا يبلغ تمنيهم وشهواتهم؛ كقوله - عليه السلام - في صفة نعيم الجنة:
"ما لاعين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" ؛ لأن لأماني والشهوات إنما تكون لما سبق لجنسه من الذي تقع عليه الرؤية والنظر، أو الخبر فأما ما لا معرفة به، فلا يتمنى ولا يشتهى، والله أعلم.