التفاسير

< >
عرض

هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ
٢٢
هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلاَمُ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ ٱلْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ
٢٣
هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ ٱلْمُصَوِّرُ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
٢٤
-الحشر

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ}.
فمن الناس من يقول: إن قوله: {هُوَ} من أرفع أسماء الله - تعالى - وذكر عن بعض أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو بقوله: يا هو، يا من لا إله إلا هو، تأويل هذا الكلام: أن كل شيء بهويته كان.
وقوله: {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ}، قيل فيه بوجوه ثلاثة:
أحدها: أنه عالم بما غاب عن الخلق وبما شهدوا.
والثاني: بما قد كان وبما يكون.
والثالث: أنه عليم بما قد كان ويعلمه أن كيف يكون إذا كان.
وقوله - عز وجل -: {هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ} فهما اسمان مشتقان من الرحمة، وفي هذه الآية بيان وجوه أربعة:
أحدها: فيها بيان التوحيد، وهو قوله: {هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} اسم المعبود: أن كل معبود دونه باطل.
والثاني: أن فيها تنبيهاً وتحذيراً بأن يتذكر الإنسان في جميع أحواله اطلاع الله - تعالى - عليه، وعلمه فيه، وذلك في قوله: {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ}.
والثالث: فيها ترغيب في رحمته وإخبار لهم: أن كل نعمة لهم في الدنيا والآخرة من الله تعالى؛ إذ هو عز وجل -: {ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ}.
والرابع: ما ذكرنا في قوله: {هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ...} الآية: {ٱلْمَلِكُ} من الملك، أي: ملك كل شيء له، ليس لأحد سواه حقيقة الملك، {ٱلْقُدُّوسُ} قيل فيه بوجهين:
قال بعضهم: القدوس هو المبارك، والبركة اسم كل خير، أي: منه ميع الخيرات، لكن لا يجوز أن يقال لله - تعالى -: يا مبارك، وإن كان المعنى منه يؤدي إلى أن يأتي منه كل خير؛ لأنه لا يعرف في أسمائه هذا بالنقل، وعلينا أن نسكت عن تسميته بما لم يسم نفسه بذلك؛ لذلك قلنا بأنه لا يجوز التسمي بالمبارك، والله الموفق.
والثاني: القدوس هو الطاهر، يعني: هو مقدس عما قالت الملاحدة والكفرة فيه من الولد والشريك.
وقوله - عز وجل -: {ٱلسَّلاَمُ}.
اختلف في تأويله منهم من قال: سمى نفسه: سلاماً؛ لما هو سالم عن الآفات، وغيره من المخلوقين لا يسلمون من حلول الآفات بهم.
وقال آخرون: سمى نفسه: سلاماً؛ لما سلم المؤمنون من عذابه. والتأويل الأول أقرب.
وقوله: {ٱلْمُؤْمِنُ}.
اختلف الناس في تأويله:
قال قائلون: والأمان: أن يؤمن المؤمنين من العذاب، ولا يمكن لأحد أن يؤمن أحداً من عذابه.
وقال قائلون: أصله من الإيمان: وهو التصديق، ثم ذلك يتوجه إلى وجهين:
أحدهما: أي: مصدق القول بما وعد للمؤمنين الجنة.
والثاني: المؤمن هو المصدق لما قال المؤمنون المصدقون من تصديقهم، فيصدقهم بما قالوا.
ومن الناس من قال: سمى نفسه بما أخبر أن هذا القرآن لما بين يديه مصدق.
وقوله - عز وجل -: {ٱلْمُهَيْمِنُ} اختلف فيه - أيضاً -:
قال قائلون: المهيمن هو الأمين.
وقال قائلون: المهيمن هو المسلط.
وقال قائلون: المهيمن هو الشاهد.
فمن قال بالأول فإنه يذهب إلى أن أصل ذلك من المؤتمن، وهو من الأمانة، وإلى هذا التأويل يذهب القتبي، أي: أمين في كل ما يقول، وفي كل ما يفعل لا يجور.
ومن قال بأنه هو المسلط، أصله من: هيمن يهيمن، أي: سلط يسلط، سئل عن تأويل المسلط؛ فقال: هو كالظاهر؛ إذ قهر العباد كلهم، وهم ملك له.
ومن فسره بالشاهد فإنه يحتمل تأويلين:
أحدهما: أي: شاهد على أفعال العباد من حيث لا يغيب عنه شيء.
والثاني: أي: شاهد بما أنزل على رسوله بالصدق، وهو كقوله - تعالى -:
{ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ } [المائدة: 48]، أي: شاهداً عليه.
وقوله: {ٱلْعَزِيزُ}.
أي: ما من عزيز دونه إلا وهو ذليل.
وقوله - عز وجل -: {ٱلْجَبَّارُ}، قيل فيه بوجهين:
أحدهما: سمى نفسه: الجبار؛ لأنه هو المجبر لكل كبير.
فقال قائلون: سمى نفسه: [الجبار]؛ لجبروته وعظمته، ولا يجوز لأحد أن يسمى بذل الاسم إلا هو أي: الله تعالى وتجبر عن أن يكون له أمثال وأشكال.
وقوله - عز وجل -: {ٱلْمُتَكَبِّرُ}.
من الكبرياء والعظمة، هذا الاسم لا يليق بغيره؛ لأن الخلق بعضهم لبعض أكفاء في الخلقة؛ فلا فضل لأحد على آخر، فلما استووا لم يجز لأحد على آخر التكبر؛ فصار الحق في ذلك لله تعالى، والتكبر على الآخر هو الارتفاع، والأصل فيه واحد، وهو ألا يرى لنفسه شكلا، والله أعلم.
إنما سمى نفسه: متكبراً؛ إذ هو المتكبر لذاته لم يكن تكبره بغيره؛ فلذلك قلنا: إنه لا يستحق أحد من الخلائق التكبر إلا الله - تعالى - إذ لم يكن أحد [له] شكلا ولا ضدا ولا ندّاً، وأما غيره من الخلائق فكل واحد منهم بالذي له شكل.
وقوله - عز وجل -: {سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
فيه تنزيه لله - تعالى - عما قالت الملاحدة فيه، فهذا اسم سمى به نفسه، وأمر الملائكة والأنبياء والمؤمنين أن يقولوا ذلك، ومعنى قوله: {سُبْحَانَ ٱللَّهِ}، أي: معاذ الله أن يكون ذلك على ما قالت الكفرة، وسمى نفسه: جباراً؛ لما أنه يجبر الأشياء فيجعلها على ما يشاء، وهو كقوله:
{ يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ } [آل عمران: 6] على ما يريد هو الأشياء، لا على ما يريده غيره.
قال [الشيخ] -رحمه الله -: إن الله - تعالى - يتعالى بمعان أربعة:
أحدها: تعاليه عن الظلم والجور وجميع ما لا يليق.
والثاني: تعاليه على الأشياء كلها بقهره لها وتصريفه إياها على ما شاء، أي: ليس أحد يقهره، بل هو يقهر الخلائق.
والثالث: تعاليه عن أن تمسه الحاجة والآفة وكل من هو ونه لا يخلو عن ذلك.
والرابع: تعاليه عما قال الظالمون فيه من الولد والأضداد والأشكال والأنداد، وتعاليه عن جميع الآفات التي تصيب الخلق، و الله المستعان.
وقوله - عز وجل -: {هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ ٱلْمُصَوِّرُ}.
فالخالق والبارئ واحد، ويقل: برأ، أي: خلق، والبرية هي الخلق، ويقال: سميت البرية: برية؛ لأنه خلق من التراب إذ البري من التراب.
وقوله: {ٱلْمُصَوِّرُ}، والمصور هو الذي يعطي كل شيء صورته، فيصوره على ما هو، فالتصوير هو بيان الحدود، وهو قول الناس: صورت الأمر عند فلان؛ أي: حددته.
وقوله: {لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ}.
أي: الأمثال العلا، وهي الصفات؛ إذ الصفة ترجع إلى وجهين: إلى الصفة مرة، وإلى التشبيه مرة أخرى، فإذا رجع إلى الصفة فإنه يرجع إلى حقيقة ذلك، وإن رجع إلى التشبيه فإنه لا يرجع إلى حقيقة ذلك.
ثم قوله: {ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ}، أي: الصفات العلا، أي: لا يسمى بذلك إلا هو؛ إذ لا يقال لغيره: الرب، ولا الرحمن، ولا المالك إلا أن يضاف ذلك إلى شيء، فأما على الإطلاق فلا يطلق ذلك إلا له جل وعلا.
ويحتمل وجهاً آخر: أي: لا شبيه له في أسمائه وألا يشركه أحد في تلك الأسماء؛ بل هي [له] خاصة، والله المستعان.