التفاسير

< >
عرض

قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِي ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَاطِينُ فِي ٱلأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
٧١
وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلاةَ وَٱتَّقُوهُ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
٧٢
وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ
٧٣
-الأنعام

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا}: يحتمل هذا وجوهاً:
يحتمل: أن يكون أولئك الكفرة دعوا رسول الله أو المؤمنين إلى عبادة الأصنام التي كانوا يعبدونها، فقال عند ذلك: {أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا}، بعدما عبدنا الله الذي يملك نفعنا وضرنا.
أو كان أهل الكفر يدعون أهل الإسلام إلى عبادة الأوثان التي كانوا يعبدونها: إما طمعاً بشيء يبذلونه؛ ليرجعوا إلى عبادة الأوثان [والأصنام] عن عبادة الله، أو تخويفاً منهم لهم، فقال: قل يا محمد أندعو من دون الله ما لا يملك نفعنا إن عبدناه، ولا يملك ضرنا إن تركنا عبادته، بعدما عبدنا الذي يملك نفعنا إن عبدناه، ويملك ضرنا إن تركنا عبادته؟!
وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: {قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا}: هذا مثل ضربه الله للأصنام التي عبدوها دون الله، ومن يدعو إليها وللدعاة الذين يدعون إلى الله وإلى عبادته؛ كمثل رجل ضل به الطريق؛ فبينما هو ضال إذ ناداه مناد: يا فلان بن فلان هلم إلى الطريق وله أصحاب يدعونه يا فلان هلم إلى الطريق.
وقوله - عز وجل -: {وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا}: في الكفر والشرك.
{بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِي ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَاطِينُ فِي ٱلأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ}.
يقول: مثلهم إن كفروا بعد الإيمان كمثل رجل كان مع قوم على الطريق، فضل الطريق فحيرته الشياطين [واستهوته] في الأرض، وأصحابه على الطريق، فجعلوا يدعونه إليهم يقولون: ائتنا؛ فإنا على الطريق، قال: فلم يأتهم؛ فذلك مثل من تبعكم بعد المعرفة بمحمد، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو الذي يدعوهم إلى الطريق وهو الهدى.
ويحتمل أن يكون المثل الذي ضربه من وجه آخر، وهو أن مثل هؤلاء كمثل من كان في بعض المفاوز والبراري، فضل الطريق [به]، فذهب به الغيلان حتى أوقعوه في الهلكة؛ وهو الذي تقدم ذكره.
ويشبه أن يكون قوله: {كَٱلَّذِي ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَاطِينُ فِي ٱلأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا} أنه ما من أحد: من مشرك ومؤمن، إلا وله أصحاب يدعونه: أما المؤمن: فله أصحاب من الملائكة يدعونه إلى الهدى، والكافر: له شياطين يدعونه إلى الشرك؛ هذا أشبه أن يحمل عليه، لكن أهل التأويل حملوا [الآية] على ما ذكرنا.
قال قتادة: هذه خصومة علمها الله محمدا [يخاصم بها] أهل الشرك؛ لأن سورة الأنعام نزل أكثرها في محاجة أهل الشرك.
قال ابن عباس - رضي الله عنه -: {ٱسْتَهْوَتْهُ}: أضلته.
قال أبو عوسجة: أي: ذهبت به، استهوته وأهوته واحد، أي: دعته إلى الهلكة، وقيل: أضلته.
وقوله: {وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا}.
أي: نرجع عن الإيمان إلى الشرك، {بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ}.
وقوله - عز وجل -: {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ}.
قيل: بيان الله هو البيان.
وقيل: إن دين الله هو الهدى وهو الدين.
وقوله - عز وجل -: {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}.
قيل: هذا صلة قوله: {قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا} {وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلاةَ وَٱتَّقُوهُ} {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}.
وقال بعضهم: ليس على الصلة، ولكن على الابتداء: {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}، وقل لهم: {أَقِيمُواْ ٱلصَّلاةَ وَٱتَّقُوهُ}.
{وَهُوَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} قد ذكرناه.
وقوله - عز وجل -: {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ}.
قيل: قوله: {بِٱلْحَقِّ}، أي: خلق السماوات والأرض بالحق لم يخلقهما باطلا؛ كقوله تعالى:
{ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً } [ص: 27].
قيل: لم يخلقهما باطلا، ولكن خلقهما بالحق، وهو يحتمل وجوهاً:
قيل: خلقهما للعاقبة؛ لأن كل أمر لا عاقبة له فهو باطل ليس بحق، فإنما خلق السماوات والأرض وما بينهما للعاقبة وذلك لأمر عظيم؛ كقوله:
{ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } [المطففين: 5-6].
وقيل: قوله: {بِٱلْحَقِّ}، أي: خلقهما ليمتحن فيهما ولمحنة سكانهما، لم يخلقهما لغير شيء.
وقيل: {بِٱلْحَقِّ}، أي: خلقهما بالحكمة من نظر فيهما وتدبر؛ للدلالة على أن لهما خالقاً ومدبراً، والدلالة على أن مدبرهما ومنشئهما واحد، فإذا كان كذلك كان خلقهما بالحق بالحكمة والعلم.
وقوله - عز وجل -: {كُن فَيَكُونُ}.
قد ذكرنا أن قوله: {كُن} هو أوجز كلام في لسان العرب يعبر به فيفهم منه، لا أَنْ كَانَ مِنَ اللهِ كافٌ أو نونٌ، لكنه ذكر - والله أعلم - ليعلموا أن ليس على الله في الإحياء والإنشاء بعد الموت مؤنة؛ كما لم يكن على الخلق في التكلم بـ "كن" مؤنة، ولا يصعب عليهم ذلك؛ فعلى ذلك ليس على الله في البعث بعد الموت مؤنة ولا صعوبة.
والثاني: ذكر هذا لسرعة نفاذ البعث؛ كقوله:
{ مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ } [لقمان: 28] أخبر أن خلقهم وبعثهم ليس إلا كخلق نفس واحدة، وبعث نفس واحدة، وكقوله: { وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ } [النحل: 77] يخبر لسرعة نفاذ الساعة وبعثهم، وذلك أن الرجل قد يلمح البصر وهو لا يشعر به؛ فعلى ذلك القيامة قد تقوم وهم لا يشعرون.
والثالث: يذكر هذا - والله أعلم - أن البعث بعد الموت والإحياء إعادة، وإعادة الشيء عندكم أهون من ابتداء إنشائه؛ وعلى ذلك يخرج قوله:
{ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } [الروم: 27] أي: هو أهون عليه عندكم.
وقوله - عز وجل -: {قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ}.
يحتمل: {قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ}، أي: البعث بعد الموت حق على ما أخبر.
ويحتمل: {قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ}، أي: ذلك القول منه حق يكون كما ذكر.
وقوله - عز وجل -: {وَلَهُ ٱلْمُلْكُ} [أي]: ملك ذلك اليوم؛ كقوله:
{ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ } [غافر: 16]؛ وكقوله: { ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ } [الحج: 56] ذكر هذا - والله أعلم - لما لا ينازعه أحد في ملك ذلك اليوم، وقد نازعه الجبابرة في الملك في الدنيا، وإن لم يكن لهم ملك ولا ألوهية.
ويحتمل قوله: {وَلَهُ ٱلْمُلْكُ}، أي: ملك جميع الملوك له في الحقيقة؛ كقوله:
{ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ } [آل عمران: 26].
وقوله - عز وجل -: {يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّور}: قال بعضهم: النفخ: هو الروح، والروح من الريح، والروح إنما تدخل بالنفخ
{ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا } [التحريم: 12].
وقال بعضهم: لا يكون هناك في الحقيقة نفخ، ولكن يذكر لسرعة نفاذ الساعة؛ لأن الرجل قد يتنفس وهو لا يشعر به، فذكر هذا لسرعة نفاذ الساعة؛ لأنه ليس شيء أسرع جرياناً ونفاذاً من الريح.
وقال بعضهم: هو على حقيقة النفخ وهو ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: {فِي ٱلصُّورِ} قال بعضهم: في صور الخلق، وقال بعضهم: الصور قرن ينفخ [فيه] إسرافيل فلا ندري كيف هو، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة سوى أن فيه ما ذكرنا من سرعة نفاذ البعث.
وقوله - عز وجل -: {عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ}.
أي: يعلم ما يغيب الخلق بعضهم من بعض.
{وَٱلشَّهَٰدَةِ}،
ما يشهد بعضهم بعضاً.
أو يحتمل عالم الغيب، أي: يعلم ما يكون إذا كان كيف كان، أو يعلم وقت كونه، والشهادة: ما كان وشوهد؛ يخبر أنه لا يغيب عنه شيء ولا يعزب عنه.
{وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ}: في خلق السماوات والأرض، وخلق ما فيهما، والحكيم: في بعثهم، و [الحكيم] هو واضع الشيء موضعه.
{ٱلْخَبِيرُ} بكل شيء.