التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
١
قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ
٢
وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ
٣
إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ
٤
عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً
٥
-التحريم

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ}.
هذا في الظاهر فظيع بأن يحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحل الله له، ومن قال بأنه حرم ما أحل الله، فقد قال قولا منكراً، ولو اعتقد ذلك كان كفرا منه؛ إذ من حرم ما أحل الله تعالى كان كافرا، ومن كان اعتقاده في رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا، فهو كافر.
وقال أبو بكر الأصم: دلت هذه الآية على أن ليس لأحد أن يحرم ما أحله الله تعالى؛ لأن الله تعالى منع رسوله عن ذلك.
لكن الأمر عندنا ليس على ما ظنه أبو بكر، ولا على ما سبق إليه ظن بعض الجهال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم شيئاً أحله الله تعالى، ومن توهم هذا في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد حكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكفر.
وتأويله عندنا - والله أعلم -: على وجهين:
أحدهما: أن تحريم ما أحل تعالى هو أن يعتقد تحريم المحلل، وتحليل المحرم فيما حرم الله تعالى مطلقاً، فمن اعتقد تحريمه حكم عليه بالكفر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعتقد تحريم ما أحل الله تعالى؛ إذ لم ير جماعها عليه محرما، بل امتنع عن الانتفاع بها باليمين، والحرمة التي ثبتت بسبب اليمين، لم تكن من فعل الآدمي، وإن ثبتت بمباشرة السبب منه؛ كالتحريم بالطلاق وبغيره من الأسباب، وإنما تثبت من الله تعالى عقيب مباشرة الأسباب من العباد، كسائر الأحكام، كيف وأنه باليمين لا تثبت حرمة نفس الفعل، وإنما المحرم ترك تعظيم الله تعالى الواجب بسبب اليمين، وهذا لا يعد تحريم الحلال وتحليل الحرام.
أو أريد بالتحريم منع النفس عن ذلك مع اعتقاده بكونه حلالا، لا أن يكون قصد به قصد تحريم عينه، وقد يمتنع المرء عن تناول الحلال؛ لغرض له في ذلك؛ وهو كقوله تعالى:
{ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ } [القصص: 12]، ولم يرد به تحريم عينه، ولا التحريم الشرعي؛ إذ الصبي ليس من أهله، وإنما أريد به امتناعه من الارتضاع إلا من ثدي أمه، [فعلى ذلك] هاهنا، والله أعلم.
والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ندب إلى حسن العشرة مع أزواجه، وإلى الشفقة عليهن، والرحمة [بهن، فبلغ] في حسن [العشرة والصحبة] معهن مبلغا امتنع عن الانتفاع بما أحل الله له، وأباح له التلذذ به؛ يبتغي به حسن عشرتهن، ويطلب به مرضاتهن، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ}، أي: لا يبلغنَّ بك الشفقة عليهن وحسن العشرة معهن مبلغا تمتنع عن الانتفاع بما أحل الله لك؛ فيخرج هذا مخرج تخفيف المؤنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حسن العشرة معهن، لا مخرج النهي والعتاب عن الزلة؛ وهو كقوله تعالى:
{ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ } [فاطر: 8] تخفيفاً للأمر عليه، وكذلك قال: { وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ } [الإسراء: 29] ليس في الحقيقة نهياً عن السخاء على النهاية، لكن تخفيفاً للأمر عليه: أن ليس عليك الإسراف في السخاء والنهاية في ذلك؛ بحيث لم تُبق لنفسك وعيالك شيئاً وتؤثر غيرك؛ فعلى ذلك قوله: {لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} خارج مخرج تخفيف المؤنة عليه في حسن العشرة، لا مخرج النهي، والله أعلم.
ثم اختلف أهل التأويل في سبب التحريم:
فمنهم من ذكر
"أن حفصة - رضي الله عنها - زارت أهلها، والنبي - عليه السلام - في بيت حفصة، فجاءت أم إبراهيم مارية القبطية حتى دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فواقعها، فجاءت حفصة، وهما نائمان فرجعت إلى بيت أهلها، فمكثت عامة الليل ... القصة، وقالت حفصة في آخر هذا الخبر: ما رأيت لي حرمة، وما عرفت لي حقّاً، فقال لها النبي - عليه السلام -: اكتمي عليَّ، وهي علَيَّ حرام" ، فنزلت هذه الآية.
ومنهم من يذكر: أن ذلك اليوم كان يوم عائشة - رضي الله عنها - فاطلعت حفصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاريته مارية، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكتم عليه، فأخبرت حفصةُ بما رأت عائشةَ - رضي الله عنها - فغضبت عائشة، فلم تزل بنبي الله حتى حرمها، [فأنزل الله تعالى] هذه الآية.
وقال عكرمة: نزلت الآية في امرأة يقال لها: أم شريك وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم؛ فلم يقبلها النبي - عليه السلام - طلبا مرضاة أزواجه؛ فنزلت الآية، والله أعلم.
ومنهم من قال: إن الذي حرمه النبي صلى الله عليه وسلم كان عسلا، كان رسول الله - عليه السلام - شربه عند بعض نسائه، فقالت امرأة من نسائه لصاحبتها: إذا جاءك النبي صلى الله عليه وسلم فقولي له: ما ريح المغافير فيك؟ فقالت للنبي؛ فحرمه النبي - عليه السلام - فنزلت هذه الآية.
وليس لنا إلى تعرف السبب الذي وقع التحريم به، ولا إلى تعيين الشيء الذي حرمه النبي - عليه السلام - حاجة، ولكنا نعلم أن الأمر الذي كان فهو جرى بينه وبين زوجاته.
وقوله - عز وجل -: {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
أي: غفور لما تقدم من ذنبك وما تأخر لو كان.
أو يكون رحيما؛ حيث لم يعاقبك بما اجترأت من الإقدام على اليمين؛ لا بإذن سبق من الله تعالى لك فيه.
أو غفور رحيم عليك وعلى زوجتيك إن تابتا ولم تعودا إلى صنيعهما.
أو غفور رحيم بما خفف عليك من مؤنة العشرة، ولم يحمل عليك ما حملت على نفسك.
وقوله - عز وجل -: {قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ}.
فمنهم من يحمل هذا على ابتداء الخطاب، ويصرف المراد إلى غير رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم [قد كان غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر]؛ بحكم وعد الله - تعالى - فلم يكن يحتاج إلى التكفير؛ لإزالة المأثم.
ولكن نحن نقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان هذا محله، فهو وأمته في أحكام الشرائع مأخوذون، ويكون على هذا مغفرة زلاته: ما تقدم وما تأخر بمباشرة أسبابها من التوبة والكفارة، ونحو ذلك؛ فيكون قوله تعالى: {قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} منصرفا إلى النبي - عليه السلام - وأمته.
ثم يجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قصد إلى التحريم أعني: منع نفسه عن الانتفاع بها مع اعتقاد الحل لا إلى اليمين؛ فجعل الله تعالى ذلك منه يمينا؛ فيكون فيه دلالة على أن التحريم يمين؛ ولهذا قال أصحابنا - رحمهم الله -: إن من قال لامرأته: "أنت عليَّ حرام"، ولا نية له، فهو يمين.
وجائز أن يكون أفصح بالحلف؛ فكنى عنه باليمين.
ثم قوله: {قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} على قراءة العامة، وفي بعض القراءات: {قد فرض الله لكم كفارة أيمانكم}.
ووجه الفرض فيه: أن الأمم من قبل، لم تكن يؤذن لهم بالحنث في اليمين، ولا أن يحلوا منها بالكفارة، ألا ترى إلى قوله تعالى:
{ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ } [ص: 44]، فلم يأذن له بالحنث وأباح له الضرب، ثم أباح لهذه الأمة حل اليمين بالحنث والكفارة، فنسب الحل إلى الكفارة، ومرة إلى انحلالها بنفسها من جهة الحنث.
ثم قوله: {قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ} أي: وسع عليكم، وأحل لكم تحلة اليمين؛ ففي هذا أن كل ما ذكر فيه (كتب لكم)، أو: (فرض لكم)، فهو في موضع الإباحة والتوسيع، وما ذكر فيه {عَلَيْكُمُ} فهو على الإيجاب والإلزام؛ قال الله تعالى:
{ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ } [البقرة: 183]، وقال: { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ } [البقرة: 180]، وذلك كله في موضع الوجوب، وقال الله تعالى: { ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ } [المائدة: 21] معناه: أباح لكم الدخول فيها.
وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ}.
أي: أولى بكم فيما امتحنكم من الكفارة وغيرها.
أو {وَٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ}، أي: أولى بكم في نصركم والدفع عنكم.
وقوله - عز وجل -: {وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ}.
أي: {ٱلْعَلِيمُ} بمصالحكم أو مقاصدكم، أو بما تسرون وما تعلنون، أو بما كان ويكون، {ٱلْحَكِيمُ}: وهو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير، أو حكيم بما حكم عليكم من تحلة الأيمان، والله أعلم.
ثم في قوله: {ٱلْعَلِيمُ} إلزام المراقبة والمحافظة، ودعاء [إلى التبصر] والتيقظ في كل ما يتعاطاه المرء من الأفعال، ويأتي به من الأقوال.
وفي قوله: {ٱلْحَكِيمُ} دعاء إلى التسليم بحكم الله تعالى؛ إذ الحكيم لا يحكم على أحد إلا بما فيه حكمة وفائدة؛ فلزمه تسليم النفس لحكمه على وجه الحكمة فيه أو جهله.
ثم الأصل بعد هذا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيح له نكاح التسع، وأمر بأن يحسن صحبتهن ويبتغي مرضاتهن، والمرء يعسر عليه صحبة الأربع بحسن العشرة، ويتعذر عليه القسم والقيام بمرضاتهن جميعاً، فكيف إذا امتحن بصحبة التسع؟! فكانت المحنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر النساء أعسر منه على غيره، وأمر مع هذا أيضاً بمعاملة الخلق مع اختلاف هممهم وأطوارهم بأحسن المعاملة، ولكن الله تعالى لما امتحنه بما ذكرنا آتاه من الأخلاق الحميدة والشمائل المرضية ما خف بها عليه هذه المحنة، وسهل عليه المعاملة مع الجملة، وآتاه من القوة ما ملك بها حفظ حقوقهن وإرضاء جملتهن، حتى بلغ في حسن العشرة وابتغاء المرضاة ما عوتب عليه، وبلغ من جهده في الإسلام إلى أن قيل:
{ عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ } [عبس: 1]، وبلغ في الشفقة والرحمة على الأمة إلى أن قيل له: { فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ } [فاطر: 8]، وقال: { وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ } [القلم: 4]، وكان من عظيم خلقه ما جاوز خلقه قوة نفسه، فكادت نفسه تهلك فيه.
ثم في قيامه - عليه السلام - بما يوفي حقوق التسع ويرضيهن دلالةُ نبوته ورسالته؛ لأن الناس إنما يقوون على الجماع بما يصيبون من فضل الأطعمة والأغذية، ثم هو مع أصابتهم فضول الأطعمة والأشياء اللذيذة يفْتُرون عن إيفاء [حقوق الأربع]، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آثر الزهدَ في الدنيا، وقلت رغبته في مطاعمها ومشاربها، وكان مع ذلك يفي بحقوقهن، فعلم بهذا أنه إنما وصل إلى ما ذكرنا بما قواه الله - تعالى - عليه وأقدره، لا بالحيل والأسباب، ثم أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم امتُحِنَّ بالقيام بوفاء حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن ينظرن إليه بعين التبجيل والتعظيم، فكانت المحنة عليهن أشد من المحنة على غيرهن من النساء مع أزواجهن؛ لأن المرأة قلما تسلم عن رفع أصواتها على صوت زوجها، إذا لم يكن له امرأة سواها، فكيف إذا كانت معها أخرى، ثم هن لو رفعن أصواتهن على صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب ذلك إحباط عملهن؛ على ما قال تعالى:
{ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } [الحجرات: 2]؛ فلا يجوز أن يمتحن بهذه الكلفة الشديدة والمحنة العظيمة إلا بما شرح الله تعالى صدورهن ويفسح قلوبهن؛ لاحتمال ذلك.
ثم المحنة علينا بعد هذا أشد من المحنتين اللتين ذكرناهما؛ لأنا امتحنا بمعرفة ما ضمنته هذه الآية والاعتقاد بذلك وهي قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} فالذي علينا من المحنة أن نصرف الأمر إلى وجه لا يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم به ثم بنقص؛ فيسلم من المؤاخذة؛ فجائز أن يصرف إلى ما ذكرنا من تخفيف الأمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكون الآية في موضع تخفيف الأمر عليه ليس في موضع النهي، وإن خرجت مخرج النهي في الظاهر.
وجائز أن يكون العتاب؛ لمكان مارية، إن كانت [قصة التحريم] من أجلها؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أذن له بإمساك مارية، ولم يندب إلى تزويجها لتصل إلى قضاء شهوتها من قبل الأزواج، فإنما تتوصل إلى قضاء شهوتها برسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم هو بتحريمها على نفسه لم يمنع عنها الحق، إذ الأمة لا حظ لها في القسم؛ فيلحقه العتاب من هذه الجهة، ولكن لما كان لها فيه مطمع، وهو بالتحريم قطع طمعها، فقيل له: {لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} قضاء تلك الشهوة، أي: لم تمنع نفسك عن قضاء شهوة أباحها الله تعالى لها، فيكون في العتاب دعاء له إلى [أن يعمل] بأحد الوجهين:
أحدهما: وهو أن يوصلها إلى ما طمعت منه لا أن يقطع طمعها عنه، وإن لم يكن لها فيما طمعت حق، والله أعلم.
والمحنة الثانية علينا: ألا ننسب إلى أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تكره أنفسنا نسبة مثله إلى الأمهات؛ لأن لأزواجه علينا حق الأمهات، فإن أمكنا أن نخرج من أمرهن وجهاً يسلم عن تنقصهن فعلنا، وإلا أمسكنا عن ذكره؛ خشية التنقص، وترك التبجيل والتعظيم؛ ألا ترى إلى قول الله تعالى:
{ لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً } [النور: 12]، وهكذا الواجب على كل مؤمن ألا يظن بأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهن إلا خيراً، وألا ينظر إليهن إلا بعين التعظيم، وقال أيضاً: { سُبْحَانَكَ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } [النور: 16]، وإذا كان هذا حقهن علينا فلا يجب أن نذكر زلتهن كانت كيت وكيت؛ لما يتوهم أن يكون زلتهن دون الذي خطر على بالنا فنكون قد أعظمنا القول فيهن؛ فيصيبنا من ذلك عذاب عظيم؛ كما قال: { وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [النور: 14].
ولقائل أن يقول في قوله:
{ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } [النور: 16]: من أي وجه صار بهتانا عظيما، ونساء رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن معصومات، بل كان يتوهم منهن الصنع الذي رمين به؟!
فجوابه: أن أزواجه كن بالمحل الذي إذا ابتلين بزلة: سرّاً، أو جهراً أطلع الله تعالى ذلك نبيه - عليه السلام - ألا ترى أن إحداهن لما أفشت سر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أخرى أطلع الله - تعالى - نبيه على ذلك، فإذا كان لا يستر عليهن هذا القدر من الزلة، فكيف يستر عليهن فعل الزنى منهن؟! ولو وجد من التي رميت فعل الزنى، لكان يسبق الاطلاع من الله تعالى لرسوله - عليه السلام - قبل أن يجري به التحدث على ألسن الخلق، فإذا لم يسبق أوجب ذلك المعنى براءة ساحتها عما رميت به، وصار الرامي لها به قائلا بالبهتان والزور.
وفي هذه الآية دلالة جواز العمل بالاجتهاد لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا بإذن سبق من الله تعالى؛ إذ لو كان الإذن سابقاً، لما عوتب عليه؛ لما ذكرنا: أنه لم يعاتب لزلة ارتكبها حتى يكون فيه منع عن العمل بالاجتهاد، وإنما عوتب لمكان ما حمل على نفسه من فضل المؤنة في العشرة.
ثم الأصل: أن الإماء لا حظ لهن في القسم، ولسن لهن من الأيام ما يكون مثله للحرائر حتى كان يقسم لها فيؤدي فيه حقها، وقد أذن له في إمساكها وألا يزوجها؛ فلا يجوز ألا يؤمر بتزويجها، ثم هو لا يسكن شهوتها، ثم هو إنما يصل إلى قضاء وطرها وتسكين شهوتها في يوم ذلك اليومُ لزوجة من زوجاته، فجائز أن يكون الله تعالى أكرمه أن يسكن شهوتها ويأتيها من حيث لا يعلم أزواجه بذلك، ثم أطلع بعض نسائه على فعله ليعلمن أن المحنة عليهن بعد العلم وقبل العلم واحدة، وأن عليهن أن يعظمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألا يحملهن الغيرة على الاستقبال له بالمكروه والنظر إليه بالتنقص؛ إذ لم يكن عليهن فيما يأتي تلك الأمة في أيامهن تقصير في حقهن؛ إذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطي من القوة في الجماع ما يطوف على جميع نسائه في ليلة واحدة.
وأما ما ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كف نفسه عن شرب العسل، فذلك يحتمل أيضاً، ولكن ما ذكر من تحريم مارية أمكن؛ لأنه لا يحتمل أن يكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم في شرب العسل من الرغبة ما يدخل على نسائه المكروه لأجله، وجائز أن يلحقهن في استمتاعه بأمته مكروه فيحملهن ذلك على ما ذكر.
وقوله - عز وجل -:{وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ}.
دل قوله: {فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ} أنه قد طلب منها إسرار ذلك الحديث الذي أسر إليها، وليس بنا حاجة إلى تعرف الحديث الذي أسر إليها.
وفيه دلالة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما علم بإفشائها سره إلى صاحبتها بالله تعالى، وهو قوله: {وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ}.
وقوله - عز وجل -: {عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ}.
فقوله: [{عَرَّفَ}] قرئ بالتخفيف والتشديد، فمن قرأه بالتشديد، فهو على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفها بعض ما أنبأت من القصة التي أسر إليها، ولم يعرفها البعض؛ لأنه لم يكن القصد من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخبرها بذلك النبأ الذي [أسر به] إليها، وإنما كان المقصود منه تنبيهها بما أظهرت من السر، وأفشت إلى صاحبتها؛ لتنزجر إلى المعاودة إلى مثله، والبعض من ذلك يعلمها ما يعلم الكل، فلم يكن إلى إظهار الكل حاجة.
وذكر في بعض الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: "ألم أقل لك"؟! وسكت عليه، وفي هذا آية لرسالته ومنعهن عن إسرار ما يحتشمن عن إبداء مثله لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهن إن فعلن ذلك، أظهر الله - عز وجل - لنبيه صلى الله عليه وسلم ذلك؛ فيعلم ما يسرون.
ومن قرأه {عَرَفَ} بالتخفيف، فهو يحمله على الجزاء فيقول: {عَرَفَ بَعْضَهُ} أي: جزى عن بعض ما استوجبته بإفشاء السر، وأعرض عن بعض الجزاء؛ يقول الرجل لآخر: عرف حقي فعرفت له حقه، أو عرفت حقي فسأعرف حقك، أي: أقوم بجزاء ذلك، وذكر في الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة تطليقة، ثم نزل جبريل - عليه السلام - فقال له: راجعها؛ فإنها صوامة قوامة، وإنها لزوجتك في الجنة [؛ فجائز أن يكون] طلاقه إياها جزاء لبعض صنيعها.
ثم من الناس من يختار إحدى القراءتين على الأخرى، فيقرأ إحداهما ويرغب عن الأخرى، وذلك مما لا يحل؛ لأن الأمرين جميعاً قد وجدا، وهو الجزاء والتعريف، فجمع الله تعالى الأمرين جميعاً في آية واحدة، وفصل بين الأمرين بالإعراب؛ فليس لأحد أن يؤثر إحدى القراءتين على الأخرى؛ وهذا كقوله تعالى في قصة موسى - عليه السلام - {لَقَدْ عَلِمْتُ}، و
{ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ } [الإسراء: 102]، وقد علم موسى - عليه السلام - وعلم فرعون اللعين، فقد كان الأمران جميعاً، فجمع الله تعالى بين الأمرين جميعاً في آية واحدة؛ فلا يحل لأحد أن يقرأ بأحد الوجهين ويمتنع عن [الوجه] الآخر؛ فكذلك هذا في قوله تعالى: { رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا } [سبأ: 19] و {بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا}، فمن قرأه {باعِدْ بين أسفارنا} حمله على الدعاء، ومن قرأه {باعَدَ} حمله على الإخبار، وقد كان الأمران جميعاً: الدعاء والإخبار؛ فليس لأحد أن يؤثر أحدهما على الآخر، فعلى ذلك الحكم في قوله: [{عَرَفَ بعضه} و {عَرَّفَ بَعْضَهُ}]، والله أعلم.
وقد وصفنا تأويل قوله: {ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ} فيهما ما يدعو الإنسان إلى المراقبة والتيقظ.
وقوله - عز وجل -: {إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا}.
في هذه الآية دلالة أن الحديث الذي أفشي كان بين زوجتين؛ لأن قوله: {إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} يدل على ذلك، فإنه كان أسر النبي - عليه السلام - عند إحداهما، ومنعها أن تفشي إلى الأخرى فأفشت، لكنا لا نعلم أن ذلك الحديث كان ماذا؟ لكنه كان منهما ما يجوز أن تعاتبا به وتدعيا إلى التوبة؛ لقوله: {إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ}، [وإن خفي ذلك علينا]، ثم إذا عرفنا أن الله - تعالى - جعل عقوبتهن وتأديبهن أشد من العقوبة على غيرهن بقوله:
{ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ } [الأحزاب: 30]، فيجوز أن يندبن إلى التوبة بأدنى زلة حقها التجاوز عن غيرهن.
ثم قوله: {إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} فجائز أن يكون قوله: {إِن} زيادة في الكلام، وحقه الحذف، فيكون معناه: توبا إلى الله؛ فقد صغت قلوبكما، ويوقف عليه ثم يبدأ بقوله: {وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ}.
وجائز أن يكون حقه الإثبات، فلا يكون حرف {إِن} زيادة، ويكون معناه: إن تتوبا إلى الله، وإلا فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين فيكون الجزاء فيه مضمراً.
وجائز أن يكون جزاء صنيعهن أن يطلقهن، فكأنه قال: إن تتوبا إلى الله وإلا طلقكن، فيكون في هذا أنه حبب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهن حتى اشتد عليهن الطلاق، وخرج الطلاق مخرج العقوبة لهن على صنيعهن، والله أعلم.
وقوله: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا}.
أي: مالت عن الحق الذي لرسول الله صلى الله عليه وسلم عليكما، وحق الرسول - عليه السلام - حق عظيم يرد فيه العتاب بأدنى تقصير.
وقوله - عز وجل -: {وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ}.
هذا في الظاهر معاتبة؛ فينبغي أن يذكر على المخاطبة، فيقال: وإن تظاهرتما عليه، كما قال تعالى: {إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ}، قيل: جائز أن يكون معنى قوله: {إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ} تامّاً ورجعت على إرادة المعاتبة، وإن كان اللفظ لفظ المخاطبة، ولكن الصحيح: أن قوله: {وَإِن تَظَاهَرَا} على المخاطبة، معناه: وإن تتظاهرا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ}.
حق هذا أن يقف عليه ثم يقول: {وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ}؛ حتى لا يتوهم أن غير الله تعالى مولاه، ثم ذكر هذا إبلاغ في التهويل، وإلا فالواحد من هؤلاء المذكورين يكفي لأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك في ذكر عقوبتهن إذا وجد منهن الخلاف [في قوله]:
{ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ } [الأحزاب: 30].
والأصل: أن المبالغة في [التأديب مما يعين المؤدب على حفظ الحدود، وكذلك المجاوزة في] حد العقوبة معونة له في تأديب النفس؛ حتى يملك حفظ نفسه عما تدعو إليه نفسه.
وقوله - عز وجل -: {وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ}.
قيل: {وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ}: أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما طلق حفصة دخل عليها عمر - رضي الله عنه - فقال: "لو علم الله - تعالى - في آل عمر خيرا ما طلقك رسول الله"، فنزل جبريل - عليه السلام - على رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره بمراجعتها، وذكر أنها صوامة قوامة؛ فجائز أن تكون حفصة - رضي الله عنها - تصوم النهار وتقوم الليل في غير نوبتها؛ فلا يعلم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلعه جبريل - عليه السلام - على ذلك.
وروي عن أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"{وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} أبو بكر وعمر" ، رضي الله عنهما.
وقيل: هم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.
وذكر عن الحسن أنه قال: {وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} من لم يسر نفاقا ولا أظهر فسقا، ثم خص من المؤمنين الصالحين منهم، ولم يعم جملة المؤمنين، فهذا - والله أعلم - لأنه لو ذكر المؤمنين على الإجمال لدخل فيه الزوجان اللتان تظاهرتا؛ لأن إصغاء القلب لا يخرجهما عن أن تكونا من جملة المؤمنين؛ ولأنه ذكر هذا في موضع المعونة في أمر الدين، وصالح المؤمنين هم الذين يقومون بالمعونات في أمر الدين.
وقوله - عز وجل -: {عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ}.
وعلى قول المعتزلة: لا يملك أن يبدل خيرا منهن؛ إذ لا يقدر على أن يجعل في أحد خيرا على قولهم، ولا يملك أن يبدله أزواجا؛ لأنه لا يقدر - على زعمهم - على أن يجعل أحدا من النسوان زوجة لأحد من الرجال، وإنما المشيئة والاختيار إلى المتزوج والمتزوجة، والفعل منهما.
وعلى قولنا: يملك أن يجعل الخير لمن شاء فيما شاء، وله أن يجعل من النسوان زوجة لمن شاء من الرجال، فهذه الآية تشهد بالصدق؛ لمقالتنا، وترد على المعتزلة قولهم؛ لأنه جعل الإبدال إلى نفسه؛ بقوله: {يُبْدِلَهُ}، وعلى قولهم لا يملك أن يفي بما وعد، ثم في هذه الآية إباحة الإبدال وإباحة الطلاق لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي قوله:
{ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ } [الأحزاب: 52] حظر الإبدال؛ فجائز أن يكون قوله: { لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ } [الأحزاب: 52] مقدما، وقوله: {عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ} متأخراً؛ فيصير ما تقدم منسوخا بهذه الآية، والذي يدل على صحة هذا ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: "ما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا حتى أحلت له النساء"، فثبت أن الحظر كان متقدما ثم وردت الإباحة من بعد، فتحمل الآيتان على التناسخ؛ ليرتفع التناقض من بينهما.
وجائز أن يكون حظر عليه الإبدال إذا قصد بالطلاق قصد الإبدال بما أعجبه من الحسن؛ كما قال:
{ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ... } الآية [الأحزاب: 52]، فإذا كان قصده من الطلاق الإبدال، كان ذلك محظورا عليه، وإذا لم يقصد بالطلاق قصد الإبدال، ولكن يقصد به قصد المجازاة للخلاف الذي ظهر، أبيح له ذلك، [ثم الله تعالى يبدله خيرا من المطلقة وهو ليس يقصد] بالطلاق في قوله: {عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ} قصد الإبدال، وإذا كان كذلك، سلمت الآيتان عن التناقض.
وذكر عن أُبي بن كعب - رضي الله تعالى عنه - أنه سئل: أكان يحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إبدال امرأة بامرأة؟ فقال: بلى، فسئل عن قوله تعالى:
{ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ } [الأحزاب: 52] فقال: هذا منصرف إلى من هن من وراء المسميات؛ وهو كقوله تعالى: { وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ... } إلى قوله: { وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ } [الأحزاب: 50]، فذكر بنات العم وبنات الخال والأجنبيات، وحظر عليه من سواهن من المحارم [، فيكون فيه إبانة] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان حظر عليه تزوج محارمه من ذوي الرحم كما حظر على غيره؛ إذ هو موضع الإشكال: أنه لما حل له زيادة على الأربع، يحل له ذوات الأرحام من المحارم، فزال الإشكال به.
وقوله - عز وجل -: {خَيْراً مِّنكُنَّ}.
فجائز أن يكون خيرا منهن للرسول - عليه السلام - لا أن يكن خيرا في أنفسهن؛ لأنه قال: {مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ}، وقد كان أزواجه على هذا الوجه: {مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ}؛ ألا ترى إلى ما ذكر أن جبريل - عليه السلام - قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: راجع حفصة؛ فإنها صوامة قوامة، والذي يدل على هذا أيضاً في آخر هذه الآية: {ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً} وقد وجدت هاتان الصفتان في أزواجه؛ فثبت أن معناه ما ذكرنا.
وجائز أن يكن خيرا منهن أيضاً في أنفسهن من حيث الجمال والنسب، ونحو ذلك.
أو يصرف {خَيْراً مِّنكُنَّ} لما يتركن الخلاف لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يتظاهرن عليه، ويكن هؤلاء دونهن إذا التزمن الخلاف، ودُمْنَ على التظاهر، فأما إذا أمسكن عن الخلاف وتُبْنَ عما سبق من الخلاف فهن وغيرهن بمحل واحد.
وقوله - عز وجل -: {مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ}.
قد بينا أن كل مسلم مؤمن في التحصيل؛ لأن معنى [الإسلام والإيمان] واحد؛ إذ الإسلام: هو أن يجعل الأشياء كلها لله خالصة سالمة لا يشرك فيها غيره، والإيمان: التصديق، وهو أن يصدق أن الله تعالى رب كل شيء، وإذا صدقته أنه رب كل شيء فقد جعلت [الأشياء] كلها سالمة له، أو تصدق [كلاًّ فيما] يشهد لله تعالى في الربوبية [بجوهره]، فثبت أن كل واحد منهما يقتضي ما يقتضيه الآخر من المعنى، فإذا ذكر أحدهما بالإفراد، ففي ذكره ذكر الآخر، وإذا جمع في الذكر، صرف هذا إلى وجه، وهذا إلى وجه، وهذا كما ذكرنا في التقوى أنه يقتضي معنى الإحسان إذا ذكر مفردا؛ لأن التقوى هو أن يتقي من المهالك، والاتقاء عن المهالك يقع باكتساب المحاسن، وإذا ذكرا معا صرف التقوى إلى [الاتقاء من الكفر] والإحسان إلى فعل الخيرات، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"لم يؤمن من لم يأمن جاره بوائقه" ، وقال: "المسلم من سلم الناس من لسانه ويده" ، فصرف هذا إلى وجه وهذا إلى وجه، وهما في التحصيل واحد؛ لأنهم إذا أمنوا بوائقه فقد سلموا من لسانه ويده.
وقوله - عز وجل -: {قَانِتَاتٍ}.
قيل: مطيعات.
وقيل: القائمات بالليالي للصلاة، وهذا أشبه؛ لأنه ذكر السائحات بعد هذا، والسائحات الصائمات، وذكر الصيام بالنهار، فيكون تأويل القانتات راجعا إلى قيام الليل؛ ليكون فيه إحياء الليل والنهار بالعبادة؛ ولذلك قال جبريل - عليه السلام - في وصف حفصة - رضي الله عنها -: "إنها صوامة قوامة" أي: صوامة بالنهار وقوامة بالليل، وذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن أفضل الأعمال، فقال: "طول القنوت"، وهو القيام بالليل.
وقوله - عز وجل -: {تَائِبَاتٍ}.
هن اللائي لا يصررن على الذنب، بل يفزعن إلى الله تعالى بالتوبة والتضرع إذا ابتلين بالخطيئة.
قوله: {عَابِدَاتٍ}.
ذكر أبو بكر أن العابد لا يسمى: عابدا حتى يتطوع، فإن كان على هذا، ففيه أنهن يقمن بأداء الفرائض، ويتطوعن مع ذلك.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: "كل عبادة في القرآن فهي توحيد؛ فالعابدات: الموحدات"، والموحد هو الذي يصدق أن خالق الخلق كله واحد لا شريك له؛ فجائز أن يكون العابد موحدا؛ لأنه يعمل لله تعالى خالصا لا يشرك في عبادته أحدا؛ فيكون فيه معنى التوحيد ولكن من حيث الفعل؛ فيكون أحد التوحيدين بالقول والثاني بالمعاملة والفعل.
وقيل: العابد هو الذي يؤدي الفرائض.
وقوله - عز وجل -: {سَائِحَاتٍ}.
هو الذي يسيح في الأرض بغير زاد، فسمي الصائم: سائحا؛ لما كف نفسه عن التناول من الزاد، فقوله: {سَائِحَاتٍ} أي: صائمات.
وقوله - عز وجل -: {ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً} لم يرد بهذا أنه ينشيء نسوة أبكارا وثيبات، ولكن معناه: أنه يبدله من كن بهذا الوصف، ثم جمع بين الثيبات والأبكار؛ لأن الثيبات مما يقل رغبة الخلق فيهن، وينفر عنه الطبع، فجمع بينهما في موضع الامتنان على الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لئلا تصرف كل الرغبة إلى الأبكار، بل يتزوجوا الثيبات كما يتزوجون الأبكار، والله أعلم.