التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ
١١
قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ
١٢
قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّاغِرِينَ
١٣
-الأعراف

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} قال الحسن: قوله {خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} أراد آدم خاصة؛ لأنه قال: {خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ} أخبر: أنه أمر الملائكة بالسجود لآدم بعد الخلق، ولو كان المراد منه نحن، [لكان السجود بعد خلقنا] وقد كان السجود قبل ذلك.
وقال غيره: المراد منه البشر كله؛ لأنه قال {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ} [أخبر أنه أمر الملائكة بالسجود لآدم]، ولو كان المراد آدم بقوله {خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} خاصة، لكان [لابد أن] يذكر آدم ثانياً؛ فدل أنه أراد به ذريته.
وقال بعضهم خلقناكم: [أي] آدم، {ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} في أرحامكم، ويحتمل ما قال الحسن، ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ} أي: قدرناكم من ذلك الأصل وهو نفس آدم؛ لأن الخلق [هو التقدير]؛ كما تقول: أنا خلقته، أي: قدرته، يقول: - والله أعلم - {خَلَقْنَاكُمْ}: أى قدرناكم جميعاً من ذلك الأصل والكيان، ومنه صورناكم، {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ} أي: وقد قلنا للملائكة {ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ} وذلك جائز في اللغة.
وقد يقول بعض أهل الكلام: إن النطفة هي إنسان بقوة، ثم تصير إنساناً بفعل.
ويقول بعضهم: هي كيان الإنسان، فجائز أن يكون إضافته إلى ذلك الطين كما هو كيان وأصل لنا.
وقوله: {فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ} قال الحسن: إبليس لم يكن من الملائكة، وذلك أن الله - عز وجل - وصف الملائكة جملة بالطاعة له والخضوع بقوله:
{ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } [الأنبياء: 27] وقال: { لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [التحريم: 6] وغيره من الآيات ولم يكن من إبليس إلا كل سوء، وقال أيضاً: خلق الملائكة من نور وإبليس من نار على ما ذكر، والنار ليست من جوهر النور؛ دل أنه ليس من الملائكة.
وقال في قوله: {فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ}: مثل هذا يجوز أن يقال: دخل هذه الدار أهل البصرة إلا رجلاً من أهل الكوفة، دل الاستثناء على أن دخل [هنالك] أهل الكوفة؛ فعلى ذلك يدل استثناء إبليس على أن [كان هناك] أمر بالسجود لآدم لغير الملائكة أيضاً، ولكن ليس لنا إلى معرفة ذلك فائدة: أنه كان من الملائكة أو من غيره، إنما علينا أن نعرف أنه عدوٌ لنا، وقد ذكرنا هذا فيما سبق.
وقوله عز وجل: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} قيل: قوله: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} أي: ما منعك أن تسجد على ما ذكر في آية أخرى و [لا زائدة].
وقوله عز وجل: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ...} بم علم عدو الله أن المخلوق من النار خير من المخلوق بالطين إلا أن يقال بأن النار جعلت لمصالح الأغذية، فمن هنا وقع له ذلك أنها خير من الطين، فيقال: إن النار وإن جعلت لصلاح الأغذية؛ فالطين جعل لوجود الأغذية فالذي جعل لوجود الشيء هو أنفع وأكبر مما جعل لمصالحه، ولعل الأغذية تصلح للأكل بغيرها بالشمس وغيرها.
وبعد فإن الطين مما يقوم للنار ويطفئها ويتلفها، والنار لا تقوم للطين ولا تتلفه؛ فإذا كان كذلك فلا يجوز أن يقع من هذا الوجه أنها أفضل وأخير من الطين.
ثم اختلف في الجهة التي كفر عدو الله إبليس:
قال بعضهم: إن إبليس عدو الله لم ير [لله على نفسه] طاعة بأمر السجود لآدم؛ لذلك كفر.
وقال آخرون: إنما كفر عدو الله لما لم ير الأمر بالخضوع والطاعة ممن فوقه لمن دونه حكمة؛ فكفر لما لم ير أنه وضع الأمر بالسجود موضعه، بل رآه لعنه الله واضعاً [أمراً في] غير موضعه.
وقال غيرهم: كفر عدو الله بالاستكبار والتكبر على آدم لا لمعنى آخر.
وقيل: أول من أخطأ في القياس وزلّ فيه إبليس لعنه الله.
وقوله عز وجل: {فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا} اختلف فيه:
قال بعضهم: قوله: {فَٱهْبِطْ مِنْهَا}، يعني من السماء؛ لأنه لعنه الله كان في السماء، فأمر بالهبوط منها؛ لما جعل السماء معدناً ومكاناً للخاضعين والمتواضعين، فأمر بالهبوط منها إلى مكان جعل ذلك المكان مكان الخاضعين والمتكبرين جميعاً وهي الأرض، والأرض معدن الفريقين جميعاً.
وقال بعضهم: الأمر بالهبوط منها أمر بالخروج من الأرض إلى جزائر البحور؛ لأن الأرض هي قرار أهلها وجزائر البحور ليست مكان قرار لأحد؛ ليكون فيها على الخوف أبداً؛ ألا ترى أنه قال:
{ وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ } [الأنبياء: 31] والبحار مما [تميد] بأهلها.
وأمكن أن يكون الأمر بالهبوط منها أمراً بالخروج من الصورة التي كان فيها إلى صورة أخرى لا يعرف أبداً ولا يرى عقوبة له لتركه أمر الله وارتكابه نهيه {فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا} في تلك الصورة أو في تلك الأرض؛ حتى لا يقر أبداً، ويكون على خوف أبداً.
ويحتمل في السماء؛ لما ذكرنا.
وقوله عز وجل: {فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّاغِرِينَ} وجه صغاره: أنه ما من أحد ذكره إلا وقد لعنه، ودعا عليه باللعن، فذلك صغاره، وأمكن أن يكون صغاره؛ لما صيره بحال يغيب عن الأبصار، ولا يقع عليه البصر، أو لما طرده عن رحمة الله.