التفاسير

< >
عرض

وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ أَخَذَ ٱلأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ
١٥٤
وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَافِرِينَ
١٥٥
وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ
١٥٦
ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ
١٥٧
-الأعراف

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ}.
الذي غضب لله على قومه بعبادتهم العجل.
ولا يحتمل ما قاله أبو بكر الأصم: أن الغضب عقوبة وشتم؛ لأن الغضب معروف، لا يجوز أن يتأول ما قال هو.
وقوله - عز وجل -: {أَخَذَ ٱلأَلْوَاحَ}.
يعني: الألواح التي وضعها على الأرض.
وقوله - عز وجل -: {وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ}.
قال بعضهم: يعني في نسخة الألواح لما كانت نسخت من اللوح المحفوظ.
وقال بعضهم: قوله: {وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى} أي: الكتب التي انتسختها بنو إسرائيل من تلك الألواح.
وقوله: {هُدًى وَرَحْمَةٌ} أي: هدى من كل ضلالة، وبيان من كل غي وشبهة، ورحمة من كل سخط وغضب.
{لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ}.
أي: للذين يخشون ربهم فيعملون بها.
وقوله - عز وجل -: {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا}.
قال بعضهم: قوله: {لِّمِيقَاتِنَا}، أي: لتمام الموعدة التي وعد، وهو الأربعون الذي وعد، ولكن لا ندري ما ذلك الميقات الذي ذكر؟
وقوله: {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ} قال بعضهم: السبعون الذين اختارهم موسى ليكونوا مع هارون فَعُبِدَ العجل في أفنيتهم، فلم ينكروا ولم يغيروا عليهم، فأخذتهم الرجفة.
وقال الحسن: إنهم جميعاً قد عبدوا العجل إلا هارون، فالرجفة التي أخذتهم إنما أخذتهم عقوبة لما عبدوا العجل، ولسنا ندري من أولئك السبعون الذين اختارهم موسى؟ وأمكن أن يكون موسى اختار السبعين ليخرجوا معه؛ فيكونوا شهداء له على إنزال التوراة عليه وكلام ربه.
وقيل: هم الذين تركهم في أصل الجبل، فلما جاءهم موسى بالتوراة، قالوا:
{ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ } [البقرة: 55] وهلكوا لقولهم ذلك، وقد ذكرنا أنا لا ندري من كانوا؟
وقيل: اختارهم موسى ليتوبوا إلى الله مما عمل قومهم.
وقوله: {فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ}.
قال بعض أهل التأويل: لو شئت أمتهم وإياي بقتل القبطي.
وقال آخرون: لو شئت أهلكتهم على نفس الإهلاك وإياي على القدرة، أي: تقدر على إهلاكي، ولكن لا تهلكنا لما لم يكن ما نستحقه ذلك، ويشبه أن يكون قوله: {لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ} إهلاك فتنة وإياي.
وقوله - عز وجل -: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ}.
هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: يقول - والله أعلم -: لك أن تهلكنا ابتداء إهلاك السفهاء بما فعلوا.
والثاني: يقول: لو شئت أهلكتهم وإياي من قبل، ولم تهلكنا يومنا؛ لأن موسى [إذا] أتى قومه وأخبرهم أنهم أهلكوا بسبب كذا لم يصدقه قومه بذلك، ولكنهم يتهمونه ويقولون: أنت قتلتهم على ما ذكر في بعض القصة أنه خرج بهارون إلى بعض الجبال فمات هارون هناك، فأخبر قومه بذلك فكذبوه، وقالوا: أنت قتلته؛ فعلى ذلك جائز أن يكون هاهنا خاف أن يتهمه قومه في أولئك ولا يصدقوه فيما حل بهم. والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ}.
يحتمل هذا وجوهاً:
يحتمل: يراد به التقرير.
ويحتمل الإنكار والرد.
ويحتمل الإيجاب.
أما الإنكار: فيكون معناه: أتهلكنا بما فعل السفهاء [منا]، أي: لا تفعل ولا تهلكنا بما فعل السفهاء منا، ومثل هذا قد يقال: يقول الرجل لآخر: أتفعل أنت كذا؟ على الإنكار، أي: لا تفعل؛ فعلى ذلك هذا. والله أعلم.
ويراد به: الإيجاب؛ كأنه قال: لك [أن] تهلكنا بما فعل السفهاء منا، وما هي إلا فتنتك أن يكون ذلك امتحاناً وابتلاء ابتداء، أي: تفعله امتحاناً وابتلاء لا تعذيباً.
ويحتمل أن يكون على الاستفهام، لكن لم يخرج له الجواب؛ كقوله:
{ أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } [الرعد: 33]، وقوله: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ } [الأنعام: 21] ونحوه مما لم يخرج له جواب؛ فعلى ذلك هذا.
ويجوز أن يكون إهلاكه إياهم محنة بتفريط كان من بعضهم، وإن كان بعضهم برآء من ذلك على ما كان من أهل المركز من العصيان، وكان الفشل والهزيمة عليهم محنة منه إياهم؛ كقوله:
{ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ... } الآية [آل عمران: 152]؛ فعلى ذلك هذا.
وقوله - عز وجل -: {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ}.
قال أبو بكر: تضل بها، أي: تنهى من تشاء [نهياً ما لولا ذلك النهي لم يكن الفعل فعل الضلال، وتهدي من تشاء أي تأمره أمراً ما لولا ذلك الأمر لم يكن الفعل] فعل الاهتداء، لكن حرف "من" إنما يعبر به [عن] الأشخاص دون الأفعال، فلو كان على ما ذكر هو، لقال: تضل به ما تشاء، فإن لم يقل ذا، ثبت أنه ليس على ما ذكر.
وتأويله عندنا: أنه يخلق فعل الضلال ممن يعلم أنه يختار ذلك، ويخلق فعل الهدى ممن يعلم أنه يختار ذلك، وهو خالق كل شيء.
وأصل ذلك: أن جميع ما يضاف إلى الله من طريق الأفعال على اختلاف الإضافة باختلاف وجوهها حقيقة، ذلك من الله خلق ما أضيف إليه من الوجه الذي يحق وصفه بأنه خالقه؛ فعلى ذلك قوله: {تَهْدِي} و{تُضِلُّ}.
ويحتمل: توفق وتخذل.
وقوله - عز وجل -: {أَنتَ وَلِيُّنَا} أي: أنت أولى بنا.
ويحتمل: أنت ولي هدايتنا.
أو: أنت ولي نعمتنا.
{فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَافِرِينَ}.
وأنت خير الراحمين؛ لأن كل أحد دونه إنما يرحم ويغفر برحمته.
وقوله - عز وجل -: {وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ}.
تحتمل الكتابة الإيجاب، أي: أوجب لنا في هذه الدنيا حسنة [وفي الآخرة أو الإثبات، أي: أثبت لنا وأعطنا في هذه الدنيا حسنة ويكون كقوله: آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة].
وقال بعضهم: قوله: {وَٱكْتُبْ لَنَا}، أي: وفق لنا العمل الذي نستوجب به الحسنة في الدنيا والآخرة.
ويحتمل: اكتب لنا في الدنيا الحسنات، ولا تكتب علينا السيئات، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً} تختم بها الدنيا وتنقضي بها، وإلا ما من مسلم إلا وله في [هذه] الدنيا حسنة أتاه إياها، وعلى ذلك يخرج قوله:
{ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً } [البقرة: 201] [أنهم] إنما سألوا حسنة لأن يختموا عليها، ويكون قوله: { مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ } [الأنعام: 160] كذا، والله أعلم بذلك.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ}.
قال بعضهم: قوله: {هُدْنَـآ إِلَيْكَ}، أي: ملنا إليك.
وقال غيرهم: {إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ}، أي: تبنا إليك.
وقيل: لذلك سمت اليهود أنفسهم يهوداً، أي: تائبين إلى الله، لكن لو كان كما ذكر، كان قوله:
{ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً } [آل عمران: 67] أي: تائباً، وذلك بعيد، ولكن إن كان [لذلك] سموا فهو - والله أعلم - { مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً } [آل عمران: 67] أي: لم يكن على المذهب الذي عليه اليهود، وكذلك لم يكن على المذهب الذي ادعت النصارى أنه كان عليه، ولكن كان حنيفاً مسلماً.
وقوله - عز وجل -: {قَالَ عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}.
قال الحسن: يشاء أن يصيب عذابه من كفر بالله وكذب رسله، وشاء من أطاع الله وصدق رسله أن يصيب رحمته.
ودل قوله: {عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ} أنه لما شاء أن يصيبهم عذابه شاء العمل والفعل الذي كان به يصيبهم؛ لأن حرف "من" إنما يعبر به عن بني آدم، و[ليس] جائز أن يشاء لهم الإيمان ثم يشاء لهم [أن يصيبهم] عذابه، ولكن إذا علم منهم أنهم لا يؤمنون ويختارون فعل الضلال على فعل الهداية، شاء لهم ما اختاروا.
وقوله: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}.
ما من أحد من مسلم وكافر إلا وعليه من آثار رحمته في هذه الدنيا، بها يتعيشون ويؤاخون ويوادون، وفيها يتقلبون، لكنها للمؤمنين خاصّة في الآخرة، لا حظ للكافر فيها، وذلك قوله: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ}: معصية الله والخلاف له، {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ}، و[هو] كقوله:
{ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ } [الأعراف: 32] جعل طيبات الدنيا نعمها مشتركة بين المسلم والكافر، خالصة للذين آمنوا يوم القيامة، لا حظ للكافر فيها؛ فعلى ذلك رحمته نالت كل أحد في هذه الدنيا، لكنها للذين آمنوا واتقوا الشرك خاصة في الآخرة.
ويحتمل قوله - والله أعلم -: {وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ} أنهم إنما سألوا الرحمة، فقال: سأكتبها للذين يتقون معاصي الله ومخالفته، والله أعلم.
وقوله: {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ} يحتمل: يؤتون الزكاة المعروفة.
ويحتمل: تزكية النفس؛ كقوله:
{ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا } [الشمس: 9-10] ومعلوم أنه لم يرد به زكاة المال، ولكن زكاة النفس بالتوحيد والتقوى، وكذلك قوله: { وَٱلْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ } [النور: 7] هو تلك الزكاة لا الزكاة المعروفة زكاة المال؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
وإن كان على الزكاة المعروفة فذلك في قوم ثقل عليهم واشتد إخراج الزكاة من أموالهم؛ كقوله:
{ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ... } [فصلت: 7] كذا.
وقوله - عز وجل -: {وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ}.
قد ذكرنا في غير موضع أن من آمن بآيات الله وصدقها فقد آمن بالله وبرسله، ومن كذب بآياته كذب بالله وخالف رسله؛ لأن طريق معرفة الله ورسله إنما هو من طريق الآيات والحجج، ليس من طريق المشاهدات والمحسوسات؛ لذلك كان الإيمان بالآيات إيماناً بالله وبرسله، والتكذيب بها كفر بالله ورسله.
وقوله - عز وجل -: {ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ}.
أي: يقفون أثر الرسول في كل سيرته، وفي كل أمره ونهيه، ويطيعونه؛ سماه رسولا ونبيّاً بقوله: {ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ} والرسول: المبعوث على تبليغ الرسالة والمأمور بها على كل حال، والنبي: المنبئ لهم أشياء عند السؤال والاستخبار، والرسول هو المأمور بالتبليغ سألوه أو لم يسألوا شاءوا أو أبوا، وكان لمحمد صلى الله عليه وسلم كلاهما: الإنباء والتبليغ؛ كقوله:
{ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ } [المائدة: 68]، وقوله: { إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ } [الشورى: 48].
وقوله - عز وجل -: {ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً}.
الأمي: ما ذكر في آية أخرى، وهو قوله:
{ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ... } الآية [العنكبوت: 48].
{ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ}.
أي: يجدونه مكتوباً في التوراة أنه رسول نبي، وأنه أمي.
قوله:
{ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ } [العنكبوت: 48].
لئلا يقولوا: إنك أخذت هذا من الكتب المتقدمة ومن علومها وحكمتها،
{ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ } [العنكبوت: 48]؛ لئلا يقولوا: إنه من تأليفك، ويعلموا أنه من عند الله جاء به، لا من ذات نفسه.
وفي قوله: {يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ...} إلى آخر ما ذكر - دلالة إثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن أولئك لم يأتوا بالتوراة، والإنجيل فيقولون: لا نجد ما تذكر في التوراة والإنجيل؛ دل ذلك منهم على أنهم وجدوه كذلك، والله أعلم.
وقوله: {يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ}.
أي: يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة أنه يأمر بما أمر الله به، وينهى عما نهى الله عنه.
{وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ}.
ما أحل الله لهم.
{وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ} ما حرم الله عليهم يجدونه في التوراة أنه لا يأمر بشيء ولا ينهى عن شيء ولا يحل شيئاً ولا يحرم إلا بأمر [من] الله له، لكنهم ينكرونه إنكار عناد ومكابرة؛ كقوله - تعالى -:
{ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ } [البقرة: 146] وغيره.
ويحتمل قوله: {يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ...} الآية، أي: يأمرهم بما هو معروف في العقل وشهادة الخلقة، وهو التوحيد، وكذلك ينهاهم عما هو في العقل وشهادة الخلقة منكر، وهو الكفر وجميع المعاصي.
{وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ} أي: يحل ما هو طيب في العقل والطبع، ويحرم ما هو خبيث في العقل والطبع جميعاً؛ لأن من الأشياء ما هو مستخبث في الطبع لم يجعل غذاء البشر فيه، وإنما جعل غذاءهم فيما هو مستطاب في الطبع بلغ غايته في الطيب، ولا كذلك جعل غذاء البهائم والأنعام؛ هذا محتمل، والله أعلم.
ثم المعروف الطيبات لو تركت العقول والطباع على ما هي عليه، لكانت لا حاجة تقع إلى رسول يخبر أن هذا معروف، وأن هذا طيب أو خبيث أو منكر، ولكن تعرف العقول والطباع ذلك كله، لكن يعترض العقول من الشبه فتمنعها من معرفة ذلك، فاحتاجت إلى رسول يخبر عن ذلك.
وقوله - عز وجل -: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ}.
قيل: ما غلظوا على أنفسهم من الشدائد.
وقيل: إصرهم: شدة من العبادة والعمل.
وقيل: إصرهم: عهدهم.
وقيل: إصرهم: [أي] الثقل الذي كان بنو إسرائيل ألزموه.
وقال القتبي: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ} أي: ذنبهم الذي كانوا يذنبون، أي: عقوبة الذنب الذي أذنبوا في الدنيا.
وقوله - عز وجل -: {وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}.
قال الحسن: إن اليهود قالوا: يد الله مغلولة، أي: محبوسة عن عقوبتنا، فقال - عز وجل -:
{ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ } [المائدة: 64] أي: غلت أيديهم إلى إعناقهم في النار، فأخبر أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم لما آمنوا به وصدقوه، رفعت تلك الأغلال التي كانت عليهم عن هذه الأمة بطاعتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقيل: الأغلال التي كانت عليهم: [الشدائد التي كانت عليهم] من نحو ما لا يجوز لهم العفو عن الدم العمد، ولا أخذ الدية، وما لا يجوز غسل النجاسات إلا العظم، وغير ذلك من الأشياء التي لم تحل لهم، فأحلت لهذه الأمة.
ويحتمل أن يكون الإصر والأغلال التي كانت عليهم: من نحو ما حرم من أشياء بظلم كان منهم وتحريم؛ نحو قوله:
{ فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ } [النساء: 160] وقوله: { وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ } [الأنعام: 146]، إلى قوله: { ذٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِبَغْيِهِمْ } [الأنعام: 146] حرمت تلك الأشياء عليهم؛ عقوبة لبغيهم وظلمهم الذي كان منهم، أخبر أنه وضع عن هؤلاء ذلك، لم يحرم ذلك عليهم.
وفي هذه الآية دلالة إثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أخبر أنه أمي، والأمي ما ذكر في قوله:
{ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ } [العنكبوت: 48] كان لا يتلوه ولا يخطه بيده، ثم أخبر على ما كان في كتبهم [من غير أن عرف ما في كتبهم] أو نظر فيها وعرف لسانهم؛ دل أنه [إنما] عرف ذلك بالله.
وقوله: {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ}.
أي: صدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم.
{وَعَزَّرُوهُ}.
قيل: أعانوه بأموالهم.
{وَنَصَرُوهُ}.
بأيديهم بالسيف.
وقال الحسن: قوله: {وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ} إنما هو كلام مثنى، وهو إعانة.
وقيل: {وَعَزَّرُوهُ} [أطاعوه {وَنَصَرُوهُ} أعانوه، وقيل: عزروه] أي: عظموه.
وقوله - عز وجل -: {وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ}.
يعني: القرآن؛ سماه نوراً؛ لما ينير الأشياء عن حقائقها بالعقول؛ لأن النور في الشاهد هو الذي يكشف عن الأشياء سواترها؛ فعلى ذلك القرآن هو نور؛ لما يرفع الشبه عن القلوب، ويكشف عن سواترها.
وقال بعضهم: سمى نوراً؛ لما ينير الأشياء ويعرف به ما غاب وما شهد، فيصير الغائب به [له] كالشاهد.