التفاسير

< >
عرض

أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ
٢٤
فَلِلَّهِ ٱلآخِرَةُ وٱلأُولَىٰ
٢٥
وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىٰ
٢٦
إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأُنْثَىٰ
٢٧
وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً
٢٨
فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا
٢٩
ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ
٣٠
وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى
٣١
ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ إِلاَّ ٱللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ
٣٢
-النجم

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ}.
أي: للإنسي ما تمنى.
ثم يحتمل تمنيهم شفاعة [ما] عبدوه.
أو ما اختاروا من البنين لأنفسهم والبنات لله تعالى.
أو ما سموا واتخذوا الأصنام آلهة، وما ظنوا على الله وادعوا أمره ورضاه في فعلهم، وغير ذلك مما كانوا يتمنون؛ يقول: ليس للإنسان ما تمنى أن يكون له؛ إنما يكون ذلك له بجعل الله الذي له الدنيا الآخرة، وذلك قوله - تعالى -: {فَلِلَّهِ ٱلآخِرَةُ وٱلأُولَىٰ}.
وقوله - عز وجل -: {وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىٰ}.
يخرج هذا على وجهين:
أحدهما: أي: كم ملك له شفاعة لا تنفع شفاعته وإن يشفع إلا لمن ذكر.
والثاني: أي: كم من ملك في السماوات لا شفاعة له، ولا يشفع إلا لمن يشاء الله ويرضى أن يشفع، وهو كقوله - تعالى -:
{ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ } [المدثر: 48] أي: ليست لهم شفاعة تنفع.
وقال أبو بكر الأصم: إنما يشفعون في الآخرة لمن شفعوا في الدنيا واستغفروا لهم؛ كقوله تعالى:
{ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ } [الشورى: 5] وقوله - تعالى -: { وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ... } الآية [غافر: 7]، وقولهم: { رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ } [غافر: 8]، وقد ذكرنا فيما تقدم الوجه في ذلك.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأُنْثَىٰ} وإنما يسمي ذلك فُؤُم، وقد أضاف ذلك إلى الكل في الظاهر؛ لأن الذين يسمون الملائكة تسمية الأنثى، والله أعلم.
ويجوز أن يذكر الكل، ويراد به البعض في اللغة، ومثله في القرآن كثير، والله أعلم.
وقوله: {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ} أي: ما لهم بما يسمون الملائكة تسمية الأنثى من علم، لأن العلم بمعرفة الأنثى من الذكر بطريقتين:
أحدهما: المشاهدة، يشاهد ويعاين فيعرف الأنثى من الذكر، وهم لم يشاهدوا الملائكة، فكيف يعرفون ذلك؟
والثاني: خبر الرسول المؤيد بالمعجزة، وهؤلاء قوم لا يؤمنون بالرسل.
ولا يعرف بالاستدلال وطريق العلم الثلاثة التي ذكرنا، فإذا كان حصل قولهم بلا علم، ولكن على الظن، وذلك قوله تعالى: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ}، أي: ما يتبعون في قولهم الذي قالوا إلا الظن، ووجه ظنهم ما ذكرنا.
ثم أخبر أن ظنهم لا يغنيهم من الحق شيئاً، فهو يخرج على وجهين:
أحدهما: أن الظن الذي ظنوا لا يدفع عنهم ما عليهم من اتباع الحق ولزومه.
والثاني: أن ظنهم الذي ظنوا في الدنيا لا يدفع عنهم ما لزمهم من العذاب في الآخرة.
وقوله - عز وجل -: {فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا}.
هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: على ترك مكافأتهم؛ أي: لا تكافئهم لصنيعهم وأذاهم.
والثاني: يخرج على الإياس له من إيمانهم؛ أي: لا تشتغل بهم، فإنهم لا يؤمنون أبداً؛ فهو في قوم خاص علم الله - عز وجل - أنهم لا يؤمنون.
وقوله - عز وجل -: {وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا}.
يحتمل أنهم كانوا لا يؤمنون بالآخرة، فلم يريدوا بحسناتهم التي عملوا إلا الحياة الدنيا؛ لأنهم كانوا يتصدقون ويصلون الأرحام، لكن لم يريدوا بذلك إلا ما ذكر في الحياة الدنيا.
وجائز أن تكون الإرادة هاهنا كناية عن العمل.
وقوله - عز وجل -: {وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا}.
أي: لم يعمل للآخرة رأسا؛ يخبر عنهم أنهم يعملون للدنيا، لا للآخرة، وهو كقوله تعالى:
{ مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ } [الإسراء: 18]، وقوله - عز وجل -: { وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ... } الآية [الإسراء: 19]، ونحو ذلك.
وقوله - عز وجل -: {ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ} بألا يؤمنوا بالآخرة، ولا يعملوا لها.
وقال بعضهم: {ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ} أي: ذلك مبلغ رأيهم من العلم: أن الملائكة بنات الله، وأنها تشفع لهم.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ}.
مثل هذا الكلام إنما يخرج على أثر خصومات كانت من أولئك الكفرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كأن أولئك الكفرة قالوا: نحن على الهوى، وأنتم على الضلال، فقال عند ذلك: {فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا}، ثم قال: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ}، أي: هو أعلم بمن ضل عن سبيله؛ فيجزيه جزاء ضلاله في الآخرة، {وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ} فيجزيه جزاء الهدى، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى}، هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: يقول: {وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}، وهو غني عن عبادتكم، وإنما يأمركم وينهاكم، ليجزيكم بأعمالكم، لا لمنافع ترجع إليه.
والثاني: {وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي: إنما أنشأ أهل السماوات والأرض؛ ليمتحنهم بالأمر والنهي، ثم ليجزي الذي أساءوا جزاء الإساءة والذين أحسنوا جزاء الإحسان، ولو كان على ما قال أولئك الكفرة: أن لا بعث ولا جزاء، لكان خلقهم وخلق ما ذكر عبثاً باطلاً، وفي الحكمة التفريق بين المسيء والمحسن، وفي الدنيا تحققت التسوية بينهما، فدل ذلك على دار أخرى يفرق بينهما فيها.
ثم يحتمل جزاء إساءة أولئك في الدنيا والآخرة: في الدنيا: القهر، والدَّبرة، والهزيمة، وفي الآخرة: النار، وجزاء المحسن في الدنيا: النصر والظفر، وفي الآخرة: الجنة.
ثم نعت الذين أحسنوا الحسنى - وهو التوحيد - فقال: {ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ}.
ثم يحتمل أن تكون الكبائر ما يعرفها كل أحد: أنها كبيرة، والفاحشة: ما يعرفها كل أحد أنها فاحشة، واللمم - على هذا - يجيء أن تكون [من] تلك الكبائر [و]الفواحش؛ لأنه استثناء؛ فيجب أن تكون من جنسها، لكنه استثناها وعفا عنها؛ لما يقعون فيها عن غفلة وسهو، أو عن غلبة شهوة، ونحوها، وهو الأشبه بتأويل الآية.
وقال أهل التأويل: الكبائر والفواحش هي التي ذكر فيها الحد في الدنيا والعقوبة في الآخرة، واللمم التي لم يذكر لها حد في الدنيا، ولا عقوبة في الآخرة.
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال:
"زنا العين: النظر، وزنا الشفتين: التقبيل، وزنا اليدين: البطش، وزنا الرجلين المشي، ويصدق ذلك ويكذبه الفرج، فإن تقدم فهو زنا، وإلا فهو لمم" ، وفي رواية: "إن تقدم كان زنا، وإن تأخر كان لمماً" .
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: ما رأيت أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة؛ فزنا العين: النظر، وزنا اللسان: النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه" .
وعن أبي هريرة أنه النظرة، والغمزة، والقبلة، والمباشرة.
وعنه أنه اللمم: النكاح.
وعن ابن عباس: - رضي الله عنه - أنه قال: اللمم: لمم الجاهلية؛ كقوله - تعالى -:
{ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } [النساء: 23].
وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: هو أن يلم المرَّة.
وقيل: اللمم: اللهم بالخطيئة من جهة حديث النفس شيئاً من غير عزم.
وقيل: إن اللمم: مقاربة الشيء من غير دخول فيه.
وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
"لاَهُم إن تغفر تغفر جمّاً، وأى عبد لك لا ألما؟!" .
وقيل: اللمم: الصغير من الذنوب؛ لقوله: { إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ... } الآية [النساء: 31].
وقال القتبي: اللم: الصغار من الذنوب، وهو من ألم بالشيء: إذا لم يتعمق فيه، ولم يلزمه.
وقال بعضهم: اللمم: ما بين الحدين: حد الدنيا، وحد الآخرة؛ وهو قول ابن عباس - رضي الله عنه - وذلك يحتمل، والأول أقرب.
وقال أبو بكر الأسم: اللمم: التي يتوب عنها؛ فإنهم إذا تابوا عنها يتجاوز عنهم؛ فهو يجعل اللمم من تلك الكبائر والفواحش، لكنه يقول: إنما استثنى؛ لما يتوب عنها؛ لما يقعون فيها على السهو والغفلة، أو الغلبة شهوة على حسن الظن بربه؛ فيغفر له، أو يتوب عليه؛ فيعفوا عنها.
وعلى تأويل أهل التأويل: اللمم: ما دون الكبائر والفواحش.
وجائز أن تكون الكبائر والفواحش التي ذكر كبائر الشرك وفواحشه؛ كقوله - عز وجل -:
{ وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً... } الآية [آل عمران: 135]، وقوله - تعالى -: { سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا } [الأنعام: 148]؛ فيكون اللمم - على هذا -: ما دون الشرك فهو في مشيئة الله - تعالى - إن شاء الله عفا عنها، وإن شاء عذب عليها؛ كقوله - تعالى -: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ } [النساء: 48].
وقوله - عز وجل -: {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ}.
أي: هو أعلم بكم، وبأحوالكم، ووقوعكم فيها على السهو والغفلة، عفا عنكم، أي: عن اللمم.
وعلى قول أبي بكر: {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ} لمن تاب عنها، و{هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ} تتوبون عنها.
وعندنا: أن ربك هو واسع المغفرة لمن شاء، تاب عنها أو لم يتب.
ثم إن كانت المغفرة هي الستر، فهي تعم المؤمن والكافر في الدنيا، وإن كانت التجاوز فهي للمؤمنين خاصة، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ} عندنا: هو اعلم بكم بأنكم تعملون وتقعون فيها عن السهو والغفلة.
أو هو أعلم بأحوالكم وأفعالكم، وما يكون منكم، {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} ما لو اجتمع حكماء البشر ما أدركوا معنى الإنسان في ذلك، ولا أدركوا معنى تصوير اليدين، والعينين، وغيرها من الجوارح وقت كونكم أجنة في بطون أمهاتكم.
ثم نسبتنا إلى الأرض بقوله - تعالى -: {مِّنَ ٱلأَرْضِ} تحتمل وجهين:
إما لخلق أصلنا من الأرض؛ كقوله:
{ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ } [الروم: 20]، ونحوه.
أو لجعل أقواتنا منها؛ لقوله - تعالى -:
{ وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا } [فصلت: 10]؛ إذ لا قوام لنا إلا بذلك الغذاء والقوت الذي يخرج من الأرض، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ} في ظاهر الآية نهى عن التزكية، وأمر في آية أخرى بالتزكية ورغب فيها؛ حيث قال:
{ وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ } [البقرة: 151]، لكن فيما أمر بالتزكية أمر بإصلاح أنفسهم في أنفسهم وتزكيتها فعلا، وفيما نهى عن التزكية نهى عن أن يصفوا أنفسهم بالتزكية والصلاح والتقى والبراءة، لعل ذلك ليس بتزكية في الحقيقة.
أو يكون فيهم من الفساد ما لا يستحق التزكية والوصف بالبراءة، والله أعلم.
فإن قيل: إن الله - تعالى - لما نهانا عن التزكية، فكيف جاز لنا أن نقول لأنفسنا: إنا مؤمنون ومسلمون؛ إذ ذلك مدح وتزكية.
قيل: إنا أمرنا بقول الإيمان والإسلام ابتداء حيث قال:
{ قُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ... } الآية [البقرة: 136]، وقوله: { وَأَسْلِمُواْ } [الزمر: 54]، ونحو ذلك، ولم نؤمر بمثله ابتداء في الصلاح ونحوه بأن نقول: نحن صلحاء أتقياء؛ فجاز ألا يمنع في الإيمان، ويمنع في غيره من الطاعات.
والثاني: أن ليس في نفس الإيمان تزكية؛ لأن كل أهل الأديان مؤمنون بشيء، كافرون بشيء، بقوله:
{ فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ } [البقرة: 256]، وقول أولئك: { نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ } [النساء: 150]، وقوله: { يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ } [النساء: 51]، وفي نفس التقى والصلاح تزكية.
وقيل: {فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ} أي: لا تزكوا أهل دينكم ومذهبكم، وذلك متعارف في الناس: أنهم يزكون أهل مذهبهم وإن كانوا لا يعرفون صلاحهم وتقواهم، ويذمون أهل خلافهم في مذهبهم وإن لم يعرفوا منهم الشر وما به تجب المذمة، وذلك محتم يحتمل ما ذكرنا أنه نهى كلاًّ في نفسه أن يزكي، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ} أي: اتقى محارم الله ومناهيه.
ويحتمل: أي: اتقى الكفر بالله والشرك به.