التفاسير

< >
عرض

وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ
١٥٩
وَقَطَّعْنَاهُمُ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ ٱسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
١٦٠
وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيۤئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ
١٦١
فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ
١٦٢
-الأعراف

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ}.
قيل: أمة يدعون إلى سبيل الحق.
{وَبِهِ يَعْدِلُونَ}.
أي: به يعملون [وهو كقوله:
{ ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ } [النحل: 125]. فعلى ذلك يحمل الأول على الإضمار والدعاء إلى سبيل الحق، فقال الحسن: {يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ} أي: يعملون] بالحق وبه يعدلون فيما بينهم؛ لكن الأول أقرب، والله أعلم.
ثم قوله: {وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ} جائز أن تكون الأمة التي أكرم من قوم موسى كانت في زمنهم يدعون الناس إلى الإيمان برسول الله.
أو أن تكون الأمة من قومه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقية من قوم موسى، مؤمنين به يدعون الناس إليه وبه يعملون.
وقوله: {وَقَطَّعْنَاهُمُ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً}.
قال ابن عباس - رضي الله عنه -: هو ما ذكره:
{ وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً } [الأعراف: 168] أي: جماعة.
وقيل: {وَقَطَّعْنَاهُمُ}، أي: جعلناهم {ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً} فرقاً.
وقال غيرهم: قوله: {وَقَطَّعْنَاهُمُ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً} أي: جاوزنا بهم البحر، وجعلنا لهم اثنتي عشرة أسباطاً.
قال أبو عوسجة: الأسباط: الأفخاذ، والسبط واحد.
وقال القتبي: الأسباط: القبائل، واحدها: سبط.
وقيل: [الأسباط لهم كالقبائل للعرب. وقيل:] الفخذ دون القبيلة.
وقيل: إن أولاد إسحاق تسمى: أسباطاً، وأولاد إسماعيل: قبائل وأفخاذاً؛ ولذلك يقال للعرب: قبيلة كذا، وفخذ كذا، ولسنا ندري كيف هو؟
وقيل: سبط الرجل: ولد ولده؛ على ما روي أن الحسن والحسين - رضي الله عنهما - سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقوله - عز وجل -: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ ٱسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ}.
قيل: دل [قوله]: {إِذِ ٱسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ} أنهم كانوا في المفازة، لا في البلدان والقرى؛ لأنهم لو كانوا في القرى، والقرى لا تخلو عن أنهار تجري فيها أو عيون [الأرض].
ألا ترى أنه قال: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَامَ} دل أنهم كانوا في المفازة؛ لأنه هنالك تقع الحاجة إلى الغمام، وأما في القرى فلا.
وقوله - عز وجل -: {فَٱنبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً}.
قال بعضهم: انفجرت؛ على ما ذكر في سورة أخرى.
وقيل: إن هذه الكلمة بلسانهم، لا بلسان العرب.
وقوله - عز وجل -: {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ}.
قال بعضهم: تعبدهم عز وجل بمعرفة كل منهم مشربه.
وقال بعضهم: لا، ولكن لئلا يزدحموا في ذلك فيقع في أولادهم التقاتل والإفساد والتنازع والاختلاف.
وقوله - عز وجل -: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ}.
فيه أن جميع مؤنتهم كانت من السماء بلا مؤنة ولا تعب على أنفسهم.
وقوله - عز وجل -: {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}.
ما ذكر من المن والسلوى وغيره.
{وَمَا ظَلَمُونَا}.
لا أحد يقصد قصد ظلم الله، ولكن إذا تعدوا حدود الله التي جعل لهم وجاوزوها فقد ظلموا أنفسهم؛ لما رجع ضرر ذلك التعدي إليهم.
وهذه النعم التي ذكر لهم - جل وعلا - إنما جعلها لهم في حال العقوبة والابتلاء من المن والسلوى، والعيون، والغمام، ويدل هذا على أن عقوبات الدنيا قد يشوبها لذة ونعمة, وكذلك لذات الدنيا وقد يمازجها شدائد وهموم، فإنما تخلص وتصفو هذه النعم في الآخرة، وكذلك العقوبة هنالك تخلص وتفارق اللذات.
وقوله - عز وجل -: {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ}.
قال عامة أهل التأويل: قوله: {ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ} بيت المقدس.
وأمكن أن تكون القرية التي ذكر - هاهنا - هي الأرض التي ذكرت في سورة المائدة، وهو قوله:
{ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ } [المائدة: 21] أمرهم بالدخول فيها، ونهاهم عن الارتداد على أدبارهم، وأمرهم - [هاهنا] - بالسكون فيها، وأباح لهم التناول منها مما شاءوا.
وقوله - عز وجل -: {وَقُولُواْ حِطَّةٌ}.
أي: ارجعوا إلى السبب الذي يحط الأوزار، لا قولهم: حط عنا كذا، وهو كما قال:
{ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ } [هود: 3]، أي: ائتوا بالسبب الذي به يغفر، وهو التوحيد.
{وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً} الآية.
قد مضى ذكر هذا في السورة التي فيها ذكر البقرة.
وقوله - عز وجل -: {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ}.
هذا - أيضاً - ذكرناه فيها، سوى أنه ذكر - هاهنا - {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً}، وذكر في سورة البقرة:
{ فَأَنزَلْنَا } [البقرة: 59] والقصة واحدة؛ ليعلم أن اختلاف الألفاظ لا يوجب اختلاف المعاني والأحكام، ولا تغييرها، وذكر هاهنا: {بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ}، [وذكر] هنالك: { بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } [الأعراف: 163]، والفسق هو الخروج عن الأمر، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وقد كان منهم الأمران جميعاً: الخروج عن أمر الله، ووضع الشيء - أيضاً - في غير موضعه. أكرم الله - عز وجل - هذه الأمة كرامات من الطاعة لرسولها، والخضوع له، والتعظيم له، حتى لم يخطر ببال أحد الخلاف له بعد ما اتبعه وآمن به، وأكرمهم - أيضاً - من الفهم والحكمة والفقه، حتى ذكر: كأنهم من الفقه أنبياء، وقوم موسى وغيرهم من الأمم لم يكونوا مثل ذلك؛ ألا ترى أن قوم موسى قد خالفوه في أشياء أمرهم موسى بها.