التفاسير

< >
عرض

وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ
١٠٩
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ
١١٠
وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ
١١١
وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ
١١٢
وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ
١١٣
-الأنعام

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ}.
قالوا: جهد أيمانهم: [أيمانهم] بالله، فهذا يخرج على وجوه:
أحدها: أن الحنث في اليمين يخرج مخرج الاستخفاف والتهاون، [وإن كان المسلم لا يقصد قصد الاستخفاف بالله تعالى] وإن كان في اليمين التعظيم، وفي الحنث استخفاف، ففي اليمين بالله جهد اليمين.
ويحتمل وجهين سوى هذا، وذلك ما قيل: إن الكفرة كانوا لا يحلفون بالله إلا عند العظيم من الأمور، [و] الجليل منها، وفي غير ذلك كانوا يحلفون بدونه؛ فسمي اليمين بالله جهد اليمين؛ تعظيماً لله وتبجيلا.
والثاني: يحتمل أنهم كانوا يحلفون بأشياء، ويؤكدون اليمين بالله ويشددونه؛ كقوله:
{ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } [النحل: 91].
وقوله - عز وجل -: {لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا}.
قيل: إنهم كانوا يقسمون جهد أيمانهم {لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا}، كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم آيات: لئن جاءتهم ليؤمنن بها؛ من نحو ما قالوا:
{ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً } [الإسراء: 90]، وكقولهم: { وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ } [الإسراء: 93]، وغير ذلك من الآيات؛ فقال: {قُلْ} يا محمد: {إِنَّمَا ٱلآيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ} هو الذي يرسلها وينزلها، وأنا لا أملك إرسالها ولا إنزالها؛ كقوله: { قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ } [الأنعام: 50]، وغير ذلك من الآيات؛ إنباء منه أنه لا يملك إنزال ما كانوا يسألونه من الآيات، ثم قال: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} اختلف فيه:
قال الحسن وأبو بكر الأصم: إنه خاطب بقوله: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} أهل القسم الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم: لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها؛ فقال: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ}، أي: ما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءكم آية ثم استأنف، فقال: {أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ}، [وهكذا كان يقرؤه] الحسن بالخفض: {أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} على الاستئناف والابتداء.
وقال غيرهم من أهل التأويل: الخطاب لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك أنهم لما قالوا: {لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا}، ظنوا أنهم لما أقسموا بالله جهد أيمانهم أنهم يؤمنون إذا جاءتهم آية، يفعلون ذلك ويؤمنون على ما يقولون؛ فقال [لهم]: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ}، على طرح لا، أي ما يدريكم أنها إذا جاءت يؤمنون [ويحتمل فيه وجهاً آخر على الإضمار، وكأنه قال: وما يشعركم فاعلموا أنها إذا جاءت لا يؤمنون على الوقف في قوله {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} ثم ابتدأ فقال: اعلموا أنها إذا جاءت لا يؤمنون] وهذا كأنه أقرب.
ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن أهل الإسلام قالوا: إنهم - وإن جاءتم آية - لا يؤمنون؛ فقال عند ذلك: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} خاطب به هؤلاء {أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ}.
والثاني: أنهم، وإن آمنوا بها، إذا جاءت؛ فنقلب أفئدتهم من بعد.
وعلى هذا التأويل أن خلق تقلب أفئدتهم وأبصارهم كقوله:
{ فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ } [الصف: 5]، أي: خلق زيغ قلوبهم؛ فكذلك الأوّل.
وقوله - عز وجل -: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ}.
أي: نقلب أفئدتهم وأبصارهم بالحجج والآيات، ويردونها؛ فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول مرة. وقال أهل التأويل: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ}، أي: نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم تلك الآيات؛ فلا يؤمنون؛ كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة.
ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن يقلب في أفئدتهم وأبصارهم آيات وحدانيته وألوهيته؛ فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول مرة.
ثم تخصيص الأفئدة والأبصار دون غيرها من الجوارح؛ لأن القلب والبصر لا يقع إلا على ما يشهد به [على] وحدانية الله وألوهيته.
وقوله - عز وجل -: {كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ}.
قال بعضهم: إن هؤلاء، وإن جاءتهم آية، فإنهم لا يؤمنون كما لم يؤمن أوائلهم من الأمم الخالية لما سألوا الآيات قبلهم؛ فكذلك هؤلاء لا يؤمنون بها، وإن جاءتهم الآية بعد السؤال.
وقال غيرهم: قوله: {كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ}، أي: قد جاءتهم آيات قبل هذا على غير سؤال، فلم يؤمنوا بها؛ فكذلك إن جاءتهم بالسؤال، فلا يؤمنون بها.
ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن مشركي العرب كانوا يقسمون بالله: أنه إن جاءهم نذير يؤمنون به، وهو قوله:
{ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ } [فاطر: 42] يعنون - والله أعلم - اليهود والنصارى، أي: لو جاءهم نذير ليكونون أهدى من اليهود والنصارى، فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا يخبر أنهم كما لم يؤمنوا بالنذير عند سؤالهم النذير في الابتداء إذا جاءهم نذير، فكذلك - أيضاً - لا يؤمنون عند سؤالهم الآيات، وإن جاءتهم آيات.
يخبر نبيه أنهم ليسوا يسألون الآيات سؤال استرشاد، ولكن يسألون سؤال عناد ومكابرة، وهذا التأويل كأنه أقرب.
وقوله - عز وجل -: {وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}.
إذا علم أنهم لا يؤمنون، تركهم في [ظلمات] ضلالتهم يعمهون، ويتحيرون، والعمه: الحيرة في اللغة.
وقوله: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ}.
قيل: هذه الآية صلة قوله: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ} إلى قوله: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ}، ثم قال: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ} الآية: أخبر أنهم وإن نزل إليهم الآيات بعد السؤال منهم الآيات: من إنزال الملائكة، وتكليم الموتى - أنهم لا يؤمنون؛ إذ سؤالهم الآيات سؤال تعنت واستهزاء وعناد، لا سؤال استرشاد؛ لأنهم قد جاءتهم آيات لو لم يعاندوا لآمنوا [بها] ثم إذا علم منهم أنهم لا يؤمنون، وأن ما يسألون من الآيات [إنما يسألون] سؤال تعنت وعناد جعل فيهم خصالا على الخذلان من [نحو] قساوة القلب، حتى أخبر أن قلوبهم أقصى من الحجارة، ومن نحو البغض والجهالة، وغير ذلك من الخصال [ما يدل] على ما ذكرنا، وهو كقوله:
{ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ } [الحجر: 14] [يخبر] عن تعنتهم ومكابرتهم.
وفيه دليل أن الآيات لا تضطر أهلها على الإيمان؛ لأنه قال: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ...} الآية، لو كانت آية تضطرهم إلى الإيمان لكانت هذه، وهذا يدل على أن معنى قوله:
{ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ } [الشعراء: 4] أنهم لا يؤمنون بالآية، ولكن إذا شاء أن يؤمنوا لآمنوا، ولو كانت الآيات تضطر أهلها إلى الإيمان به لكان لا آية أعظم من القيامة، ولا أبين منها، ثم أخبر عنهم أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وقال: { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } [الأنعام: 23] قد كذبوا عند معاينتهم القيامة والعذاب؛ فهذا يدل على أن الآية لا تضطر أهلها إلى الإيمان بها، ويدل أن تأويل قوله: { إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ } [الشعراء: 4] أنهم يخضعون إذا شاء أن يخضعوا، لا أن الآية تضطرهم على الخضوع بالدلائل التي ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ}.
قال الحسن: هذه المشيئة مشيئة القدرة، أي: لو شاء الله أن يعجزهم حتى يؤمنوا، وهو كقوله - تعالى -
{ وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ } [يس: 66]، { وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ } [يس: 67] ونحوه فهذه المشيئة؛ مشيئة القدرة، لكنا نقول: إنه أخبر أنه لو شاء أن يمسخهم لمسخهم؛ فقل - أيضاً -: إنه لو شاء أن يهديهم لهداهم، ولو شاء أن يهتدوا لاهتدوا، وكذلك يقول المعتزلة: إن المشيئة - هاهنا - مشيئة القهر والجبر، وقد ذكرنا ألا يكون في حال القهر والجبر إيمان؛ فيصير على قولهم: إلا أن يشاء الله أن يؤمنوا فآمنوا فلا يكون إيماناً.
وقوله - عز وجل -: {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً}: اختلف في تلاوته وتأويله: [عن الحسن] قال {قُبُلاً}: عياناً، وعن قتادة كذلك {قُبُلاً}: عياناً: حتى يعاينوا ذلك معاينة.
{مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ}، وهو على ما ذكرنا إلا أن يشاء الله أن يؤمنوا فيؤمنوا.
وعن مجاهد: {قُبُلاً}، أي: أفواجاً [قبيلاً] وفي حرف أبي عمرو بن العلاء: {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً}، يقول: جيلا فجيلا.
وفي حرف أبي: {قَبِيلاً}، أي: [قبيلة].
وقال القتبي: {قُبُلاً}، أي: جماعة جماعة، وقبلا، أي: أصنافاً.
ويقال: القبيل: الكفيل؛ كقوله:
{ أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً } [الإسراء: 92]، أي: ضمينا كفيلا.
قال الكيساني: من قرأها {قُبُلاً} فقد تكون جمع (القبيل)؛ مثل (الجبيل) و (الجُبُل)، وقد يكون (القبيل) - أيضاً - من معنى الإقبال؛ كقوله: من قبل ومن دبر.
ومن قرأها (قِبَلا): أراد معاينة.
وقال أبو عوسجة: {كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً}، يقال أتانا الناس قبلا، أي: كلهم؛ وقبلا: من المقابلة، وتأويله ما ذكرنا: أن لو فعلنا هذا كله: من إنزال الملائكة إليهم، وتكليم الموتى إياهم، {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً}، فأخبروهم بالذي يقول محمد إنه حق {مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} لهم الإيمان فيؤمنوا، وفيه ما ذكرنا من الدليل أن الآيات لا تضطر أهلها إلى الإيمان بها إلا أن يشاء الله أن يؤمنوا؛ فيحنئذ يؤمنون.
وقوله - عز وجل -: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ}.
أي: لكن أكثرهم لا ينتفعون بعلمهم.
وقوله - عز وجل -: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً}.
قيل: كما جعلنا لكل نبي [من قبل] عدوا كذلك نجعل لك عدوا، [ويحتمل أن يكون صلة قوله: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} ثم قوله: كذلك] {جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً}، قال الحسن: إن من حكم الله أن بعث رسلا، وأن كل من اتبع رسله يكون وليا له، ومن عصى رسله يكون عدوا له، هذا حكم الله في الكل.
وقال جعفر بن حرب والكعبي وغيرهما من المعتزلة: إن قوله: {جَعَلْنَا}، أي: خلينا بينهم وبين ما اختاروا من الكفر والعداوة، يقال: جعل فلان كذا إذا كان مسلطاً على ذلك، وهو يقدر أن يمنعه عن ذلك؛ ويصير التأويل على قول المعتزلة، أي: لم نجعل لكل نبي عدوّاً؛ ولكن هم جعلوا أنفسهم أعداء لكل نبي.
وقلنا نحن: إن قوله: {جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً}، أي: خلقنا لكل نبي عداوة كل عدو، والجعل من الله: هو الخلق؛ كقوله:
{ وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً } [الأنبياء: 32].
وقوله:
{ وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ } [الإسراء: 12].
وقوله:
{ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً } [الزخرف: 10].
كل جعل أضيف إلى الله فهو خلق؛ فعلى ذلك قوله: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً}، أي: خلقنا لكل نبي عداوة كل عدو، ولو كان الحكم على ما قال الحسن، وما قال أولئك من التخلية لكان يجوز أن يضاف فعل الكفر وفعل الضلال إلى الله، وذلك بعيد.
والثاني: لم يوفق لهم فعل الولاية؛ لما علم منهم أنهم يختارون فعل العداوة على فعل الولاية.
وقوله - عز وجل -: {شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً}.
اختلف فيه:
قال بعضهم: الشياطين كلهم يكونون من الجن، ثم إنهم يوحون إلى الإنس؛ فيكونون هم الذين يدعون الخلق إلى معصية الله؛ فيكونُ من الجن وحياً إلى الإنس، ومن الإنس إلى الخلق قولا ودُعاء.
وقال بعضهم: يكونُ من الجن شياطين، [ومن الإنس شياطين] تدعو شياطين الجن - الجن إلى معصية الله [وهكذا من دعا آخر إلى معصيته والكفر به، ويدعو شياطين الإنسِ الإنسَ إلى ذلك، يدعو كل فريق قومه إلى معصية الله، وهكذا من دعا آخر إلى معصية الله] فهو شيطان، وكذلك كبراء الكفرة ورؤساؤهم الذين كانوا يدعون أتباعهم وسفلتهم إلى الكفر والضلال بالله؛ فهم شياطينهم؛ ألا ترى أنه قال:
{ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا } [الأنعام: 123].
وقوله تعالى:
{ إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ } [البقرة: 166].
[وقوله]:
{ قَالَ ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ فِي ٱلنَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ } [الأعراف: 38].
وغيره من الآيات؛ أن كلَّ من دعا غيره [إلى] معصية الله والكفر به، فهو شيطان.
والشيطان هو البعيدُ من رحمة الله؛ شطن أي: بَعُدَ.
وقيل: إن إبليس وكَّلَ [شياطين الإنس] يضلونهم ويدعونهم إلى معصية الله، ووكَّلَ شياطين بالجن يضلونهم. وهو تأويل الأول.
وقوله - عز وجل -: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً} [أي: يزين بعضهم لبعض القول غرورا] يغرون به.
قال القتبي -رحمه الله -: زخرف القول غرورا: ما زين به وحسن وموه.
وقال واصل: الزخرف: الذهب؛ ويقال: [زخرف الشيء، أي: حسنه].
قال أبو عوسجة: الوحي أن يحى بعينه أو بشفتيه، وهي إشارة.
وقوله - عز وجل -: {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} قال بعضهم: [لو شاء] ربك خلقهم خلقا لم يركب فيهم الشهوات والحاجات حتى أطاعوه ولم يعصوا؛ كما خلق الملائكة لم يركب [فيهم] الشهوات والحاجات والأماني، فلم يعصوه.
وقالت المعتزلة: لو شاء ربك لأعجزهم وقهرهم؛ حتى لا يقدروا على معصية الله والكفر به فآمنوا واهتدوا.
[وعندنا] أنه لو شاء ربك لهداهم لاهتدوا، لكن لما علم منهم أنهم يختارون الضلال على الهدى شاء ألا يهديهم. وقد ذكرنا قبح تأويلهم الآية في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} هذا يخرج على الوعيد لهم؛ كقوله:
{ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ } [الحجر: 3] وكقوله: { ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ } [فصلت: 40] أي: ذرهم وما يختارون؛ فإنك تراهم في العذاب.
وقوله - عز وجل -: {وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} قيل: ولتميل قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة إلى زخرف القول الذي كان يوحي ويلقي شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض {وَلِيَرْضَوْهُ} لما كان الذي أوحى وألقى بعضهم إلى بعض من زخرف القول الذي يوافق هواهم، وكل من ظفر بما يوافق هواه فإنه يرضى به؛ كقوله:
{ إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلْحَيٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا } [يونس: 7] لأنهم كانوا لا يؤمنون بالآخرة ولا يرجون لقاءه وكانت همتهم هذه الدنيا ورضوا بها واطمأنوا فيها.
ويحتمل قوله: {وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ} أي: إلى الكتاب {أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ}؛ أي: ليس ميل قبول منهم له، ولكن ميل طلب الطعن فيه، وهكذا كانت [همة] أولئك الكفرة، وعادتهم طلب الطعن فيه، والأول أشبه.
ثم إن كان زخرف القول الذي أوحى بعضهم إلى بعض من كبرائهم وعظمائهم، فقد أشرك - تعالى - هؤلاء وأولئك في الكذب الذي كان منهم كان من الكبراء الدعاء إلى ذلك، ومن الأتباع الرضا والإجابة، وكان منهم التزيينُ والزخرفة، ومن الأتباع القبولُ والرضا به، فقد اشتركوا جميعاً في ذلك الكذب، والقول: الغرور.
وقوله: {وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ} اختلف فيه:
قال قائلون: قوله: {وَلِيَقْتَرِفُواْ} يعني: هؤلاء الأتباع {مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ} أي: ليكتسبوا هؤلاء الأتباع من الكذب ما كان أولئك يكتسبون من الكذب.
وقيل: {وَلِيَقْتَرِفُواْ} أولئك المتبوعون من الكذب {مَا هُم} يعني: هؤلاء الأتباع {مُّقْتَرِفُونَ} من القول الغرور والزخرف.
ثم اختلف في الاقتراف: قال بعضهم: الاكتسابُ؛ اكتسابُ كلِّ شيء.
وقال قائلون: الاقترافُ هو موافقة الذنب والإثم والله أعلم.