التفاسير

< >
عرض

ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي ٱلأَمْوَٰلِ وَٱلأَوْلَٰدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَٰهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰماً وَفِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٌ وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ
٢٠
سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ
٢١
مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ
٢٢
لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ
٢٣
ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ
٢٤
-الحديد

تأويلات أهل السنة

قوله: {ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي ٱلأَمْوَٰلِ وَٱلأَوْلَٰدِ}.
ففي ظاهر ما ذكر من هذه الآية ونحوها من الآيات لأهل الإلحاد طعن عظيم؛ فإ،هم يقولون: إن كانت الحياة الدنيا لعبا ولهوا، فلم أنشأ الله تعالى لعبا ولا منشئ سواه؟ فلهم موضع الطعن على هذا الوجه، ولهم دعوى التناقض - أيضا - فيه؛ لما ذكر في بعض الآيات، فقال:
{ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ } [الأنبياء: 16]، وقال: { وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً } [ص: 27]، وقال في هذه الآية وغيرها: {أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ}.
فنقول: إن الآية تخرج على وجوه:
أحدها: على التقديم والتأخير مع الإضمار: كأنه قال: اعلموا أن مثل الحياة الدنيا وزينتها وتفاخرها وتكاثرها ولعبها ولهوها، أي: يتزينون بها ويتفاخرون بالأولاد والأموال، ويتلهون بها ويلعبون - كمثل الغيب أعجب الكفار نباته، ثم يصير ما ذكر حتى لا ينتفع به؛ فعلى ذلك حياة الدنيا، والله أعلم.
والثاني: إنما الحياة الدنيا على ما هي عندكم، وعلى ما اتخذتموها، وعلى ما ظننتم: أنه لا بعث ولا حياة بعده - كان إنشاؤها عبثا ولهوا - إذ لو كان على ما ظنوا لم يكن إنشاؤها إلا للإفناء والإهلاك خاصة، وبناء البناء المحكم للإفناء خاصة عبث وسفه، ليس بحكمة، وهو ما ذكر:
{ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً } [ص: 27]، ذلك ظن الذين كفروا، وكان ظنهم أن لا بعث ولا حياة بعده؛ فعلى ما كان ظنهم، كان إنشاؤها لعبا ولهوا، فأما الحياة الدنيا على ما هي عند أهل التوحيد حكمة وحرق وصواب، وعلى ما كان عند أهل الإلحاد، فهي سفه وباطل، وقد رد الله عليهم بقوله: { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ } [المؤمنون: 115].
وجائز أن يكون معنى قوله: {أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ}، أ ي: لو قوبلت بحياة الآخرة، لكانت عبثا ولهوا؛ لأن الدنيا بنيت على الفناء والانقطاع والزوال عن قريب، والآخرة على الدوام والبقاء، وهو ما ذكر:
{ قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ } [النساء: 77]؛ لأنها باقية، والدنيا فانية.
أو يقول: إنما الحياة الدنيا للدنيا خاصة لعب ولهو، أي: من جعل الحياة الدنيا للدنيا خاصة تكمون لعبا ولهوا، ومن جعل الحياة الدنيا زادا للآخرة وبلغه إليها، فهي ليست بلعب، وهو ما قال تعالى:
{ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ } [آل عمران: 117]، أخبر أن الإنفاق للدنيا كمثل ريح فيها صر، [وقال] في النفقة التي تكون في الدنيا لحية الآخرة: { مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ... } الآية [البقرة: 261]، والله أعلم.
وقوله: {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ}.
والإشكال: أنه كيف خص الكفار بعجبهم ظاهر ذلك النبات وقد يعجب النبات لأهل الإيمان؟ فنقول: لأن الكفار يعجبهم ظاهر ذلك النبات وما يرون من النزهة، لا يرون إلى ما ضمن في ذلك النبات وجعل فيه من المنفعة في العاقبة لكن ينظرون إلى ظاهره، وأما المؤمنون إنما يعجبهم ما في ذلك النبات من المنفعة في العاقبة، وإلى ذلك يكون نظرهم لا إلى ظاهره، وهو كما شبه إنفاق الكفرة بالريح التي فيها صر يصيب حرث قوم؛ لما لا يقصدون بإنفاقهم سوى نفس الإنفاق، وشبه نفقة أهل الإيمان بالحبة التي تنبت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة؛ لما كان مقصدهم في الإنفاق عاقبته، لا عين الإنفاق.
ويحتمل أن يكون المراد من الكفار الزراع، وبه فسر بعض أهل الأدب؛ وهو كقوله:
{ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ... } [الفتح: 29] فعلى هذا التأويل، رجع إلى الكل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {ماً وَفِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ}، أي: لهؤلاء الذين اتخذوا الدنيا لعبا ولهوا، وصيروها تفاخرا وتكاثرا دون أن يتخذوها زادا وبلغة إلى الآخرة.
وقوله: {وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٌ}، فهو للمؤمنين [الذين] اتخذوا الحياة الدنيا للآخرة، وعقلوا الآيات التي بينها لهم؛ للنظر فيها والتفكر والتأمل فيها، ووضعوها مواضعها، والله أعلم.
وقوله: {وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ} هو يخرج على الوجوه التي ذكرنا في قوله: {أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ}.
قال الإمام الهندي - رضي الله عنه - في قوله: {وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ}: إن الحياة الدنيا وحبها لنفسه وعلى ما أنشئت وجعلت له - حكمة وحق وسرور ليس بغرور، وأما اختيارها وحبها لغيره واستعمالها لغير الذي أنشئت وجعلت - غرور ولغب ولهو؛ لأن من أحب شيئا استكثر منه، وحبسه لنفسه، وحفظه من نقصه وضياعه، واستبقاء لوقت حاجته ويوم فقره؛ فعلى ذلك من جمع الدنيا لنفسه وأحبها واستعملها فيما أذن له، وهو أن يجعلها زادا للآخرة وبلغة إليها، فإذا علم ذلك استكثر منها عند الله ليوم فاقته، فمن أحبها واختارها لهذا، فليس بغرور، ولا لعب، بل سرور وبهجة، ومن طلبها لغيره واستعملها في غير ما أنشئت، كان غرورا ولعبا، على ما ذكر في قوله: {وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ} على ما يختارون هم ويحبوها؛ وذلك أن الله تعالى أنشأ لنا هذه النعم؛ حيث قا ل:
{ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً } [البقرة: 29]، وقال: { وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ } [الجاثية: 13]، يجب أن ينظر إلى ذلك بالتعظيم لها والإجلال، وليس الاستخفاف والهوان؛ ألا ترى أن ملكا من ملوك الأرض لو أكرم أحداً بكرامة وأهداه بهدية، ثم علم منه الاستخفاف بها؛ فإنه يسلب منه هديته ويستحقره؛ فعلى ذلك يجب أن نتلقى نعمة الله تعالى بالتعظيم والتبجيل والقبول الحسن، لا على الاستخفاف بها والإهانة.
ثم الناس بعد هذا رجلان:
رجل يرغب في نعمة الدنيا وجمعها، جعلها عند الله ذخراً وزادا لوقت فقره وحاجته.
ورجل: زهد فيها؛ خوفا [من] التقصير في عبادة الله تعالى في حقوقه أن يشتغل بها، ويمنعه ذلك عن أداء حقوقه والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما أمره، وله أسوة حسنة بنبيه صلى الله عليه وسلم.
وأما من ترك الدنيا وما أنشأ الله تعالى فيها من النعم؛ استخفافا بها وهوانا، فهو الجاهل المستحف بنعم الله تعالى الغافل عما أنشئت له الدنيا [وما] فيها فهذا والذي طلب الدنيا للدنيا مذمومان، والذي طلبها لنفسه زادا للآخرة والذي زهد فيها محمودان، والله أعلم.
وعلى ذلك يخرج "إن حب الدنيا رأس كل خطيئة": أن من أحبها لغيره ولغير الذي جعلت له تكون رأس كل خطيئة، ومن أحبها لنفسه، واتخذها زادا للآخرة، فيه رأس كل حسنة وطاعة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} يقول: اجعلوا المسابقة فيما بينكم في مغفرة ربكم إلى الجنة، لا إلى جمع الأموال والأولاد، وكان أ÷ل الكفر جعلوا المسابقة في الدنيا في جميع الأموال والتفاخر والتكاثر بها، فيقول لأهل الإيمان: اجعلوا أنتم المسابقة في طلب مغفرة الله وجنته، والله أعلم.
ويحتمل تسبقون آجالكم وبأعمالكم التي توجب لكم المغفرة والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ...} الآية، ذكر سعة الجنة؛ لأن العرض إنما يذكر لسعة تكون للشيء، وقد ذكر سعتها فيها؛ حيث قال:
{ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ } [الواقعة: 32-33] وقال - تعالى -: { وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ } [الزخرف: 71]، ونحو ذلك؛ ذكر ما فيها من السعة وسعتها، والله أعلم.
ثم ذكر عرضها كعرض السماء والأرض، وهو يخرج على التحديد والتقدير: أن عرضها مثل عرض السماوات والأرض، لكن لما لا شيء أوسع في أوهام الخلق مما ذكر، وهو كقوله:
{ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ } [هود: 107]، ذكر دوامهما؛ [لما] لا شيء أبقى وأدوم منهما في الأذهان، وإلا كانتا تفنيان.
ويحتمل أن يقول: {عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ}، أي: تصير السماوات والأرض جميعا جنة لهم.
ثم وصف الجنة بالسعة، ووصف لنار بالضيق، حيث قال:
{ وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً } [الفرقان: 13]، وذلك أنه ليسي في فضل النار على قدر المعجول الذي يصل إلى المعذب بها فائدة [فذلك] تضيقت، ولفضل الجنة على قدر الحاجة لذة وسرور ومنفعة؛ فوسعت لذلك، والله أعلم.
ثم أخبر أنها أعادت للذين آمنوا بالله ورسوله، والإيمان بالله - تعالى -: هو أن يصدق كل شيء يشهد على وحدانيته وألوهيته، والإيمان برسله: هو أن يصدقهم فيما أخبروا عن الله تعالى، وكل صاحب كبيرة مصدق بالذي ذكرنا، فهو مؤمن؛ وذلك على المعتزلة؛ لقوله - عز وجل -: {ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ}؛ دلت الآية [على] أن ما يعطي من الثواب لعبيده فضل منه وإن سماه: جزاء، وأجرا؛ لأنه قد سبق منه إليهم من الإحسان والنعم ما يصير تلك الأفعال - وإن كثرت - شكرا لأدنى نعمه، وإن طال عمره، فأنى يستوجب الشكر والثواب على تلك الأعمال ثوابا وجزاء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ}، أي: ذكرها في كتاب، كان ذلك الكتاب قبل أن نبرأ المصائب، أي: نخلقها؛ إذ لا يحتمل كون أنفس تلك المصائب في الكتاب قبل خلقها؛ فدل على كون ذكر المصائب فيه، وهو كقوله:
{ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ } [الإسراء: 60]، و[وليست الشجرة في القرآن] ولكن ذكرها فيه من ذلك ما روي في الخبر أنه "نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو" ، أي: نهى أن يسافر الذي كتب فيه القرآن، وإلا لم يكن عين القرآن في ذلك المصحف؛ فعلى ذلك ما ذكر من المصائب، وذلك يخرج على المجاز دون الحقيقة، والله أعلم.
ثم اختلف في قوله: {مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ}:
منهم من قال: من قبل أن نخلق تلك المصائب.
منهم من قال: من قبل أن نبرأ تلك الأنفس الأرض والأول [أصح].
وقوله: {إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} يخرج على وجهين:
أي: كثرة ما يصيب الخلق في أنفسهم وأموالهم يسير على الله، غير شديد عليه، ليس كملوك الأرض؛ لأن ما يصيب حشمهم وخدمهم من المصائب يشتد عليهم؛ لما أن قوامهم بحشمهم وخدمهم، ولهم منافع فيهم، والله يتعالى بذاته، ليس له في بقاء الخلق منفعة، ولا في ذهابهم وفنائهم ضرر، فذلك يكون عليه يسير.
والثاني: أن كتابه لم يكن بعد ولم يخلق، وعلمه قبل كونه على الله يسير هين، يخبر أنه عالم في الأزل بكون الأشياء في أوقاتها، لا يصعب عليه، ولا يشتد العلم بها قبل كونها وقل ظهورها كما يشتد على الخلق ويصعب عليهم، والله أعلم.
وفي الآية دلالة خلق أفعال العباد؛ لأن اسم المصائب يقع على ما للخلق فيه صن ع كما يقع على ما لا صنع لهم فيه، ثم أضاف الله تعالى خلقها إلى نفسه مطلقا بقوله: {مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ}، دل أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى؛ آلا ت رى أن الله تعالى سمى ما يصيب بأيدي الخلق: مصيبة، فقال
{ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا } [التوبة: 52]، وقال في آية أخرى: { قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ... } [التوبة: 14] الآية.
قالت المعتزلة: يقال: أصابنا كذا فيما لا يصنع للخلق في ذلك، فآما ما [فيه] صنع للخلق يقال: "أصبنا"؟
لكن هذا فاسد؛ فإنه جئاز أن يقال في كل ما أصابك: أصبته، وما أصبته أصابك؛ لأنه إذا أصابك شيء فقد أصبته، وذلك جائز في اللغة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ}، جعل الله تعالى في طباع الخلق الحزن والأسى على ما فاتهم من النعمة وما ينزل بهم من البلاء والشدة، والسعة والفرح والسرور بما ينالون من النعمة، هذا هو المنشأ والمجعول في طباعهم.
ثم يخرج تأويل الآية بالنهي عن الأس والحزن بفوت النعمة، وعن الفرح والسرور عند إصابتها على وجوه: أحدها: يقول - والله أعلم - لكيلا تستكثروا من الأسى والحزن على ما فاتكم، فيحملكم ذلك على الشكوى من الله تعالى، {وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ} أي: لا تستكثروا [من] الفرح والسرور حتى يحملكم ذلك على الطغيان والعدوان، كما ذكر في الخبر: "أعوذ بالله من الفقر المنسي والغناء المطغي"، والله أعلم.
والثاني: يقول: لكيلا يشغلكم الأسى والحزن على ما فاتكم من النعمة حتى يفوتكم أضعاف ذلك، وهو ما وعد لهم من الثواب إذا صبروا؛ كقوله تعالى:
{ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ } [البقرة: 155]، ثم قال: { أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ } [البقرة: 157]، يقول: لا يشغلكم الجزع وترك الصبر عمَّا وعد لكم من الصلاة والرحمة والاهتداء؛ ولذلك الجزع في المصيبة أعظم المصيبتين، ويقول - أيضا -: ولا يشغلكم شدة الفرح والسرور بما آتاكم عن الشكر حتى تفوتكم الزيادة على ذلك؛ لأن الله تعالى وعد الزيادة على النعمة إذا شكر بقوله: { لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ } [إبراهيم: 7]، والله أعلم.
والثالث: يقول: لا تأسوا على ما فاتكم، ولكن انظروا إلى ما كان منكم من الجريمة حتى فاتكم ذلك؛ حيث قال:
{ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } [الشورى: 30] يقول: لا تأسوا على ما فاتكم، ولكن انظروا إلى تفريطكم في جنب الله، وارجعوا عن ذلك؛ وكذلك يقول: لا تفرحوا بما آتاكم، ولكن انظرو إلى إحسان الله الذي كان إليكم، والله أعلم.
ويحتمل: أن يقول: {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ}، ولكن انظروا إلى ما امتحنكم به وابتلاكم؛ إذ هو امتحن بعضا بالشدائد والبلايا، وأمرهم بالصبر على ذلك، وبعضا بالسعة والرخاء، وأمرهم بالشكر على ذلك، فاصبروا ولا تجزعوا إن فاتكم النعم وأصابتكم المصائب، اشكروا له، ولا تفرحوا عند النعم فرحا يكون بطرا وأشرا.
أو يقول: لا تأسوا على ما فاتكم؛ فإن الذي أخذ من النعم لم يكن في الحقيقة لكم، إنما هو لغيركم، ومن كان عنده مال لآخر فأخذه لا يحب أن يحزن على ذلك، ولا تفرحوا بما آتاكم، فإن النعم التي آتاكم يجوز أن تكون لغيركم لا لكم، والله أعلم.
وقوله: {وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ} قرئ ممدوداً ومقصروا، فمن مده، رد الفعل إلى الله تعالى، ومن قصره جعل الفعل لذلك الشيء؛ لموافقة قوله: {عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ}، ولم يقل: أفاتكم.
وقوله: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}، ولكن يحب ضد ذلك وخلاف المختال المتكبر، فيحب المتواضع الخاضع.
والفخور هو الذي يفتخر بما أنعم الله عليه على الناس، فيحب الذي يشكره على نعمه بالتوسيع على عباده.
وجائز أن يكون هذا كله وصف الكفار؛ كأنه يقول: لا يحب كل كفار؛ كقوله:
{ صَبَّارٍ شَكُورٍ } [إبراهيم: 5]، أي: يحب المؤمن؛ لأن المؤمن يكون صبارا على المصائب، شكورا لنعمائه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ} جائز أن يكون هذا صلة قوله: {لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} تفسيرا له.
وجائز أن يكون على الابتداء، وهو كقوله:
{ وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ * ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ } [غافر: 6-7] كأن قوله تعالى: { ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ } [غافر: 7] مفصول من الأول، وكذلك هذا.
ثم قوله: {يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ} يحتمل ما ذكر من بخلهم في آية أخرى، فقال:
{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱلله قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ } [يس: 47] بخلوا بالإنفاق على المؤمنين، أو بخلوا بالإنفاق على أتباعهم؛ ليبقى الكرم والرياسة عليهم.
وجائز أن يكون ما ذكره بعض أهل التأويل أن ذلك نزل في الرؤساء من أهل الكتاب؛ بخلوا ببيان صفة محمد صلى الله عليه وسلم التي كانت في كتبهم، وأمروا أمثالهم وأشكالهم بكتمان ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ}، أي: ومن يعرض عن ذلك فالله هو الغني الحميد؛ الغني عن عبادتكح وعما دعاكم إليه؛ إذ لم يدعوكم إلى ما دعاكم لحاجة نفسه؛ إذ و الغني بذاته، الحميد بفعاله؛ أي: بما علم منكم من الرد لرسالته لا يخرج فعله من أن يكون محمودا، ولا يصير لفعله إلى أعدائه بما صنع غير حميد، والله أعلم.
ثم في قوله: {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ} وجوه أيضا:
أحدها: أن المصائب ربما تجري على أيدي الناس وتصيبهم منهم، فقال: {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ} ما جرى ذلك على أيدي الناس؛ لأنه لا يزول منهم؛ فيحملهم لك على العداوة والبغضاء، ولكن يرون ذلك مكتوبا عليهم من الله تعالى، وكذلك ما ذكر فيما يؤتيهم من النعم على أيدي الخلق، فلا يزال ذلك منهم؛ فيشغلهم عن القيام بشكر الرب - جل وعلا - ولكن يرونه من فضل الله تعالى ومنه فيشكرونه.
والثاني: يحتمل: أن يكون النهي عن الحزن أمرا بالفرح؛ أي: لا تأسوا على ما فاتكم، ولكن افرحوا ب العلم الذي يأتيكم؛ فإنهم لو لم يفتهم لكان يشغلهم عن القيام بحقوق الله تعالى وأداء ما عليهم من الفرائض، والله أعلم. وفي قوله - تعالى -: {وَلاَ تَفْرَحُوا} أمر بالحزن، وقد ذكر الشيء ويراد به إثبات ضده؛ كقوله تعالى:
{ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ } [البقرة:ِ 16]، أي: خسرت تجارتهم، وينبغي أن تتلقى نعم الله تعالى على وجهين:
أحدهما: بحسن القبول لها والتعظيم والشكر للمنعم؛ إذ أغناه بذلك عن النظر لما في أيدي الناس ورفع الحاجة، وذلك من أعظم [النعم].
والثاني: يخاف؛ لما لعله فعل ذلك به استدراجا وامتحانا؛ إذ الأموال ربما تكون فتنة وبلاء أو تشغله عن أداء ما عليه إن كن ذلك سبب استدراجه وبلائه، فأخذ منه.
أو لما يصل بذهابه إلى أداء الفرائض من العبادات، وكان ذلك يمنعه.
ويحزن من وجهين أيضا:
أحدهما: لما لعل قوته يحوجه إلى ما في أيدي الناس، وكان غنيا عنهم.
أو لما لعل ذلك عقوبة لتفريط كان منه؛ كقوله:
{ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } [الشورى: 30]، والله أعلم.
ثم أضاف ما نالوا من النعم إلى نفسه حيث قال: {وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ}، ولم يضف ما فاتهم إلى نفسه، وهو كما قال في آية أخرى:
{ مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ } [النساء: 79]، وهو ما ذكرنا أنه جائز أن يكون ما يفوتهم من النعم باكتساب وسبب كان منهم، والله أعلم.