التفاسير

< >
عرض

مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ ٱلأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
٧
لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ
٨
وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ
٩
وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ
١٠
-الحشر

تأويلات أهل السنة

ثم قوله: {مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ}.
يعني: رد الله على رسوله من ملك الكفرة، أو ما أعطى الله لرسوله من ملك الكفرة.
وقوله: {مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} يجوز أن يكون قرى قد أعطوه، أو يكون هذه بشارة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في فتح القرى.
وقوله - عز وجل -: {وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ}.
يجوز أن يقال: إن الظاهر من هذه الآية أن يكون المراد منها غير قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن ما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى"، فقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما تدخل في هذه الآية بالتأويل، وذلك أن المفهوم من ذكر القرابة إنما هو قرابة المخاطبين في الآية، ومعلوم أن الخطاب بالقسم إنما هو للمغتنمين.
وفي قوله - عز وجل -: {مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ} إنما يفهم منه قرابة الرسول - عليه السلام - وذوو القربى من أصحابنا يسلكون في ذلك مذهبين:
منهم من يقول: إن هذا الحق في الأصل للمحتاجين من القرابة لوجهين:
أحدهما: قوله: {وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} وكان المراد منه منصرفاً إلى المحتاجين؛ فكذلك في القرابة.
ومنهم من قال: إن الخمس كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم يصل به إلى قرابته، فلما قبض - عليه السلام - انقطع ذلك الحق؛ لوجهين:
أحدهما: قوله - عليه السلام -:
"إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة" .
والثاني: إنما كانوا يستوجبونه برسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قبض انقطع ذلك عنهم؛ على سبيل انقطاع الحقوق ع أصحابها عند وفاتهم، ثم الفائدة في منع ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوراثة من وجهين:
أحدهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يستعمل نفسه في شيء من لذات الدنيا وشهواتها، وكان قائماً لله تعالى [ ]؛ فإذا كان كذلك، جاز أن يكون حقيقة الملك فيه لمولاه، وإن كان في الظاهر له، والله أعلم.
فإن قيل: أليست الأملاك كلها لله؟
قيل لهم: نعم، غير أن الإضافة قد تكون خصوصية حال، كقوله - تعالى -:
{ نَاقَةُ ٱللَّهِ } [الأعراف: 73]، وبيت الله.
ووجه آخر: ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهو وقف عليه إلى يوم القيامة؛ ألا ترى أن زوجاته محبوسات عليه لا يحللن لأحد بعده، ونبوته عليه، لم تتحول بعده إلى غيره؛ فلزم - أيضاً - أن يوقف عليه ملكه - عليه السلام - ومعلوم أن ما كان موقوفاً فسبيله التصدق، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ ٱلأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ}.
له معنيان:
أحدهما: أنه لو لم يبين هذه المواضع لكان ذلك الخمس الذي كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم يخلفه فيه الخلفاء من بعده؛ فيداوله الأغنياء بينهم.
ومعنى آخر: لو فرق هذا بين الفقير والغني لكان حين يقع هذا للغني بيده كان يكتسب به فضول الدنيا، وأما الفقير فأول [ما]يقع في يده يستمتع به في منافع نفسه؛ فلذلك فرق في الفقراء، والله أعلم.
قال بعضهم: الدولة: هي اسم للذي يدول بين الناس، والدّولة: واحدة، وهي فعلة.
وقوله - عز وجل -: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}.
يعني: ما أعطاكم رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الغنيمة فخذوه ولا تظنوا به ظنّاً مكروهاً وما نهاكم عنه فانتهوا، ليس نهي زجر وشريعة، ولكن نهي منع، وما منع منكم من هذا الفيء فانتهوا عنه.
وعلى قراءة ابن مسعود - رضي الله عنه -: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ}، يحمل معنى الأمر ومعنى الإعطاء، أي: ما آتاكم من الدنيا فخذوه، وما نهاكم من الدنيا عنه - يعني: زجركم عنه - فانتهوا عنه.
قال -رحمه الله -: ويروى: [أن] عامة الفقهاء يحتجون بهذه الآية في موضع الآمر مع لفظ الإتياء، وليس يوجب ظاهره هذا؛ إذ الإيتاء هو الإعطاء والتمليك، كقوله:
{ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ } [البقرة: 43]، ولكن وجه الاحتجاج به: أن الله - تعالى - لما أمرنا بأخذ معروفه - عليه السلام - وإن كان في أخذ المعروف من غيره صلى الله عليه وسلم خيار: فلأن يلزمنا الأخذ بأمره والاتباع له أحرى وأولى، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}.
هذا يؤكد ما ذكر من اتباع أمره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ...} الآية.
وما نسق عليه من قوله: {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ...}، وقوله: {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ...} الآيات ظاهره هذا يقتضي إيجاب حق لهم؛ لأنه إذا قيل: لفلان، لم يكن بد من أن يقال: كذا وكذا، وإذا كان كذلك لم يكن به من حق يذكر لهم، ولا يحتمل أيضاً أن يخفي الله - تعالى - علم ذلك الحق الذي أوجب لهذه الأصناف عن خلقه؛ فالسبيل في ذلك من جهة التأويل عندنا، والله أعلم.
ثم يحتمل أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن جوابه: لمن؟ قال: {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ}.
ويحتمل أن يكون الرسول سأل ربه - جل وعلا - عن جوابه: لمن؟ فأخبر: {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ}.
ثم إنه يجوز أن يكون ذلك الحق، هو ما وظف من الخراج على أهل القرية إذا فتحت وهو ما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال لعلي وابن مسعود - رضي الله عنهما - حين فتح سواد الكوفة: أني أستبشركم في أمر، قد أغناني الله - تعالى - عن مشورتكم حين تلوت هذه الآية، ثم تلا: {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ}، ثم قال: لهؤلاء خاصة، وتلا قوله: {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ}، ثم قال: ليس لهؤلاء خاصة، وتلا قوله: {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ}.
وروي أن بلالا قال له: اقسم بيننا كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر بين أهل العسكر، وقال: اللهم اكفني بلالا وأهله. ثم قال عمر - رضي الله عنه -: "لو قسمتها بينكم لتركت آخر عصابة في الإسلام لم تصب من هذا، وأخبر الله بقوله: {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ} أنهم شركاء هؤلاء؛ فجائز أن يكون عمر - رضي الله عنه - حين تلا هذه الآيات تذكر خبرا أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلم أن الحق الذي أوجب الله - تعالى - لهؤلاء ذلك.
أو يجوز أن يكون الله - تعالى - بلطفه ألهمه وعليا وابن مسعود - رضي الله عنهم - لأنه روي أنهما أشارا عليه بذلك؛ ولذلك قال أصحابنا: إن الإمام إذا افتتح قرية من قرى أهل الحرب فهو فيها بالخيار: إن شاء قسمها بين أهلها ووظف عليهم الخراج، وإن شاء قسمها بين أهل العسكر. وإنما كان كذلك؛ لأن المقصود من المقاتلة أحد معنيين: إما لتوسيع أمكنة الإسلام أن يضيق، أو يضيق المكان بهم؛ ليستسلموا لدين الله، وينقادوا لأمره، وينظروا في حججه، وليست مقاتلتهم عقوبة كفرهم؛ بل لما وصفنا من المعنى، وهذا المعنى قد يستفاد إذا وظف عليهم الخراج؛ فلذلك كان الإمام الخيار، والله أعلم.
ولو فهم بلال - رضي الله عنه - المعنى الذي لأجله قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر بينهم لم يقس سواد الكوفة عليه.
والمعنى من قسمته - عليه السلام - خيبر بينهم، عندنا - والله أعلم -: هو أن المسلمين لما صدوا عن البيت بالحديبية بشرهم الله - تعالى - بفتح قريب؛ عوضاً عما نالهم فيما أصابهم، وأما سواد الكوفة فلم يكن يها شء من هذا المعنى؛ فلم يجز أن يكون أمره مقيساً عليه، والله أعلم.
وقوله: {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ} يحتمل أن يكن المراد منه المجاهدين المقاطعين لأسباب عيشهم من الأموال والديار، أي: لهم هذا الحق الذي سبق وصفه.
وقوله - عز وجل -: {الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ}.
لم يخرجوهم من ديارهم في الحقيقة، ولكنهم ضيقوا عليهم حتى خرجوا، فإذن أضيف الإخراج إليهم؛ لما كانوا أسباباً لخروجهم، وهذا كقوله - تعالى -:
{ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ } [البقرة: 36]، وإبليس - عليه اللعنة - لم يتول إخراجهما من الجنة، ولكن حرضهما على سبب إتيانه؛ فلم يستقرا بعده في ذلك المكان؛ فأضيف الفعل إليه، وقد وصفنا أن اهذه الأفعال إذا أضيفت إلى العباد فإنما معنى ذلك أسباب تكون منهم لا حقيقة تلك الأفعال، وما أضيف إلى الله - تعالى- من ذلك فهو يحتمل الأمرين جميعاً: الحقيقة والسبب في ذلك؛ لأجل أن العبد لا يمكنه أن يقدر آخر على فعل في وقت فعله إلا على التسبب، فأما رب العالمين فإنه قادر على إقدار العبد على فعل وقت فعله؛ فلذلك قلنا: إنه يجوز أن يراد حقيقة الفعل فيما يضاف إلى الله تعالى، وهو الموفق.
وقوله - عز وجل -: {مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ}.
يدل على أنه كانت لهم بمكة ديار وأموال، ثم مع هذه لم يرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد شيء من ديارهم عليهم بعد فتح مكة، ولا تضمين أولئك شيئاً من أموالهم؛ ليعلم أن أهل الحرب إذا غلبوا على أموال المسلمين ملكوها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ}.
يعني: أنهم هاجروا لدينهم، وانقطعوا عن أسباب عيشهم من الأموال؛ يبتغون الرزق من الله تعالى.
وقوله - عز وجل -: {وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}.
دل أن هذا الحق للمجاهدين منهم، ثم قوله: {وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ}؛ يحتمل وجهين:
أحدهما: ينصرون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر الهل صلة.
والثاني: ينصرون دين الله، ويطيعون رسوله، عليه السلام.
وقوله: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ}.
يعني: الذين أظهروا صدق الإيمان من قلوبهم؛ لهجرتهم لدينهم وسعيهم إلى ما يزلهم إلى الله - تعالى - ويقرب إليه.
وقوله - عز وجل -: {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ}.
يعني: الذين اتخذوا ديارا واسعة تسعهم والمهاجرين، وهم الأنصار.
وقوله: {وَٱلإِيمَانَ}.
أي: أنهم آمنوا قبل هجرة هؤلاء، لك يأمن هؤلاء المهاجرون من أحنهم، ولا يخافوا شرهم.
وقوله: {مِن قَبْلِهِمْ}.
يعني: من قبل الهجرة.
وقوله - عز وجل -: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ}، يعني: أن الله - تعالى - ألقى [إليهم] محبة؛ حتى أنزلوا المهاجرين ديارهم، وأنفقوا عليهم أموالهم.
وقوله - عز وجل -: {وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ}.
يعني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قسم خيبر بين المهاجرين، ورتك الأنصار لم يقسم بينهم، لم يجد الأنصار في قلوبهم حاجة مما أعطى المهاجرين، يعني: أن الله - تعالى - أغنى قلوبهم حتى لا يفكروا عن حاجة ولا مقت ألبتة.
ويحتمل أن يكون المعنى من الحاجة - هاهنا -: الغل والحسد، يعني: أن الله - تعالى - ظهر قلوبهم حتى لم يجدوا في صدورهم حاجة.
وقوله - عز وجل -: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}.
أي: يؤثرون على أنفسهم في أملاكهم أنهم لا يجدون بما يبذلون هم حاجة مما يملكون، ويؤثرون المهاجرين على أنفسهم، ولو كان بهم حاجة.
وقوله - عز وجل -: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}.
إن الله - تعالى - خلق في طبع البشر محبة المحاسن والمنافع الطلب لها، وبغض المساوي والمضار والهرب عنها، ثم إنه امتحنهم بالإنفاق مما يحبون، وحمل النفس على ما يكرهون؛ طلباً لنجاتهم، وتوصلا إلى ثوابهم، ثم وقاية الأنفس من الشح تكون بوجهين:
أحدهما: أن يمن الله على عبده ليصير ما هو غائب عنه من الثواب في الأجل كالشاهد؛ فيخفف عليه الإنفاق مما يحب، ويصير ذلك كالطبع له.
والثاني: يوفقه الله - تعالى - ويعصمه، ويلهمه تعظيم أمره ونهيه؛ حتى يقهر نفسه ويحملها على الائتمار بأمر الله - تعالى - والانتهاء عما نهى عنه، وإن كان طبعها على خلاف ذلك.
ثم إضافة الوقاية إلى نفسه تدل على أنه قد بقي في خزانته شيء لم يؤته عبده، حتى يصف نفسه بأنه يقي عنه شح نفسه، ولولا ذلك لم يكن لوعده بوقاية نفسه عن شحها معنى، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}.
يعني: الباقون في النعيم الدائم، والفلاح في الحقيقة: هو البقاء في النعيم.
وقوله - عز جل -: {يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا...} الآية.
قد علم الله - تعالى - أنه قد يكون في أمة محمد صلى الله عليه وسلم من يلعن سلفه حتى أمرهم بالاستغفار لهم.
وفيه دلالة على فساد قول الروافض والخوارج والمعتزلة؛ لأن الروافض من قولهم: إن القوم لما ولو الخلافة أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - كفروا. ومن قول الخوارج: إن عليا 0- رضي الله عنه - كفر بقتاله معاوية وأصحابه. وقال المعتزلة بأن من عدل عن الحق في القتال خرج عن الإيمان، ولو كان ما ارتكبوا من الزلات يكفرهم أو يخرجهم عن الإيمان لم يكن للاستغفار لهم معنى؛ لأن الله - تعالى - نهى عن الاستغفار للمشركين، فإذا أذن - هاهنا - بالاستغفار لهم تبين بهذا أن ما ارتكبوا من الذنوب، ولم يخرجهم من الإيمان، ولأ،ه أبقى الأخوة فيما بينهم، مع علمنا أنه لم يكن بين الآخرين والأولين أخوة إلا في الدين، فلولا أنهم كانوا مؤمنين لم يكن لإبقاء الأخوة معنى، والله أعلم.
ولأنه قال - تعالى -: {وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ}، ولو كان ذلك يخرجهم من الإيمان، لم يكن لهذا الدعاء معنى؛ لأن الواجب أن يكون في قلوب المؤمنين عداوة الكفار ومقتهم، فلما ندب جل شأنه في هذه الآية إلى نفي الغل والحسد عن قلوبهم بتلك الدعوة ثبت أ،هم كانوا مؤمنين، والله أعلم.
ثم في الأمر بالاستغفار لهم دلالة أنه قد كانت منهم ذنوب يستوجبون بها العقوبة لولا فضل الله ومغفرته، وإن كانوا فيما يتعاطونه مجتهدين؛ ليعلم أنه ليس كل مجتهد مصيباً.
ثم قوله - عز وجل -: {وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ}.
يعني: عداوة يحتمل أن يكون المراد منه المؤمنين الذين سبقوهم.
ويحتمل أن يكون هذا في كل المؤمنين.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}.
الرحمة من الله - تعالى - فضل منه على عباده وإحسان إليهم؛ ألا ترى إلى قوله:
{ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ } [آل عمران: 8]: فأخبر أن رحمته هبة منه وإحسان إلى عبده، والله أعلم.
ثم الاستغفار في حال الحياة له معنيان:
أحدهما: طلب السبب الذي إذا جاءه استوجب المغفرة.
والثاني: حقيقة المغفرة.
وفي حال الوفاة ليس إلا طلب عين المغفرة، فلما ندب - جل وعلا - إلى الاستغفار لهم بعد وفاتهم، وحال الاستغفار بعد الوفاة على ما وصفنا لا يتوجه إلى على حقيقة المغفرة - ثبت أن ذنوبهم لم تخرجهم؛ لأنه لو كان من حكمه - جل ثناءه - ألا تحل مغفرتهم إذ ارتكبوا كبيرة لم يكن في الأمر بالاستغفار لهم حكمة، والله أعلم.
وقال جعفر بن حرب: إنه ليس في قوله: {وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ} ما يدل على أنه يجعل في قلوبهم؛ لأنه إذا قيل: لا تفعل بنا شيئاً لم يفهم منه أ،ه يفعله إذا أحب، ولكن يجاب عن هذا أنه قال تعالى نصا في آية أخرى ما يدل على جعل العداوة؛ ألا ترى أنه قال:
{ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ } [المائدة: 14].
فإن قال: تأويله: أنه خفلى بينهم وبينها، لا أنه جعلها.
قلنا: غير محتمل أن يخلق الله - تعالى - العداوة في قلوبهم من غير فعل يكون منهم، وإن كان كذلك ثبت أنه يخلق هذه الأشياء وقت فعل العبد لها، والله أعلم.